الطائف اللبناني المؤجل.. وسؤال الشرعية من الدولة إلى السلاح

لم يعد النقاش في لبنان يدور حول سلاحٍ أو تفاوضٍ أو حدودٍ فحسب، بل حول سؤالٍ أبعد وأخطر: أيّ دولة يريدها اللبنانيون، وأيّ دولة يمكن أن تُؤتمن على قرار الحرب والسلم؟ في لحظةٍ تختلط فيها نار الجنوب بانقسام الداخل، ويعلو فيها صوت التفاوض مقابل صوت المقاومة، تتكشف أزمة أعمق من كل العناوين المعلنة: أزمة ثقة بدولةٍ لم تُستكمل شروطها، وبنظامٍ لم يُطبّق عقده المؤسس إلا على نحوٍ انتقائي. من هنا، يعود اتفاق الطائف إلى الواجهة، لا بوصفه نصًا يُستدعى عند الحاجة، بل بوصفه وعدًا مؤجّلًا لدولةٍ لم تولد بعد.

لعلّ الأخطر داخلياً أنّ الخلاف حول التفاوض مع إسرائيل لم يعد محصورًا بين حزب سياسي وحكومة، أو بين المقاومة ورئاسة الجمهورية، بل أخذ يتسلّل إلى قلب البنية الدستورية. هنا لا تبدو الأزمة أزمة سلاح فقط، ولا أزمة تفاوض فقط، بل أزمة ثقة وطنية في الدولة التي يُراد لها أن تحتكر القوة وتقرر المصير، فيما لم تثبت بعد أنها دولة جامعة وضامنة لكل مكوّناتها.

من هنا تعود إشكالية اتفاق الطائف إلى الواجهة: هل يُستدعى الطائف اليوم بوصفه نصًا انتقائيًا لنزع السلاح، أم بوصفه عقدًا وطنيًا كاملًا لم يُطبّق بعد؟ فالطائف لم يَعِد اللبنانيين بحصرية السلاح وحدها، بل وعدهم أيضًا بإلغاء الطائفية السياسية وبلامركزية إدارية وخطة تنموية شاملة وبناء دولة عادلة وإنشاء مجلس شيوخ للقضايا المصيرية، ومنع احتكار القرار من أي فئة أو طائفة أو تحالف عابر. لذلك لا يمكن معالجة قضية السلاح والسيادة إلا من داخل سؤال أكبر: أي دولة نريد أن نسلّمها قرار الحرب والسلم؟

الطائف فكرة مؤجلة

لم يكن اتفاق الطائف مجرد آلية لإنهاء الحرب الأهلية، بل كان محاولة لإعادة تأسيس النظام السياسي اللبناني بعد انفجار الصيغة القديمة. لذلك جمع بين بسط سلطة الدولة وحلّ الميليشيات من جهة، وبين إصلاح النظام السياسي وإلغاء الطائفية السياسية من جهة ثانية. غير أن ما حصل بعد الحرب كان تطبيقًا مجتزأً: أُعيد توزيع السلطة بين الرئاسات والطوائف، ودخلت زعامات الحرب إلى الدولة، وتوسّعت المحاصصة في الإدارة والمال والقضاء والأمن، بينما بقيت البنود الإصلاحية الكبرى معلّقة.

هكذا تحوّل الطائف من مشروع انتقال إلى دولة المواطنة إلى تسوية لإدارة الطوائف. بقيت المناصفة قائمة، وبقي مجلس الشيوخ غائبًا، وبقيت الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية فكرة مؤجلة..

الدولة العميقة

في هذا السياق، لا يمكن فهم الاستعصاء اللبناني من دون استحضار فكرة «الدولة العميقة». غير أن الدولة العميقة في لبنان لا تشبه غيرها من نماذج متعارف عليها. هذه الدولة العميقة عبارة عن شبكة مركّبة من الزعامات الطائفية، والمصالح المالية، والإدارة المحاصصية، والأجهزة، والقضاء المعطّل، والإعلام، والقطاع المصرفي، والروابط الخارجية. هذه الشبكة لا تعمل دائمًا في الخفاء؛ جزء كبير منها ظاهر، لكنه يشتغل بمنطق أعمق من النص الدستوري.. ولعل تجربة الإنهيار الاقتصادي والمالي (2019) بيّنت للبنانيين وللمجتمع الدولي أن الدولة العميقة في لبنان عصبها المال ولا يمكن هز أركانها بسهولة، كونها موجودة في كل مفاصل وتفاصيل لبنان.

إلغاء الطائفية السياسية

ليست الدعوة إلى إلغاء الطائفية السياسية مطلبًا مستجدًا فرضته أزمة حصرية السلاح. فقد طرحته الحركة الوطنية اللبنانية، بقيادة كمال جنبلاط، منذ بدايات الحرب الأهلية (1975-1990)، برنامجًا إصلاحيًا جعل إلغاء الطائفية السياسية مدخلًا أساسيًا لإنهاء الصراع ومنع احتكار القرار اللبناني من أي جهة طائفية أو سياسية. كان تقدير الحركة الوطنية أن النظام الطائفي لا ينتج دولة جامعة، بل يفتح الباب أمام الامتيازات والنفوذ والتدخل الخارجي.

وقد جاء اتفاق الطائف (1989)، ليعيد إدراج هذه الفكرة في صلب النظام الدستوري. غير أن ما عجزت عنه الحركة الوطنية قبل الحرب في نقل لبنان من دولة الطوائف إلى دولة المواطنة، عجزت عنه دولة ما بعد الطائف؛ لذلك لا يمكن أن نضع مطلب إلغاء الطائفية السياسية بوصفه خروجًا على الطائف، بل عودة إلى جوهره المؤجّل.

الديموغرافيا المؤجلة

يزيد البعد الديموغرافي من تعقيد الأزمة. فلا يوجد إحصاء رسمي حديث في لبنان منذ عام 1932، لكن التقديرات العامة تشير إلى تراجع الوزن العددي للمسيحيين إلى حدود الثلث تقريبًا أو أقل، في مقابل استمرار المناصفة في البرلمان ووظائف الفئة الأولى. والمشكلة هنا ليست في وجود ضمانات للمسيحيين، فهم مكوّن تأسيسي في الكيان اللبناني؛ بل تحوّل الضمانات من ترتيبات انتقالية إلى نظام دائم للمحاصصة.

لقد نصّ اتفاق الطائف على المناصفة في مناصب الفئة الأولى فقط، لا على تحويل كل موقع إداري أو مالي أو أمني إلى حصة أو محاصصة أو مناصفة طائفية ثابتة. لكن منطق الزبائنية السياسية والمزايدة الطائفية ذهب أبعد من النص، فصل تعيين حارس لأحد الأحراش في أقصى عكار أو الجنوب أو البقاع محكوما بالمناصفة، بدليل ما حصل مؤخراً في موضوع التفرغ في الجامعة اللبنانية.. وهو ملف يمكن تناوله بشكل مستقل، لأهميته من جهة ولأهمية الدور الذي يُفترض أن تلعبه الجامعة الوطنية من جهة ثانية، في أي مشروع لبناء دولة المواطنة.

الطائفة بين الخذلان والعدوان

في هذا السياق، يأتي ملف التفاوض مع إسرائيل ليعيد فتح الجرح الطائفي في لبنان، في ظل استمرار الاعتداءات والتدمير والقتل والتهجير في الجنوب، الأمر الذي لا يجعل النقاش حول التفاوض مجرد مسألة تقنية، بل يتحول إلى قضية وطنية بامتياز: هل تستطيع دولة منقسمة طائفيًا، وتحت ضغط خارجي واضح، أن تتخذ قرارًا مصيريًا كالتفاوض مع إسرائيل من دون موافقة جميع اللبنانيين؟

إقرأ على موقع 180  إعلان حالة الطوارىء.. لزوم ما لا يلزم

ولو أخذنا مثل الجنوب وحده؛ من جهة، يُطلب منه أن يثق بدولة لم تثبت قدرتها على حماية أهله، ومن جهة أخرى، يتعرض لضغط إسرائيلي تدميري مستمر، ولخطاب داخلي يحمّل حزبًا لبنانيًا مسؤولية الانكشاف، فتكون النتيجة المزيد من الانكماش الأهلي والخوف الوجودي.

ومن هنا يصبح تطبيق الطائف ضرورة وطنية لا مطلبًا فئويًا. فالمكوّن الذي يُطلب منه التخلي عن فائض القوة يحتاج إلى ضمانة سياسية داخلية، وهذه الضمانة لا يمكن أن تكون وعودًا أو بيانات، بل إصلاحًا دستوريًا ومؤسسيًا يثبت أن الدولة لن تكون أداة ضده، ولن تترك الجنوب مكشوفًا، ولن تذهب إلى تسويات مصيرية من دون وفاق وطني عريض.

سلة كاملة

لذلك، فإنّ الطريق الوسط الذي يجب أن يسلكه الجميع ليس في إبقاء السلاح خارج أي نقاش، ولا في المطالبة بنزعه فورًا تحت ضغط الانقسام الداخلي والعدوان الخارجي، وإنما في ربط موضوعه في سلّة وطنية كاملة: إلغاء الطائفية السياسية، إنشاء مجلس شيوخ، قانون انتخاب وطني، استراتيجية دفاعية، إنماء متوازن، إعادة إعمار الجنوب، وتعريف واضح للقضايا المصيرية التي لا يجوز أن تُحسم بأكثرية ظرفية، ولا سيما موقع لبنان الإقليمي.

عندها، لا يعود السلاح عنوانًا لانقسام أهلي، بل جزءًا من انتقال تدريجي نحو الدولة، ويتحوّل النقاش من سؤال: من ينتصر على من؟ إلى سؤال: كيف نمنع سقوط لبنان كله في منطق الغلبة؟

المعادلة العادلة

من يريد حصرية السلاح بيد الدولة عليه أن يقبل أولًا ببناء الدولة التي تستحق هذه الحصرية: دولة قوية، غير طائفية، عادلة، قادرة، ضامنة، لا تُدار بالمحاصصة ولا بالخذلان ولا بالارتهان للخارج. ليست المعادلة عبارة عن أسود وأبيض: سلّموا السلاح ثم نبحث في الدولة، وليست أيضًا: يبقى السلاح إلى ما لا نهاية لأن الدولة ضعيفة. المعادلة العادلة هي: نبني الدولة الضامنة كي يصبح انتقال القوة إليها ممكنًا وآمنًا. عندها فقط يمكن لاتفاق الطائف أن يخرج من نصوصه المؤجلة، وأن يتحول إلى عقد حماية متبادل: يحمي الجنوب من العدوان، ويحمي الطوائف من الغلبة، ويحمي الدولة من التفكك، ويحمي لبنان من أن يتحول كل خلاف فيه إلى مشروع حرب جديدة.

Print Friendly, PDF & Email
طليع كمال حمدان

أستاذ جامعي، لبنان

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  الاتفاق الإيراني السعودي.. كيف يترجم في "الساحات"؟