من يملك حق تعريف النصر؟ المفاوضات الأميركية الإيرانية بين الصفقة والحرب

ليست أزمة التفاوض بين واشنطن وطهران أزمة بنود تقنية فحسب. فالمسألة، في جوهرها، لا تتعلق فقط بعدد أجهزة الطرد المركزي، ولا بنسبة تخصيب اليورانيوم، ولا بجدول رفع العقوبات. هذه كلها تفاصيل مهمة، لكنها ليست العقدة الكبرى. العقدة الحقيقية أن الأطراف لا تختلف فقط على شروط الاتفاق، بل تختلف قبل ذلك على معنى النصر نفسه.

دونالد ترامب يريد اتفاقاً يستطيع بيعه لجمهوره بوصفه انتصاراً شخصياً وسياسياً. بنيامين نتنياهو يُريد نتيجة تُغيّر ميزان القوة، لا مجرد ورقة دبلوماسية. إيران تُريد مخرجاً يمنع الانهيار من دون أن يبدو كأنه استسلام. أما المنطقة العربية، وهي الأكثر تأثراً بنتائج الحرب أو التسوية، فما زالت في كثير من الأحيان خارج دائرة القرار.

هنا تصبح المفاوضات أكثر من اختبار دبلوماسي. إنها صراع على الرواية. من يخرج منتصراً؟ من يتنازل من دون أن يبدو مهزوماً؟ ومن يدفع الثمن إذا فشل الجميع في تسمية الخسارة باسم آخر؟

ترامب وصفقة الصورة

يدخل ترامب هذه المعادلة بعقلية رجل يبحث عن صفقة كبرى أكثر من بحثه عن تسوية هادئة. يريد اتفاقاً يقول من خلاله إنه فعل ما لم يفعله بارك أوباما، وإن الاتفاق الجديد مع إيران سيكون أقوى وأفضل من الاتفاق النووي السابق. لكن مشكلة هذا المنطق أنه يخلط بين الدبلوماسية والاستعراض.

فالاتفاقات الكبرى لا تعيش لأنها تُوقّع أمام الكاميرات، بل لأنها تمنح كل طرف ما يكفي من المصلحة كي يلتزم بها بعد أن تنطفئ الأضواء. ترامب يريد إيران ضعيفة بما يكفي لتقبل، وقوية بما يكفي لتوقع، ومحرجة بما يكفي ليظهر هو منتصراً. وهذه معادلة شديدة الصعوبة، لأن الأنظمة العقائدية لا توقع بسهولة على ما يُمكن أن يبدو أمام جمهورها “وثيقة إذلال”.

لهذا تتعثر المفاوضات كلما اقتربت من لحظة الحقيقة. واشنطن لا تريد حرباً مفتوحة، لكنها لا تريد اتفاقاً يبدو تنازلاً عند الجمهوري الأميركي. وطهران لا تريد عزلة خانقة، لكنها لا تريد تسوية تبدو استسلاماً عند جمهورها. وبين الاثنين تقف المنطقة على حافة صراع لا يستطيع أحد ضمان نهايته.

نتنياهو وخوف الاتفاق الناقص

بالنسبة إلى نتنياهو، لا تكفي صفقة نووية محدودة. المشكلة في نظره ليست في مستوى التخصيب وحده، بل في قدرة إيران على إعادة إنتاج قوتها لاحقاً. لذلك فإن أي اتفاق لا يمس البنية الاستراتيجية لهذه القدرة سيبدو في إسرائيل اتفاقاً ناقصاً، وربما خطراً.

إسرائيل لا تريد فقط تجميد التهديد، بل تريد تقليص القدرة الإيرانية على العودة إليه. تريد ضمانات لا وعوداً. تريد نتيجة قابلة للقياس، لا صياغة دبلوماسية قابلة للتأويل. وهذا ما يجعل أي تسوية محدودة عرضة للشك الإسرائيلي، حتى لو بدت مقبولة في واشنطن.

هنا يظهر التباين داخل المعسكر الواحد. ترامب قد يكتفي باتفاق يمنحه مشهداً سياسياً قابلاً للتسويق. نتنياهو لا يثق كثيراً بالصور والمشهديات. يريد أن يرى إيران أضعف فعلياً، لا أقل صخباً دبلوماسياً. وهذا الفارق بين صفقة قابلة للبيع وتغيير قابل للقياس هو أحد أكبر أسباب هشاشة أي تفاهم محتمل.

 إيران والتفاوض من دون إذلال

أما إيران فتفاوض وهي تحمل عبئاً مزدوجاً: ضغط الخارج والداخل. فهي لا تفاوض فقط كدولة تبحث عن تخفيف العقوبات أو وقف التصعيد، بل كنظام يريد الحفاظ على صورته وهيبته وشرعيته أمام مؤسساته وجمهوره وحلفائه.

في طهران، ليس السؤال فقط: ماذا يمكن أن تأخذ إيران من واشنطن؟ بل من يملك حق تقديم التنازل؟ الدولة الرسمية؟ المؤسسة الأمنية؟ مجلس الأمن القومي؟ القيادة الدينية؟ الحرس الثوري؟ كل تنازل له كلفة، وكل مرونة يمكن أن تقرأ في الداخل كضعف، خصوصاً إذا جاءت بعد حصار أو تهديد أو ضغط عسكري مباشر.

إيران تعرف أن التصعيد مكلفٌ. لكنها تعرف أيضاً أن التراجع المعلن قد يكون أكثر كلفة داخل النظام. لذلك تحاول تحويل الضرورة إلى صمود، والتراجع إلى مناورة، والاتفاق إلى انتصار تكتيكي. إنها لا تبحث فقط عن شروط أفضل، بل عن لغة تسمح لها بأن تقول إنها لم تهزم.

حين تصبح الجغرافيا سلاحاً عالمياً

في قلب هذه الأزمة يقف مضيق هرمز، لا كممر بحري فقط، بل كأداة ضغط اقتصادي عالمي. فكلما ارتفع التوتر في الخليج، لا تكون الرسالة موجهة إلى واشنطن وحدها، بل إلى آسيا وأوروبا وأسواق الطاقة وشركات التأمين والمستهلك العادي.

بحسب تقديرات وكالة الطاقة الدولية، يمر عبر مضيق هرمز ما يقرب من 20 مليون برميل يومياً من النفط، وهو رقم يجعل أي اضطراب طويل في هذا الممر صدمة عالمية لا إقليمية فقط. لذلك لا يبقى التوتر في الخليج خبراً سياسياً عابراً، بل يتحول سريعاً إلى سؤال عن أسعار الوقود، وكلفة الشحن، وفواتير الكهرباء، وسعر الغذاء.

وهنا تتحول السياسة إلى فاتورة يومية. المواطن الذي لا يعرف تفاصيل البرنامج النووي الإيراني قد يدفع الثمن في محطة الوقود، وفي تكلفة النقل، وفي أسعار السلع، وفي تراجع القدرة الشرائية. الحروب الكبرى لا تبقى حيث تبدأ. تبدأ في غرفة عمليات أو على طاولة تفاوض، ثم تصل إلى جيب الناس في أبعد نقطة من العالم.

إقرأ على موقع 180  الجحيم العربي.. ديكتاتوريات وممنوعات!

من يستفيد من بقاء الأزمة؟

كل طرف يعلن أنه يريد الاستقرار، لكن ليس كل طرف يتضرر من استمرار الأزمة بالقدر نفسه. روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة ومن انشغال واشنطن بجبهة إضافية. الصين تستفيد سياسياً من استنزاف القوة الأميركية، لكنها تخسر اقتصادياً إذا تعطلت التجارة والطاقة. إسرائيل تستفيد من كل ما يضعف إيران، لكنها تخشى اتفاقاً سريعاً يترك إيران أكثر شرعية. إيران تستفيد داخلياً من خطاب الصمود، لكنها تُستنزف اقتصادياً واجتماعياً. ترامب يستفيد من صورة القائد الحازم، لكنه يخسر إذا تحولت الأزمة حرباً طويلة أو صدمة أسعار تضرب الداخل الأميركي.

لا يوجد رابح كامل هنا. يوجد لاعبون يحاولون إدارة خسائرهم، وتحويلها إلى أوراق تفاوض، وبيع التراجع باعتباره نصراً جزئياً. إنها ليست لعبة انتصار مطلق، بل لعبة منع الهزيمة العلنية.

العرب وسؤال الكلفة الغائبة

بالنسبة إلى الدول العربية، لا تبدو هذه الأزمة بعيدة أو نظرية. فكل تصعيد بين واشنطن وطهران ينعكس مباشرة على المنطقة، سواء عبر أسعار الطاقة، أو أمن الممرات البحرية، أو حركة الاستثمار، أو استقرار الأسواق، أو كلفة الاستيراد والنقل والتأمين.

في الخليج، يزداد القلق من أمن الملاحة وأسواق النفط والغاز، لأن أي اضطراب طويل في مضيق هرمز لا يبقى حدثاً أمنياً محدوداً، بل يتحول سريعاً إلى أزمة اقتصادية عالمية. أما الدول العربية المستوردة للطاقة والغذاء، فقد تجد نفسها أمام موجة جديدة من التضخم، وارتفاع في كلفة المعيشة، وضغط إضافي على ميزانيات منهكة أصلاً.

لذلك لا يهم العرب فقط ما إذا كانت واشنطن وطهران ستتوصلان إلى اتفاق أم لا. الأهم هو شكل هذا الاتفاق، وحدوده، وأثره العملي على استقرار المنطقة. فالتسوية الناقصة قد تترك التوتر قائماً تحت السطح، والحرب المفتوحة قد تجعل العرب أول من يدفع الثمن، اقتصادياً وأمنياً وسياسياً. المشكلة أن المنطقة كثيراً ما تتحمل نتائج قرارات لا تشارك فعلياً في صناعتها.

الخطر في الطريق لا في النهاية فقط

قد توقع صفقة في النهاية، وقد تفشل المفاوضات. لكن الأهم أن أثر هذا المسار بدأ قبل الوصول إلى النتيجة. فكل طرف يفاوض وفي ذهنه جمهوره الداخلي، وحلفاؤه، وخصومه، وصورته في التاريخ. ترامب يريد صفقة رابحة. نتنياهو يريد إيران أضعف حالٍ. إيران تريد البقاء من دون إذلال. روسيا تريد أزمة طويلة بما يكفي لتوسيع هوامشها. الصين تترقب صفقة رابحة للجميع. آسيا وأوروبا تريدان فتح المضيق وخفض الأسعار. والعرب يريدون ألا يدفعوا مرة أخرى ثمن ترتيبات أمنية لم يكونوا جزءاً من صياغتها.

في النهاية، المشكلة ليست فقط في صعوبة الاتفاق. المشكلة أن كل طرف يريد أن يكون هو من يُعرّف معنى النصر. وحين يتنازع الجميع على تعريف النصر، يصبح السلام نفسه مؤجلاً، وتصبح المنطقة رهينة لعبة أكبر منها، أخطر ما فيها أن أحداً لا يعرف متى وكيف وأين تنتهي إذا خرجت عن السيطرة.

Print Friendly, PDF & Email
معتز زريقة

أكاديمي وناشط سياسي لبناني

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  فلسطين الدم والحياة.. والرهان