قد يكون النمو إيجابيًّا، كما هو الحال في معظم دول العالم، أو قد يكون سلبيًّا في بعض الدول، حين يكون عدد الوفيات و/أو عدد المهاجرين المغادرين أكثر من عدد الولادات.
يحمل النموّ الإيجابي المرتفع تحدّيات أساسية لاقتصاديات الدول التي لا يمكن لها أن توائم بين نموّها الاقتصادي ونموّها السكاني، ما يوقعها في الفقر والعوز، أو يفاقم الفقر الموجود عندها أصلًا. إلا أن النموّ السلبي لا يقلّ خطورة عن النمو الإيجابي المرتفع بحيث يؤدي في نهاية المطاف إلى تعمّر السكان إذا كان ناتجاً عن تفوّق الوفيات على الولادات، أو إلى تقلّص المقدرة الإنتاجية إذا كان ناجمًا عن الهجرة. إلا أنه، وفي بعض الأحيان، قد يكون النموّ السكاني السلبي وسيلة لفكّ الضغط الديموغرافي عن الدول المصدّرة للهجرة الشابة المدفوعة إلى الخارج بسبب تفاقم أزمات البطالة.
أين يقع لبنان؟
يقع لبنان اليوم على مفترق الطرق لناحية النمو السكاني المتراجع، بوتيرة مستمرة منذ ما يزيد عن 15 عامًا. ما يساعد في ذلك، تفاقم الهجرة المغادرة التي تخفّف من الضغط الاقتصادي ومن مشكلة البطالة التي زادت عن 30% في منتصف الأزمة المركّبة التي عصفت بنا منذ نهاية عام 2019، وما تزال تفعل فعلها لغاية اليوم. إلا أن تراجع النمو الطبيعي بوتيرة متسارعة منذ عام 2018 يضع البلاد أمام تحدٍ ديموغرافي أساسي يتمثّل في اتجاه المجتمع إلى التعمّر بحيث تزيد نسبة المسنّين فيه عن 15%.
وتعود أسباب تراجع النمو الطبيعي للسكان في لبنان بشكل أساسي إلى المواءمة بين مسألتَي تراجع أعداد الولادات بشكل مستمر منذ عام 2011 مع ارتفاع أعداد الوفيات بشكل مستمر أيضًا، ومنذ الفترة نفسها تقريباً. يشير الرسم 1 إلى تراجع النمو الطبيعي لسكان لبنان بحيث بلغ أعلى رقم له في العام 2011 حيث تجاوز الـ 72 ألف نسمة ثم تراجع بوتيرة متسارعة منذ عام 2018 ليصل إلى أدنى رقم في العام 2021 حيث بلغ 33405 نسمة، ليرتفع قليلًا في السنوات التالية، ويستقر عند 37025 نسمة لعام 2025 (الرسم 1).
![]()
(الرسم 1: النمو الطبيعي لسكان لبنان 2009-2025[i])
عند حساب معدل النمو بناءً على عدد السكان المقدّر عام 2020 من قبل إدارة الإحصاء المركزي والبالغ 4.8 مليون نسمة، نجد أن معدّل النمو الطبيعي للسكان في لبنان يبلغ 7.6 بالألف. ولكن عند حساب المعدّل الفعلي بناءً على عدد السكان اللبنانيين المقيمين في لبنان (3.7 مليون)[ii]، وبما أن هذه الولادات هي فقط للبنانيين، نحصل على معدل نمو طبيعي للسكان يقرب من 10 بالألف.
يضعنا الرقمان (7.6 أو 10 بالألف) في مرتبة متوسطة لناحية النمو الطبيعي بين الدول، حيث سجّلت النيجر المرتبة الأولى في النمو الطبيعي بمعدل بلغ 37 بالألف وأتت لاتفيا بالمرتبة الأخيرة بمعدّل سلبي هو -7.7 بالألف[iii] (Census.gov, 2026).
إلا أن الاعتماد على النمو الطبيعي لا يكفي للتعرّف على واقع النمو السكاني في بلد مثل لبنان يتأثر باستمرار بموجات هجرة وافدة إليه ومغادرة منه. إذ يصعب تحديد العدد الفعلي للمهاجرين الدائمين، أو لفترات طويلة، في بلد تغيب فيه الإحصاءات الدقيقة. لهذا نستخدم التقديرات التي تنشرها المؤسسات الخاصة.
فقد أشارت “الدولية للمعلومات” إلى أن عدد المهاجرين ما بين 2017 و2022 بلغ 275 ألف مهاجر. أما إذا أخذنا العام 2023، فقد أشار المصدر نفسه إلى مغادرة ما يزيد عن 32 ألف شخص خلال الأشهر الخمسة الأولى.
هنا نقدّم فرضيّتين لتسهيل العمل الديموغرافي: الأولى، هي في استمرار أعداد المغادرين على مدار السنة، كما هو خلال الأشهر الأولى منها، ليبلغ عندها العدد الكلي خلال عام 2023: وهو 77 ألف شخص. أما الفرضيّة الثانية فهي في قلّة الهجرة الوافدة خلال الأعوام 2019 – 2024، بسبب الأزمة المركّبة التي مرّ بها البلد[iv]. هكذا، نجد أن النمو السكاني في العام 2023 كان سلبيًّا بما أن النمو الطبيعي في هذا العام لم يزد عن 40500 فرد. أما صافي الهجرة فما كان بعيدًا عن 77 ألفاً. استمرار هذا الواقع من 2017 إلى اليوم أفرغ البلد سنوياً من عشرات الآلاف من المواطنين. وهو قد أدّى إلى انخفاض عدد اللبنانيين المقيمين في لبنان خلال عام 2024؛ وهو العدد الذي بلغ 3.7 مليون. وقد أشرنا سابقًا إلى أن عدد السكان المقيمين في بداية عام 2019 قد بلغ 3.87 مليوناً. (CAS, 2020)
أما إذا أخذنا استمرار الهجرة على هذا النحو، فنجد أنها أفرغت لبنان من حوالي 600 ألف شخص خلال 2019-2025. بينما لم ينمُ عدد سكان لبنان طبيعيًّا في الفترة نفسها إلا بمقدار 289 ألف نسمة. هذا النزيف المستمر هو من أبرز العوامل التي ساهمت وتساهم في تعمُّر المجتمع اللبناني. على المدى القصير، يسهم هذا النمط من النمو السكاني السلبي في التخفيف من عبء أزمة البطالة، ويساعد في رفد لبنان بأموال المغتربين. أما على المديين المتوسط والطويل، فإنه يحرم لبنان من يد عاملة خبيرة ومؤهّلة نفقدها سنويًّا، بعد إعدادها، لصالح الدول المستقبلة للهجرة.
هذا على الصعيد العام. أما عند الدخول في تفاصيل الواقع المناطقي اللبناني، فنجد تفاوتات جليّة بين المناطق. صحيح أن الاتجاه العام، في المناطق كلها، هو نحو تراجع النمو الطبيعي للسكان، إلا أن حدة هذا التراجع تختلف بين قضاء وآخر.
يسجّل قضاء الهرمل أعلى معدّل للنمو الطبيعي في لبنان مع 56.1 بالألف. أما أدنى معدّل فهو في قضاء المتن الشمالي حيث يبلغ 1 بالألف.
![]()
(الرسم 2: معدلات النمو الطبيعي للسكان في الأقضية اللبنانية 2011-2024)
أما في ما يتعلق بتطوّر النمو الطبيعي للسكان بين الأعوام 2011 و2014، فيظهر التفاوت واضحًا بين الأقضية. سجّل تطوّر النمو أرقامًا سلبية في جميع الأقضية من دون استثناء. إلا أن أكثر الأقضية التي تراجع فيها النمو، كانت المتن الشمالي (تراجع النمو بمعدل سنوي مقداره -15.3%)؛ كسروان (تراجع بمقدار -13.6%)؛ البترون (تراجع بمقدار -12.3%). أما أقل قضاء تأثر بتراجع النمو الطبيعي للسكان فكان قضاء عكار بنسبة -0.6%.
![]()
(الرسم 3: نسبة تغير النمو الطبيعي 2011-2024)
يساهم تفاوت معدلات الخصوبة، المتمثّل بعدد الولادات، في هذه التفاوتات بالدرجة الأولى. أما معدلات الوفيات المتفاوتة بين الأقضية فلا تدلّ بالضرورة على تفاوتات في التقديمات الصحية (وإن كان هذا الأمر صحيحًا في الأقضية البعيدة؛ تلك التي تحصل على أقل من غيرها لناحية التقديمات الصحية). إلا أن معدّلات التعمر المتفاوتة تلعب دورًا أساسيًّا في التغطية على الوفيات الناجمة عن سوء الرعاية والخدمات الصحية بحيث تنخفض معدلات الوفيات في الأقضية الفتيّة (عكار، المنية-الضنية) وترتفع في الأقضية المسنّة (جزين، المتن، البترون). وهذا بدوره، يسهم في خفض معدلات النمو الطبيعي للسكان في هذه الأقضية.
لا نملك معطيات دقيقة أو موثوقة حول نسب الهجرة إلى الخارج وفقًا للأقضية، مما يحد من إمكانية حساب معدلات النمو السكاني حسب القضاء. إلا أننا، وبالارتكاز إلى “نظرية الهجرة المتدرّجة” Step Migration Theory لإرنست رافنشتاين Ravenstein، نعرف أن الهجرة إلى خارج البلد تتدرّج في حدّتها من الأقضية الأبعد (حيث تكون أقل معدلات الهجرة الخارجية)، وصولاً إلى العاصمة (حيث تكون أعلى معدلات الهجرة إلى الخارج). فإبناء الأرياف العكارية يسلكون دربًا متدرّجًا في الهجرة بحيث يكون هناك عدد من الأمكنة التي تتيح لهم فرصًا مهنية واقتصادية – اجتماعية أفضل مما هو متاح في قراهم. فتتدرّج الفرض أمامهم من مركز المحافظة (حلبا) إلى طرابلس وصولًا إلى بيروت وجوارها. أما ابن طرابلس فتكون فرصه الاقتصادية الأفضل محصورة ببيروت وجوارها. وابن بيروت من النادر أن يجد فرصًا اقتصادية أفضل من المحيط الذي يعيش فيه، فلا يبقى له إلا الهجرة إلى الخارج.
كل هذا يعني أن أقضية مثل بيروت والمتن الشمالي وكسروان وبعبدا التي تحتوي على أكثر الفرص المهنية والاقتصادية نوعًا وكمًّا تشهد بدورها أعلى معدلات للهجرة المغادرة إلى الخارج. تُصنّف هذه الأقضية أصلًا ضمن الأدنى لناحية النمو السكاني، حتى أن بعضها قد شهد نموًّا طبيعيًّا سلبيًّا في بعض السنوات (أي أن عدد الوفيات في هذه السنوات كان أكثر من عدد الولادات) مثل: قضاء جزين في العام 2021، وقضاء كسروان في العامين 2021 و2022، وقضاء المتن الشمالي في الأعوام 2021، 2022 و2025. هكذا، فإن إدخال مركّب الهجرة المغادرة ضمن معادلة حساب النمو السكاني يؤدي إلى تراجع النمو السكاني في عدد من الأقضية في لبنان، ليكون سلبيًّا، وذلك منذ عدد من السنوات؛ الأمر الذي يؤدي إلى استنزاف هذه الأقضية من سكانها وخاصة الشباب منهم.
في الخلاصة ليس بالضرورة أن يكون تراجع الولادات مؤشّرًا على تطوّر المجتمع. فهو، وكما بات جليًّا في معظم الأقضية اللبنانية، سيقود إلى تدهور ديموغرافي ليس ببعيد. وعند إضافة المتغيرات الديموغرافية غير اللبنانية على الديموغرافيا اللبنانية الموجودة في لبنان نجد أن المستقبل السكاني فيه بات مهدّدًا بشكل واضح، بحيث من المتوقّع أن يصبح اللبنانيون أقلّية في لبنان بعد فترة لا تتجاوز العقد من اليوم، وهو ما سنحاول الإضاءة عليه في مقالات لاحقة.
[i] المديرية العامة للأحوال الشخصية.
[ii] بناءً على حسابات الباحث.
[iii] في الحقيقة تحتل أوكرانيا المرتبة الأخيرة حاليًّا بسبب الحرب الدائرة حيث يبلغ معدل النمو الطبيعي -11 بالألف. إلا أننا وضعنا لاتفيا مكان أوكرانيا لأن المعدل في لاتفيا لا يتأثر بالحرب بل يشير إلى ارتفاع كبير في الوفيات لأسباب مختلفة مقابل انخفاض كبير في الولادات.
[iv] ولن نذكر النزوح بما أن الدولة اللبنانية لا تعدّ النازحين المقيمين في المخيمات ضمن تعداد السكان.
