معضلة ملقا.. خنق العملاق الصيني من خاصرته البحرية

الصين دولة مترامية الأطراف، وكذلك الولايات المتحدة، وقد ازداد التنافس الجيوسياسي حدةً بين العملاقين في السنوات الأخيرة، مع تصاعد التوترات بشكل مطّرد.

إنه صراع على الزعامة. يستشهد غراهام أليسون (Graham Allison)، في كتابه الرائد «نحو الحرب: أميركا والصين وفخ ثوسيديدس»(1)، ليشير إلى أن الصراع بين هذين العملاقين الأميركي والصيني أمر لا مفر منه.

لم تتغير الرؤية الاستراتيجية طويلة الأمد للولايات المتحدة تجاه الصين منذ التحول العسكري الذي بدأه الرئيس باراك أوباما عام 2011. يهدف هذا التحول إلى إعادة نشر غالبية القوات الأميركية من أوروبا إلى مسرح عمليات المحيط الهادئ، الذي توسّع لاحقًا ليشمل الهند، ليصبح منطقة المحيطين الهندي والهادئ. واليوم، يُوسّع دونالد ترامب المجال ليشمل إندونيسيا.

ولا تزال المواجهة الكبرى — السياسية والاقتصادية، وربما العسكرية أيضًا — مع القوة الصاعدة للصين، الشغل الشاغل للدبلوماسيين والعسكريين الأميركيين. ولكن بينما لا يزال الاهتمام الدولي منصبًا على مضيق هرمز، الرمز الكلاسيكي لتوترات الطاقة منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية الأخيرة ضد إيران، تبرز نقطة اختناق أخرى، أكثر سرية ولكنها ذات أهمية استراتيجية بالغة، في قلب التنافس بين القوى العظمى: مضيق ملقا.

من خلال تعزيز العلاقات العسكرية مع إندونيسيا، يبدو أن دونالد ترامب يُحوّل مركز الثقل الاستراتيجي نحو هذه النقطة الحرجة للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة الصينية.

في هذه الخطوة، يتبع ترامب خطى الاستراتيجي البحري الأميركي ألفريد ثاير ماهان (Alfred Thayer Mahan)، الذي تحدث عن «معضلة ملقا» عام 2003.

يُعدّ تصويب ترامب نحو مضيق ملقا جزءًا من استراتيجية متعمّدة للعمل حيث تكون الصين أكثر عرضة للخطر، وهي أكثر خطورة من إغلاق مضيق هرمز.

في الواقع، لا تُخفي الولايات المتحدة رغبتها في السيطرة على المواد الخام الأساسية للحد من تطوير الصناعات الصينية والقوات المسلحة تحسبًا لنشوب صراع بين العملاقين.

النفط هو الرافعة القادرة على الحد من اندفاع الصناعات الصينية. وقد أدى الهجوم على فنزويلا إلى توقف فعلي لإمدادات النفط من ذلك البلد إلى الصين.

إيران هي ثاني أكبر مورّد للنفط للعملاق الآسيوي. وقد أدى إغلاق مضيق هرمز إلى زعزعة استقرار الدول المعتمدة على نفط الخليج تصديرًا واستيرادًا، دون أن يثير قلقًا كبيرًا في السوق الأميركية، التي باتت قادرة على الاعتماد على مواردها الهيدروكربونية وموارد فنزويلا. في المقابل، خسرت الصين موردًا نفطيًا ثانيًا كانت في أمسّ الحاجة إليه.

وتأخذ الجغرافيا السياسية في الحسبان حتمًا هذه المؤشرات الاقتصادية وأداء النمو الصيني. فعلى مر تاريخها الطويل، لم تُرسّخ الصين نفوذها في المحيطات، بل كانت دائمًا قوة قارية موجهة نحو قلب آسيا.

ولكن مع تحولها إلى قوة مصدّرة رئيسية، باتت إمداداتها من النفط والغاز تأتي من الخليج العربي. وتعني العوامل الجغرافية أن جميع مصالحها تتركز على الجانب الآخر من شبه القارة الهندية.

والوصول إلى الأسواق وموارد الطاقة يُجبر الأسطول التجاري الصيني على المرور عبر مضيق ملقا.

هي ورقة رابحة استخدمها ترامب في لحظة حرجة بالنسبة للمفاوضات مع إيران، حيث كان التركيز على مضيق هرمز، مستفيدًا من الاتفاقية العسكرية الموقّعة مع إندونيسيا. أضف إلى ذلك أن محيط ملقا، من ماليزيا إلى سنغافورة وصولًا إلى الفيليبين وأندونيسيا، يضم حلفاء لواشنطن.

لذا، لا يبقى أمام الصين سوى التوجه نحو المحيط الهادئ للوصول إلى أسواقها، بالالتفاف حول جزر ماليزيا وإندونيسيا، وصولًا إلى أوروبا ثم أفريقيا، وقبل كل شيء لضمان تدفق مستمر للنفط.

وكانت الصين قد توقعت مأزق مضيق ملقا، فتوجهت نحو بحار ومحيطات الجنوب. لذا فهي تطالب بفرض سيطرتها على معظم مساحات بحر الصين الجنوبي، الذي هو في الأصل مجرد اسم جغرافي وليس ضمن أراضيها.

تشمل المطالبات البحرية الصينية جزر سينكاكو، المتنازع عليها مع اليابان، وصولًا إلى أرخبيل جزر سبراتلي، بما في ذلك جزر باراسيل.

وتكشف نظرة سريعة على الخريطة أن الصين محاطة بالعديد من الأرخبيلات، وهو ما يمنعها من الوصول الحر إلى المحيط وأعالي البحار.

ولكن لتحقيق طموحاتها البحرية المتنامية، عليها المرور عبر منطقة أوكيناوا اليابانية. وهذا يفسر التوترات مع اليابان. العقبة التالية هي جزر سينكاكو حسب التسمية اليابانية (جزر دياويو بالنسبة للصينيين).

للوصول إلى أعالي البحار، يتعين على بكين الالتزام بما يُسمّى «حق المرور البريء»، أي إبلاغ طوكيو عن كل مرور لسفنها، إذ إن هذه الجزر تحت السيادة اليابانية، وتقع جميع الممرات ضمن نطاق 200 ميل بحري.

في الواقع، لا تمتلك هذه الجزر أي قيمة عسكرية تُذكر، ما عدا السماح للصين بالعبور نحو أعالي البحار.

ولكن للصين مطامع في تايوان؛ فهي لا تعتبر تايوان (فورموزا) دولة مستقلة. فبالنسبة لها، تايوان مقاطعة صينية يجب أن تعود إلى سلطة حكومة بكين.

ولكن، بعيدًا عن الاعتبارات القومية والمطالبات الإقليمية، فإن السيطرة على جزيرة تايوان الكبيرة ستفتح الطريق أمام البحرية الصينية إلى المحيط الهادئ دون المرور بالمناطق التي تهيمن عليها تحالفات مع واشنطن، وستجعل مضيق تايوان «قناة صينية» تتحكم في حركة الملاحة بين اليابان وجنوب شرق آسيا، وستكون ورقة رابحة في حرب المضائق.

إقرأ على موقع 180  ثنائي بايدن ـ فرنسيس والحوار مع إيران.. متى وكيف؟

[1] ثوقيديد أو ثوقيديدس (460 ق.م. – 395 ق.م.) مؤرخ أثيني إغريقى شهير، صاحب كتاب تاريخ الحرب البيلوبونيسية ويعد أول المؤرخين الإغريق الذين أعطوا للعوامل الاقتصادية والاجتماعية أهمية خاصة.

Print Friendly, PDF & Email
بسام خالد الطيّارة

كاتب لبناني وأستاذ جامعي مقيم في باريس

Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  كم نحتاج إلى مرجعيات بخطاب.. إصلاحي وتحرري