ما كان يُفترض أن يكون تسوية تاريخية تنهي الحرب الأهلية عام 1990 وتفتح الباب أمام إعادة بناء الدولة، تحوّل تدريجيًا إلى صيغة حكم تُنتج مفارقة مستمرة؛ قدر من الاستقرار يمنع الانفجار الشامل، يقابله شلل بنيوي يعطّل القدرة على اتخاذ القرار. لم يعد التعطيل استثناءً في عمل المؤسسات، بل أصبح جزءًا من آلية عملها. فكل قرار أساسي يحتاج إلى إجماع، وهذا الإجماع غالبًا ما يكون متعذرًا، أو يُستخدم كأداة تفاوضية لا كآلية حسم.
بهذا المعنى، لا يعمل التوافق الوطني على حلّ الأزمات، بل على تنظيمها وتأجيل انفجارها. إنه أشبه بهندسة دقيقة لإدارة التناقضات، حيث تُضبط الصراعات ضمن حدود معينة، من دون أن تُعالج جذورها البنيوية. فالاستقرار الذي ينتجه ليس إلا استقراراً هشاً قائماً على تجميد التوازنات لا على إعادة بنائها.
نظام هجين
لقد أعاد اتفاق الطائف توزيع السلطة بين الطوائف، لكنه لم يلغِ منطق الطائفية السياسية، بل أعاد إنتاجه بصيغة أكثر توازنًا. وبرغم النصّ الصريح على إلغاء الطائفية السياسية كهدف نهائي، فإن التطبيق العملي كرّسها بشكل غير مباشر، عبر تثبيت مبدأ المشاركة الإجبارية بين المكونات. لم تعد السلطة تُمارَس وفق مبدأ الأكثرية، بل وفق توازنات دقيقة تمنع أي طرف من الانفراد بالقرار. وهكذا نشأ نظام هجين، يحتفظ بمؤسسات ديموقراطية شكلية، لكنه يعمل فعليًا وفق منطق توافقي معطِّل.
في هذا النظام، يصبح “حق التعطيل” غير المكتوب مكوّنًا أساسيًا من مكوّنات الحكم، يوازي في تأثيره حق المشاركة. كل طائفة ترى نفسها شريكًا مؤسسًا، لا يمكن تجاوزه في أي قرار مصيري، ما يجعل التوافق ليس مجرد خيار، بل شرطًا وجوديًا لاستمرار النظام. غير أن هذا الشرط ذاته هو ما يُقيّد فعالية الدولة ويمنعها من التحول إلى سلطة حاكمة بالمعنى الكامل.
يتجلى هذا الواقع بوضوح في نظام المحاصصة، الذي يُشكّل التعبير العملي عن التوافق الوطني. فبدل أن تكون الدولة إطارًا جامعًا، تتحول إلى ساحة توزيع للحصص بين القوى الطائفية، ما يُعزّز الزبائنية ويضعف مفهوم المصلحة العامة. تصبح الإدارة العامة امتدادًا للتوازنات السياسية، لا جهازًا مستقلاً يعمل وفق معايير الكفاءة والمساءلة والمحاسبة.
معادلة لبنانية معقدة
لكن أزمة النظام لا تقف عند حدود المحاصصة. فوجود قوى مسلحة خارج إطار الدولة أعاد تشكيل مفهوم السيادة نفسه. لم تعد الدولة تحتكر استخدام القوة، بل باتت تشاركها فيه قوى أخرى تمتلك شرعية خاصة بها، سياسية وأمنية. هنا تنشأ ازدواجية عميقة في مصادر الشرعية، شرعية دستورية تستند إلى مؤسسات الدولة، وشرعية موازية تستند إلى أدوار عسكرية وسياسية خارجها.
هذا التداخل بين الشرعيات يجعل القرار السياسي نتاجًا لمعادلة معقدة، لا تُحسم داخل المؤسسات الرسمية وحدها. فالتوافق الوطني لم يعد يقتصر على التوازنات الدستورية، بل أصبح يشمل أيضًا إدارة العلاقة مع هذه القوى، وما تمثله من امتدادات إقليمية. بذلك، يتجاوز التوافق حدوده الداخلية ليصبح انعكاسًا لتوازنات خارجية، في بلد لطالما كان ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية.
لا مساءلة ولا محاسبة
إلى جانب هذه العوامل البنيوية، تلعب الذاكرة الجماعية للحرب الأهلية دورًا حاسمًا في تثبيت منطق التوافق. فقد رسّخت الحرب ثقافة سياسية تميل إلى تجنب الصدام المباشر، وجعلت من الاستقرار قيمة عليا، حتى لو جاء على حساب فعالية الدولة. في ظل هذا الوعي، يُنظر إلى أي محاولة للحسم على أنها مغامرة قد تعيد فتح أبواب الصراع. وهكذا، يصبح التوافق خيارًا “آمنًا”، حتى لو كان مكلفًا على المدى الطويل.
غير أن هذا الخيار يترتب عليه ثمن واضح، وهو تآكل مبدأ المحاسبة. ففي حكومات قائمة على التوافق الشامل، يصعب تحديد المسؤوليات، وتذوب الفروق بين السلطة والمعارضة. الجميع مشارك والجميع معارض ولا أحد يُحاسِب أو يُحاسَب. هذه البنية تُضعف آليات المساءلة، وتُبقي الأداء العام في دائرة المراوحة.
بالنسبة إلى معظم الطوائف، لا يُنظر إلى التوافق بوصفه مجرد آلية ديموقراطية، بل كضمانة وجودية. التجربة التاريخية رسّخت قناعة عميقة بأن غيابه قد يعني الإقصاء أو الهيمنة. لذلك، تحرص كل طائفة على تثبيت موقعها داخل معادلة التوافق، ليس فقط لضمان المشاركة، بل لمنع إعادة إنتاج اختلال في موازين القوة.
في الممارسة اليومية، يتحول التوافق إلى أداة مزدوجة، وسيلة حماية تمنع اتخاذ قرارات مصيرية دون موافقة الأطراف المعنية، ووسيلة تعطيل تتيح لكل طرف منع ما يراه تهديدًا لمصالحه من خلال استخدام حق “الفيتو”. وبهذا، تصبح السياسة عملية تفاوض مستمرة بين طوائف، لا بين مشاريع وطنية. تتراجع فكرة “المصلحة العامة” لمصلحة مصالح جزئية، ويغدو كل طرف حارسًا لحدوده الطائفية من الساعة (تقديمها وتأخيرها) إلى حدود الطوائف إقليمياً ودولياً وتموضع لبنان في الخارطة الكبرى.
التوافقية الإنتقائية
ولا يقتصر الأمر على الداخل اللبناني، بل يمتد إلى العلاقة مع الإقليم. فبينما تبرر بعض القوى انخراطها في صراعات خارج الحدود باعتباره امتدادًا لوظيفة دفاعية، ترى قوى أخرى أن مثل هذه القرارات يجب أن تبقى حصرًا ضمن مؤسسات الدولة. في ظل هذا التناقض، يتحول التوافق إلى مفهوم مرن، يتكيّف مع موازين القوى، لا مع قواعد دستورية ثابتة.
هنا تبرز إحدى أبرز إشكاليات النظام، الطابع الانتقائي في استخدام التوافق. ففي بعض الملفات، يُرفع إلى مستوى “وجودي”، بينما يُهمّش في ملفات أخرى. هذا الاستخدام الانتقائي يحوّله من مبدأ جامع إلى أداة سياسية، تُستخدم لتثبيت الشرعية أو نزعها بحسب السياق الذي تأتي القضايا أو العناوين من ضمنه.
في النتيجة، لا يُنتج التوافق الوطني إجماعًا حقيقيًا بقدر ما يدير التناقض بين رؤيتين متعارضتين للدولة. إنه إطار مرن، يسمح باستمرار النظام، لكنه غير قادر على حسم خياراته الكبرى. وبدل أن يكون أداة لبناء الدولة، تحوّل إلى آلية لإدارة التوازنات الطائفية، حيث يُستبدل الحلّ بالتأجيل، والحسم بالمساومة.
تُظهر التجربة اللبنانية أن الإجماع، بصيغته الحالية، لم يكن يومًا مدخلًا لبناء دولة حديثة، بل وسيلة لإعادة إنتاج الانقسام في أشكال جديدة. فكلما اقترب النظام من لحظة حسم، أعاد إنتاج نفسه عبر تسوية جديدة، تُبقي الأزمة قائمة، لكنها مؤجلة. هكذا، يصبح التوافق الوطني ليس مجرد إطار للحكم، بل دورة مستمرة من إدارة الأزمات، حيث يُصان الاستقرار بثمن التعطيل، وتُحفظ التوازنات على حساب الدولة.
