حربُ إسرائيل على لبنان اليوم في أرشيف “السفير”.. بالأمس!

يواجه التحليل السياسي معضلةً كبيرةً في الاستشراف، حتى فيما يتعلّق بالمستقبل القريب، ويعود ذلك إلى تسارع التطورات وعدم تميّز عملية صنع القرار بالعقلانية في أحيانٍ كثيرة. وبالتالي، من الصعب أن نجد محللًا موضوعيًا قادرًا على معرفة مستقبل الحرب الأميركية/الإسرائيلية ـ الإيرانية ومآلاتها في الأيام المقبلة؛ فتجدّد الحرب وارد، وتجمّد الصراع وارد، والتوصّل إلى اتفاق إطاري أو شامل أيضًا وارد. والحال هكذا، فإن قراءة الماضي ربما تفيد في إنارة بعض معالم المستقبل، ليس من باب أن التاريخ يعيد نفسه، لكن من باب أن التاريخ فيه تجارب وخبرات يمكن استقاء الدروس منها، والقاعدة تقول إن من الصعب أن تسلك الطريق نفسها لتصل إلى جهة مختلفة.
أهداني المهندس أحمد، ابن الصحفي اللبناني الكبير طلال سلمان، هديةً ثمينةً عبارة عن مجلد ضخم يضم أعدادًا من جريدة «السفير» التي كان والده يرأس تحريرها إلى أن توقّفت عن الصدور مع آخر أيام شهر كانون الأول/ديسمبر عام 2016. ولا يتضمّن المجلّد كل الأعداد الصادرة منذ ولادة الجريدة في 26 آذار/مارس عام 1974 وحتى تاريخ توقّفها، ولا يورد الأعداد كاملة الصفحات، لكنه يتوقّف عند محطات رئيسية في تاريخ لبنان والوطن العربي والعالم. وعندما شرعت في القراءة لم أستطع أن أكتم دهشتي من أن بعض عناوين الماضي تنطبق بشكل شبه حرفي على واقعنا الراهن.

وسوف يُركّز مقال اليوم على موقع لبنان في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، بحكم مجموعة من العوامل الجغرافية والسياسية والديموغرافية التي جعلته في قلب هذا الصراع. وبالتالي، فإن أول ما يمكن ملاحظته هو التلازم بين المسارين اللبناني والفلسطيني، وتأكيد المؤكد، وهو أنه في ظل استمرار القضية الفلسطينية دون حل عادل لن يعرف الاستقرار طريقه إلى الشرق الأوسط. فمن قبل أن ينشأ حزب الله في مطلع الثمانينيات حملت راية المقاومة التنظيمات القومية واليسارية، واستمر هذا المنحى بعد نشأته.

فمن قبله قادت دلال المغربي ـ وهي شابة فلسطينية من حركة فتح مولودة في مخيم صبرا ببيروت ـ واحدةً من أشجع العمليات الفدائية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وهي عملية «كمال عدوان» في آذار/مارس 1978. ومن بعده نفّذت شابة لبنانية ـ أطلقت عليها الصحيفة وصف «عروس الجنوب» ـ هي سناء محيدلي من الحزب السوري القومي الاجتماعي، عمليةً أخرى بالشجاعة نفسها في نيسان/أبريل 1985. وهذا يعني أن تحرير الجنوب كان ثمرةً لنضال الحركة الوطنية بكل فصائلها وتنويعاتها، وأن النساء كنّ في طليعة الصفوف.

ويُلاحظ أيضًا أن تجريف الجنوب وتهجير سكانه والعمل على إنشاء حزام أمني يفصل بينه وبين مستوطنات الشمال الإسرائيلي هو خط ثابت لدى كل الحكومات الإسرائيلية، وليس وليد السابع من تشرين الأول/أكتوبر. ففي عدد 22 كانون الثاني/يناير 1975 كان عنوان الصحيفة: «إنهم يفرغون الجنوب.. فلنتقدم خطوة نحو العودة»، وفي المتن تفاصيل كثيرة عن القصف الإسرائيلي العنيف لقرية كفرشوبا ولعديد القرى الجنوبية الأخرى التي نطالع أسماءها بشكل شبه يومي. وفي عدد 28 تموز/يوليو 1993 جاء العنوان كالتالي: «خطة إسرائيلية لتدمير 30 قرية متاخمة للحزام»، وهذه الخطة ما زالت مستمرة مع اختلاف في عدد القرى الذي جاوز الخمسين قرية، ومع اتساع مساحة الحزام الأمني المطلوب من 10 كيلومترات إلى 30 كيلومترًا، حسب تصريح لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس.

والثبات نفسه يميّز السياسة الأميركية تجاه لبنان، فهناك تواطؤ مستمر مع العدوان الإسرائيلي على لبنان، برغم مسلسل المبعوثين الأميركيين من فيليب حبيب إلى توماس باراك وستيف ويتكوف. ففي عدد 14 أيار/مايو 1981 ورد تصريح لرئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن بأنه «لا ضغط أميركيًا على إسرائيل للحد من حقنا في التحليق بسماء لبنان»، وهذا التصريح لا يختلف عما قاله بنيامين نتنياهو في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 عن أن إسرائيل «حصلت على رسالة ضمانات من واشنطن تمنحها الحق في التحرك عسكريًا ضد أي تهديد فوري أو محاولات لإعادة تسليح حزب الله».

والمثير للانتباه أن الدعم الأميركي للعدوانية الإسرائيلية لم يتغيّر، برغم أن الولايات المتحدة سبق لها اختبار قوة المقاومة اللبنانية التي أرغمتها هي نفسها على الخروج من لبنان. ففي أعقاب تفجير مقر قيادة مشاة البحرية الأميركية في بيروت، جاء عنوان عدد 24 تشرين الأول/أكتوبر 1983: «مصممون على عدم تسليمهم المنطقة»، في إشارة غير مباشرة إلى إيران التي كانت وقتها في ذروة حربها مع العراق، والتي قام رونالد ريغان نفسه بتسليحها عبر صفقة إيران ـ كونترا. وبعد الهجوم الواسع على السفارة الأميركية في بيروت، جاء عدد 21 أيلول/سبتمبر 1984 بتصريح آخر للرئيس ريغان قال فيه إن تلك الهجمات لن تستطيع إخراج الولايات المتحدة من لبنان والشرق الأوسط. لكن الولايات المتحدة خرجت من لبنان في نفس السنة، وتواجه حاليًا مصاعب كبيرة في الشرق الأوسط.

ومن المهم ألا يغيب عن أذهاننا أن المقاومة الوطنية اللبنانية لم تفقد عنفوانها بينما كانت تعمل في بيئة داخلية شديدة التعقيد. فعندما وقع الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1978، كان قد مضى على اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية ثلاث سنوات فقط. والذي يطالع أعداد الجريدة التي تغطي ضمن أحداثها مرحلة الحرب الأهلية اللبنانية، لا بد أن قلبه سيدمى وهو يستعيد فظاعة الاغتيالات والتفجيرات والمعارك بين الطوائف وداخلها، وأنهار الدماء التي لم تتوقّف. زد على ذلك اللعبة الإسرائيلية القديمة/الجديدة بزرع عملاء لها في الداخل، من سعد حداد إلى أنطوان لحد.

إقرأ على موقع 180  فليقرأ العرب كتاب مارتن إنديك عن كيسنجر

وفي عدد 31 آب/أغسطس 1982 نقرأ عن اتصالات رئيس الأركان الإسرائيلي مع الحكومة اللبنانية لإعادة سعد حداد، الحليف المخلص وصديق إسرائيل، إلى الجيش اللبناني الذي انشق عنه. لكن مع تحرّر أرض لبنان، وصولًا إلى عنوان الجريدة يوم 27 أيار/مايو 2000: «لبنان يستعيد أرضه كاملة حتى الخط الأزرق»، حمل كل العملاء متاعهم ورحلوا أو استسلموا.

ولأن قراءة التاريخ تبقى مفيدة، أتصور أن الحكومة الإسرائيلية الحالية بحاجة إلى العودة إلى الأرشيف الصحفي ومراجعة الجدل الداخلي الذي ثار مع اشتداد ضربات المقاومة. ففي عدد 30 آب/أغسطس 1997 ورد تصريح ليوسي بيلين، السياسي الإسرائيلي البارز، يطالب فيه بالانسحاب الأحادي وغير المشروط من لبنان، فيرد بنيامين نتنياهو، وكان وقتها رئيسًا للوزراء، إن انسحابًا من لبنان دون اتفاق سيلحق بإسرائيل العنف، واستدرك قائلًا إن مثل هذا الاتفاق ليس أمرًا منظورًا. ثم إذا بخليفته إيهود باراك يفرّ مذعورًا بعد أقل من ثلاث سنوات. لكن ما زال نتنياهو عاجزًا عن استيعاب دروس التاريخ، ومراهنًا على خيار القوة.

(*) المصدر: “الأهرام

Print Friendly, PDF & Email
نيفين مسعد

كاتبة مصرية

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  هاريس وبايدن.. أين يتفقان ويختلفان في السياسة الخارجية؟