في التعارُف والتقارُب

خلال الفترة القَّصيرة التي شَهدت إغلاقًا عامًا في التاسعة مساءً، تذكرت حاليَ مُستقرة بعض الوقت بإحدى المدن الأجنبية التي تسير على قواعد صارمة، فتُلزِم حوانيتها بمواعيد مبكرة للنوم والصحيان. طبيعة جميلة ولا جدال، أحياء مُغرِقة في الهدوء، معزولة عن الأصوات الصاخبة التي تحرم النسبة الكبرى من قاطني القاهرة حقَّهم الأصيل في الاستمتاع بالصَّمت ولو لدقائق قليلة. تصوَّرت قبل مروري بالتجرِبة أن الكتابةَ في الأجواء الناعمة الساكنة عملٌ موفقٌ سديد؛ لكني كنت ولا شكّ مخطئة. شعور غامِر بالمَلل يبدأ في الزَّحف بمجرد انقضاء أول نهار. تخلو الشوارع عند السادسة مساءً؛ لا تُرى فيها محالٌ ساهرة ولا أشخاصٌ يتسكعون هنا وهناك، ولا حتى حيوانات أليفة تجوبُ الأرصفةَ وتنبش صناديقَ القمامة؛ مواتٌ شاملٌ مُكتمِل الأركان. أدركت مع تعدُّد الزياراتِ على هذا المنوال، مَغزى المثل الشهير: "الجَّنة من غير ناس ما تنداس".   

التجوالُ في الأمكنة المُزدحِمة فرصةٌ للتعرُّف إلى أشخاصٍ جُدد، ودنُو الواحد من الآخر يُعزز الوجودَ ويمنح الثقةَ ويخفّف وطأة الحمُول، وفي حال التزم المرءُ بيته وانفرد بهمّه؛ اسودَّت في عينيه الدنيا وبات تحت رحمة نوازلها، وإذا الجنة ذاتها تفقد جاذبيتها في غياب الآخرين؛ فلا عجب أن تُصابَ النفوسُ بشيء من الكآبة ما اضطرَّت للتباعد وحُرِمَت ميزة التواصل؛ ولو لوقتٍ مَحدودٍ قصير. في حضور الناس يتضاءل حجمُ الألم، ينشغل المَكروبُ بمن حوله، يلمس عن قرب مباهجهم وأزماتهم، وقد يُفضي في لحظة اطمئنان بما أثقلَ كاهلَه وأرهقَ روحه.

***

يُسرُّ لنا المأثور الخالد بأن “معرفة الناس كنوز” دون أن يحدد لنا هوياتهم ودون أن يُعيّن الطباعَ الواجب توفرها فيهم، والمعنى أن السيءَ والجيدَ يقعان على قدم المساواة، وأن الفكرة تدور حول المعرفة ذاتها؛ المعرفة التي تجلب الخبرة بالنفوس وتدعم المهارات وتسهل على صاحبها فرز الآخرين قبل التعرض للخديعة أو التورط في ما لا تُحمَد عقباه، وقد جرت العادة بأن يبادر الواحد عند لقاء آخر فيقول له: “معرفة خير إن شاء الله“؛ قاصدًا الإعلان عن نواياه وأمنياته للمستقبل، ورغبته في تحقيق المنفعة الشاملة.

***

إذا سُئِلَ واحد عن آخر فقال إنه مجرد “معرفة”، كان القصد أنه في مرتبة ما بين بين؛ فلا هو بصاحب قريب، ولا هو في حكم الغريب المُجهَّل، ومن ثم فإن الحكم عليه قدحًا أو مدحًا لا يستقيم. إذا كانت المعرفة متأصلة وذات جذور عميقة؛ قفز الجواب إلى اللسان في ذاك التعبير المجازيّ الطريف: “دا انا عاجنه وخابزه“، والقَّصد الألمام بدواخل الشخص المعنيّ وصفاته، والعلم بثقافته وتكوينه، والقدرة على التنبؤ بسلوكياته وردود أفعاله. القائم على صناعة العجين يستشرف النتيجة، والخبرة بالخطوات المُتخَذة تجعلُ الحاصلَ النهائيّ في حكم المَعلوم بالضرورة.

***

التعارفُ نقرةٌ، والتقاربُ نقرةٌ أخرى. يقع الأول في بند الاجتماعيات التي لا مفرّ منها في بعض الأحيان والتي قد تقع قسرًا؛ دون ميل أورغبة، أما الثاني فسَمتُه الطَّوع والاختيار؛ إذ يحتاج إلى وجود اهتمامات مشتركة وصفات تجمع الطرفين على التفاهم والارتياح. على أي حال، قد يؤدي التعارف منذ اللحظة الأولى إلى شيء من النفور يتبعه نأي سريع حاسِم؛ والحكمة العربية تقرُّ بأن الانطباعات الأولى تبقى وتدوم.

***

في ضبط معاني الكلمات ووضعها داخل الإطار السليم، تعطينا الحكمة الشعبية درسًا بليغًا: “تعرف فلان؟ أيوه..عاشرته؟ لا، يبقى متعرفوش“. المراد من كلمة “العِشرة” بكسر حرف العين قضاء فترة من الوقت مع الشخص المقصود، ومخالطته في أمور الحياة وتفصيلاتها. بعض الأزواج يكتشفون بعد الارتباط أن الشريك غير مناسب، وأن عاداته وطقوسه لا تتماشى مع ما اعتادوا سلفًا؛ بل وأنها غير قابلة للتعديل مثلما ظنوا. يصبح الانفصال حلًا سريعًا وجذريًا لموقف مستعصي من انعدام التوافق، تستحيل معه الحياة.

***

سمعتُ من جدَّتي مرارًا أن “كتر السلام يقلّ المعرفة“. لم أفهم المعنى الكامن في حينها؛ لكني أدركت لاحقًا أن الإفراط ينزع عن الفعل عمقه ويجعله سطحيًا، كلما تكرر؛ كلما صار نوعًا من أداء الواجب، لا يعنيه صاحبه ولا يهتم كثيرًا بمحتواه، وكلما ندر وشح؛ كلما تعززت قيمته وثقل وزنه. عادة مجتمعاتنا أن نبالغ في إلقاء السلامات والتحيات، وأن ننحو إلى إطلاق الكلمات المضيافة بغير أن ننتوي فعليًا تحقيقها؛ وأكم من مرة يدعو أحدنا الآخر لاحتساء الشاي أو تناول الطعام، دون أن يخطر بباله ولو للحظة أن هذا الآخر سوف يستجيب.

***

تتناقض الحكم والمأثورات في شأن أهمية التلاقي والتعارف ولكل منها ما يبرره ويفسر محتواه، ولا عجب أبدًا ن تكون لكل شخص طبيعته الخاصة التي تدفعه في أحد الاتجاهين؛ فإما انفتاح وإقبال ورغبة في التفاعل وتكوين العلاقات، أو عزوف تام وانغلاق على الذات؛ بل وميل لبناء الحواجز والسدود؛ وفي هذه الأحوال يكون “البعد عن الناس غنيمة“. المكسب المتوقع من البعد والإبعاد، يتجسد في نقاطٍ منها؛ تجنُّب القيل والقال، الترفُّع عن النمائِم والوشايات، درء الأذى المُحتمَل وصَرف الأنظارِ الحاسِدة، والتمتُّع أخيرًا براحة البال، ولا عجب والحال كهذا أن يقرَّ الفيلسوف الفرنسيّ، الوجودي الأشهر جون بول سارتر بحكمته الأثيرة: “الآخرون هم الجَّحيم“؛ والحقُّ أن الاكتفاءَ بالذات خاصيةٌ فريدةٌ لا يتمتَّع بها أغلب الناس.

***

يقول بن زَيْدون في نونِيَّته: “أضحى التَنائي بديلًا عن تدانينا.. ونابَ عن طِيبِ لُقيانا تجافينا“، والقَّصيدة من أعذَب ما قيل في الفُراق، وقد نظمَها الشَّاعر لمَعشوقته ولَّادة بنت المُستكفي؛ بعدما حال السّجن بينه وبين استعادة أيامه المُبهجة معها. السّجن معادلٌ للفراق الأليم، وأكم من أشخاصٍ قاسوا البُعدَ عن أحبَّتهم بسببه؛ لكنهم تعرَّفوا في الوقت ذاته على قُرناء لهم، وخلقوا بتعارفهم هذا صلاتٍ جديدة؛ ترسَّخت وتوطدَت، ودامت لنهاية العمر. السّجنُ للأبرياء ظلمٌ وظُلمة، والصُّحبة الطيبة تهوّن المعاناة، والرَّوابط التي تنشأ بين المَقموعين والمَقهورين؛ لا تلبث أن تتحوَّل إلى وقود يُضيء نبراسَ الحريَّة.

إقرأ على موقع 180  مسيرة الأعلام والأوهام.. أي وحدة فلسطينية مطلوبة؟

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
بسمة عبد العزيز

طبيبة وكاتبة مصرية

Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  في تناقضات.. الذات