بناء الدولة Archives - 180Post

800-54.jpg

انتهت 8 و14 آذار يوم توقفتا عن تفسير لبنان، وبقي البلد منذ ذلك الوقت يبحث عن تعريفه أكثر مما يبحث عمّن يحكمه. فعلى مدى عشرين عاماً، حكم هذان التحالفان الحياة السياسية اللبنانية قبل أن يتآكلا تحت وطأة التحوّلات الكبرى. ما بدا عام 2005 انقساماً حاداً بين مشروعين متقابلين، انتهى عام 2026 إلى مشهد آخر، تبدّلت فيه القوى والاصطفافات، وتغيّر السؤال الذي قام عليه الانقسام من أساسه.

790-2.jpg

يتخيَّل إلينا، عندما نستمع اليوم إلى بعض الحديث الدّائر لا سيّما ضمن أوساط رسميّة (أو "سياديّة") لبنانية معيّنة، كما إلى أغلب خطابها السّياسيّ المتجلّي في المرحلة الرّاهنة بشكل خاصّ: يتخيّل إلينا، إلى حدّ كبير نسبيّاً، وربّما يكون ذلك مقصوداً.. وكأنّ مشروع "بناء الدّولة" في لبنان، يتمحور حول نقطةٍ واحدةٍ فقط عمليّاً أو ضمنيّاً، ألا وهي مسألة "حصر السّلاح" كما تُسمّيها الحكومة اللّبنانيّة الحاليّة، أو مسألة ما يُشار إليه أحياناً "باحتكار العنف".

800-13.jpg

في القاعة المكتظة داخل المجلس النيابي، لم يكن النقاش حول قانون العفو العام مجرد سجال قانوني تقني، بل بدا أقرب إلى مشهد مكثف عن لبنان نفسه. دولة تحاول أن تُعرّف العدالة، فيما تتنازعها جماعات تُعرّفها كلٌ على قياسها. ارتفعت الأصوات، تعطلت الجلسات، وتحوّل بند تشريعي إلى اختبار عميق، ليس فقط ما إذا كان لبنان قادراً على إصدار قانون، بل ما إذا كان قادراً على أن يكون دولة بالمعنى الحديث.

11111111.jpg

لم يعد من الممكن قراءة التجربة اللبنانية من زاوية الانقسام الطائفي بوصفه أزمة قابلة للإدارة أو الاحتواء. فبعد ما يقارب أربعة عقود على اتفاق الطائف، تبدّل موقع المشكلة داخل بنية النظام نفسه، لم يعد السؤال كيف يُدار الانقسام، بل كيف تحوّل هذا الانقسام إلى القاعدة التي يقوم عليها النظام.

800-3.jpg

في ظلّ الحرب الإسرائيلية المستمرة على لبنان، وما تعكسه من انقسام داخلي حادّ، لا يعود السؤال سياسياً فقط، بل بنيوياً يتعلّق بالمجتمع نفسه. ومع اقتراب الذكرى التاسعة والثلاثين لاغتيال مهدي عامل (الشهيد حسن حمدان)، في 18 أيار/مايو 1987، يستعيد مشروعه النقدي أهميته اليوم، لا بوصفه تفسيراً لمرحلة مضت، بل أداة لفهم كيفية اشتغال هذا الواقع واستمراره.

790.jpg

في لبنان، لم تكن الزعامة يومًا خيارًا سياسيًا، بل ضرورة لملء ضعف الدولة أو انهيارها. فلقد ارتكز النظام السياسي اللبناني طويلًا على مفهوم "الزعامة" التقليدية التي قادتها عائلات ما كان يُعرف بـ"الأعيان"، قبل أن يُستبدل بها نمط جديد من الزعماء، غداة نيل لبنان استقلاله في أربعينيات القرن الماضي.

750-10.jpg

أشرت مراراً إلى أنّ مشروع "بناء الدّولة"، أي دولة المواطَنة العصريّة وذات السّيادة، بات أمراً ضروريّاً في هذا الزّمان، خصوصاً بعد تمدّد وتمكّن - وربّما تجذّر - بعض المفاهيم اللّيبراليّة المعاصرة الكبرى، وعلى رأسها "الشّعور الفرديّ" كما فصّلنا الشّرح وبرّرنا التّسمية في ما سبق. ولكن، وخصوصاً في لبنان وفي مشرقنا العربيّ حاليّاً، نحن أمام خطر استخدام القوى الاستعماريّة الكبرى - المتجدِّدة - لهذا المفهوم، أي "بناء الدّولة" (مع التّبسيط)، كما جرت العادة منذ بداية العصور الأوروبيّة الحديثة تقريباً.. استخدامه، إذن، لمجرّد تحقيق المصالح والأهداف الاستغلاليّة والاحتلاليّة والاستعماريّة.

800-16.jpg

تتناول هذه المقالة العدوان الإسرائيلي الأخير؛ طبيعته؛ نتائجه؛ وبعض دروسه، وسأبدأ بتحديد طبيعة العدوان على بلادنا وشعوبنا، وخصوصاً على فلسطين ولبنان، والآن في سوريا، مُحدّداً الرئيسي منها، وفي هذا التجاوز، لا أعني تجاهل المشاريع الأخرى، بل محاولة إعادة الاعتبار لمفهوم "العدو الرئيسي". وهنا سأؤكد، أن التحديد من باب العلم السياسي وليس الالتزام الإيديولوجي.

801.jpg

من بين المصطلحات أو الجمل التي بتنا نسمعها ونقرؤها كلّ يوم تقريباً، حتّى على لسان رئيس حكومة من الطّراز الأكاديميّ والمهنيّ والمناقبيّ لدولة الرّئيس القاضي نوّاف سلام: هي قول البعض إنّ "السّلاح"، أي سلاح المقاومة في لبنان.. إنّما "لم يردع"؛ أو هو لم يردع كما كان يتوقّعه البعض أو كثيرٌ من اللّبنانيّين، لا سيّما في ضوء الحرب الاسرائيليّة الأخيرة على لبنان.

464643633646466364663.jpg

على هامش أحد المؤتمرات القوميّة العربيّة التي عُقدت السّنة الماضية في بيروت، لَفتَت انتباهي مُقابلةٌ اعلاميّةٌ أُجريَت مع كادرٍ مُميَّز من الكوادر القوميّة العربيّة النّاصريّة الميول، وكان قادماً من مصر الحبيبة يومَها، للمشاركة في هذه الفعالية التي تُعقد دورياً في العاصمة اللبنانية.