هل وقَعت “إسرائيل” في الفخ الذي وقعت فيه المقاومة في لبنان؟

بدأ "حزب الله" خلال حرب "إسناد غزة" في العام 2023، واثقاً من نفسه، مستنداً إلى رصيد راكمه بعد التحرير في العام 2000 وبعد حرب تموز 2006 وحرب سوريا، فضلاً عن قواعد ردعية فرضها طيلة 17 عاماً، وكان آخر تمظهرها في نصبه لخيمة في مزارع شبعا، لم يقوَ الإسرائيلي على استهدافها تحسباً لاندلاع حرب مع لبنان.
ظنّ حزب الله، بعد تجربة على مدى عقدين من الزمن، أنّه صار قادراً على الانتقال للمرة الأولى من موقع الدفاع إلى الهجوم، وصارت تشكيلاته العسكرية وقدراته النارية تصب في هذه الخانة، وكان يتم تصوير إسرائيل بأنها ضعيفة، لا بل “أوهن من بيت العنكبوت” (العبارة الشهيرة لأمينه العام الشهيد السيد حسن نصرالله في مهرجان التحرير في مدينة بنت جبيل في العام 2000).
غير أن الجانب الإسرائيلي نصب ما يُمكن تسميته بـ”الفخ الاستراتيجي” للمقاومة، من خلال إشعارها على مدى أحد عشر شهراً بفائض قوتها وبالتالي توسل فصل لبنان عن غزة وتقديم ورقة تلو الأخرى لاقناع الحزب بالخروج من “حرب الإسناد”، لكن ما أن انفجرت الآلاف من أجهزة “البيجر” بالمقاتلين ومن ثم أجهزة اللاسلكي واغتيال قيادة “قوة الرضوان”، الأمر الذي بيّن انكشاف المقاومة، وهو مسار بلغ ذروته مع قبول الحكومة اللبنانية بوقف النار، بموافقة السيد نصرالله، فكانت الخطوة التالية تنفيذ عملية اغتيال السيد نصرالله ومن ثم وريثه السيد هاشم صفي الدين ومن ثم قرار شن الحرب ضد لبنان على مدى 66 يوماً.
وأبرز ما يفسر ما أصاب الحزب في تلك الحرب، هي “استراتيجية خوض الحروب”، التي وضعها الفيلسوف والخبير العسكري الصيني صان تزو، وضمنها في كتابه الشهير “فن الحروب” والتي قسّم فيها حالات الاستعداد للحرب إلى ثلاث:
1- أن مَن يعرف عدوه ويعرف نفسه يقود مئة معركة من دون خطر.
2- مَن لا يعرف عدوه ولكنه يعرف نفسه فقد يحرز نصراً ويلقى هزيمة.
3- مَن لا يعرف عدوه ولا يعرف نفسه يكون في دائرة الخطر في كل معركة.
ويبدو ان الحزب وقع في فخ البند الثاني، بحيث عرف نفسه ولم يعرف عدوه. واستطاع الإسرائيلي أن يفرض شروطه في اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، أو بالأحرى، استطاع ان يتملص من الاتفاق ويخرقه دون أن يحرك الحزب ساكناً قرابة 15 شهراً.
وفي الحرب التي اندلعت في الثاني من آذار/مارس 2026، وقعت إسرائيل في ما وقع به الحزب تماماً، فاستدرجتها صواريخ المقاومة الستة، وقررت استئناف الحرب بعقلية المنتشي بما أنجزت في الحرب السابقة، في مواجهة “حزب مهزوم”، او بالأحرى، مواجهة ما تبقى من قوة للحزب. وصرّح آنذاك، أكثر من مسؤول عسكري وسياسي إسرائيلي، بـ”أن الحزب وقع بالفخ”. ليكتشف الجيش بعد أقل من 48 ساعة، خطأ تقديره وتقييمه لقدرات الحزب، وليجد أمامه قوة مكتملة المواصفات، ذكرته بحرب العام 2006.
فعلاً، استعاد الحزب عافيته طيلة المدة بين الحربين، حتى فاجأ بيئته قبل عدوه. سواء في الاستعداد للحرب ورسم الخطط والتكيكات العسكرية، أو القدرة الفائقة على التكيف مع وسائل الحرب الحديثة، من تكنولوجيا وذكاء اصطناعي. ولم يتوقف الحزب عند هذا الحد، بل أدخل أسلحة حربية جديدة، تمثلت بالمسيرات التي تعمل بالألياف الضوئية، والتي لم يتمكن الإسرائيلي من حل معضلتها حتى كتابة هذه السطور، ولا يبدو في الأفق من حل لها حسب ما يقول خبراء عسكريين إسرائيليين.
وبرغم عدم تماثل أو تكافؤ قدرات وإمكانيات الحزب مع الكيان العبري، والقتل والدمار الممنهج للعديد من البلدات والقرى الجنوبية، والتهديد بتوسيع رقعة السيطرة الأمنية والدمار. ما زال الميدان يشكل عائقاً أمام طموح وجموح بنيامين نتنياهو، رئيس الحكومة الإسرائيلية. وهذا ما دفعه إلى القبول بالتفاوض مع الحكومة اللبنانية، الأمر الذي رفضه في بداية الحرب، ظناً منه بأنه سوف يقضي على المقاومة. حينها، لم يعد بحاجة للتفاوض، ويبقي محتفظاً ب”حرية الحركة” دون تقييده باتفاق أمني من هنا، أو معاهدة سلام من هناك. كما هو الحال في سوريا، منذ سقوط نظام بشار الأسد. وإن بقاء الجبهات مفتوحة هو أكثر ما يخدم نتنياهو، سواء في انتخابات الكنيست المقبلة، أو في “الممطالة” في المحاكمات التي يتعرض لها في أكثر من ملف.
لكن أتت حسابات نتنياهو مخالفة لحسابات الميدان. وبالتالي، يسعى اليوم، إلى تحقيق ما عجز عنه في الميدان عن طريق التفاوض المباشر مع لبنان. وكان رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير واضحاً في تصريحه الأحد الماضي، بأن الجيش يقوم بالتمهيد لنزع سلاح حزب الله ولا يريد نوعه، وكأنه يقول إنه من واجب الحكومة اللبنانية إكمال المهمة. وهذا ما سيثار في الجلسة الثالثة للتفاوض المباشر، اليوم الخميس وغداً الجمعة، بين لبنان وإسرائيل في واشنطن.
Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  فرضية سقوط مقولة "الشعب الواحد".. عولمة وصهيونية وحرب الـ30 سنة (1)
مهدي عقيل

أستاذ جامعي، كاتب لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  بايدن.. "الشريك التاسع" في إئتلاف إسقاط نتنياهو