«فتح».. من ثورة إلى سلطة تبحث عن وريث!

أنهت حركة فتح مؤتمرها الثامن، في 16 أيار/مايو، بعد ثلاثة أيام من انعقاده في مدينة رام الله في الضفة الغربية بحضور 2595 عضواً يمثلون  ساحات الحركة في رام الله وغزة ولبنان ومصر. تنافس منهم 59 عضواً على 18 مقعداً في اللجنة المركزية، و450 عضواً على 80 مقعداً في المجلس الثوري للحركة.

يكتسب مؤتمر «فتح» عادة أهميته من ريادية الحركة على رأس مسيرة العمل الوطني الفلسطيني لنحو أربعة عقود من الزمن، كونها صاحبة الطلقة الأولى للثورة الفلسطينية المعاصرة، وكل ما رافق محطاتها من إرث نضالي ووطني تطبعت فيه القضية الفلسطينية. لكن نتائج هذا المؤتمر، كما المؤتمرات السابقة، أقلّه منذ المؤتمر الخامس المنعقد في تونس عام 1988، أكدت بما لا يقبل الشك أن الحركة تواجه أزمة بنيوية، بدليل افتقادها لأي مظهر من مظاهر الخلاف الصحي حول الفكر أو السياسة، ليُستبدل ذلك بنزاعات على مقاعد هيئات الحركة التشريعية والتنفيذية، وبالأخص اللجنة المركزية كونها الهيئة العليا في الحركة، في ظل استقطابات تندرج في خانة تعزيز نفوذ شخصيات فتحاوية تدور معظمها في فلك الرئيس الفلسطيني محمود عباس.

وقبل الغوص في الملاحظات على نتائج المؤتمر، لا بد من إيراد الأسماء الفائزة بعضوية اللجنة المركزية، التي تصدرها مروان البرغوثي، وتلاه اللواء ماجد فرج مدير المخابرات، ثم جبريل الرجوب، حسين الشيخ، ليلى غنام، محمود العالول، توفيق الطيراوي، ياسر عباس، زكريا الزبيدي، تيسير البرديني، أحمد أبو هولي، أحمد حلس، عدنان غيث، موسى أبو زيد، دلال سلامة، محمد المدني، محمد اشتية، وإياد صافي.

وفي ما يلي أبرز الملاحظات على انتخابات اللجنة المركزية:

الزبيدي

أولاً؛ شكّل انتخاب ياسر عباس (65 عاماً)، نجل محمود عباس (90 عاماً)، مفاجأة في أوساط الحركة، إذ إن المعروف أن ياسر عباس لم يكن له أي نشاط سياسي يُذكر، لا في الحركة ولا خارجها. بيد أن علامات توريثه السلطة بدأت حينما اصطحب أبو مازن نجله ياسر ضمن زيارته للبنان في أيار/مايو 2025، وكانت لافتة للانتباه حماسته الموصوفة لنزع سلاح الفصائل الفلسطينية من المخيمات الفلسطينية في لبنان، وهو المشروع الذي واجه عقبات عدة حالت دون إتمامه بالشكل الذي تمناه والده. وأحلام وطموحات محمود عباس في فرش السجادة الحمراء لابنه كان لا بد أن تمر أولاً بـ«تمهيد الطريق له في الساحة السياسية الفلسطينية في لبنان». وفي هذا الإطار، يأتي قرار إقالة السفير الفلسطيني السابق، أشرف دبور، العام الماضي، إذ إن الأخير استطاع، خلال سنوات عمله في الساحة اللبنانية (13 عاماً)، أن يحوز على شعبية متنامية في أوساط الحركة، كما في أوساط اللاجئين، أزعجت فريق أبو مازن في منظمة التحرير وحركة فتح. وبانتخاب ياسر عباس في اللجنة المركزية، خطا أبو مازن على خطى القادة والرؤساء العرب الذين يورثون الحكم لأبنائهم.

ثانياً؛ يُجسد انتخاب مروان البرغوثي وزكريا الزبيدي تمثيل التيار المقاوم في الحركة. فالأول أمضى في السجون الإسرائيلية ما يقرب من 24 عاماً، وقد لُقب بـ«مانديلا فلسطين» نظراً لتاريخه النضالي في قيادة حركة الجماهير الفلسطينية، بدءاً من قيادته الخلايا الشعبية والجماهيرية في الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987 ــ 1991)، وتحمله عدة مسؤوليات تنفيذية إبان دخول السلطة الفلسطينية إلى الداخل الفلسطيني عقب اتفاق أوسلو (1993)، وانتهاء بقيادته «كتائب شهداء الأقصى»، الجناح العسكري لحركة فتح في الضفة الغربية، إبان الانتفاضة الثانية (2000 ــ 2005). وليس صدفة أن يحوز البرغوثي أعلى نسبة أصوات في الانتخابات، لأنه يشكل قيمة نضالية كبيرة مترسخة في أذهان الفلسطينيين جميعاً. أما زكريا الزبيدي، فهو رمز نضالي أيضاً، كرّس وقته لأعمال المقاومة العسكرية والأمنية، وبخاصة في مخيم جنين، الأمر الذي عرضه لملاحقات سواء من السلطة الفلسطينية أو العدو الإسرائيلي. وقد قضى الزبيدي فترات طويلة متقطعة في السجون الإسرائيلية قبل أن يتمكن، مع خمسة من رفاقه في الأسر، من الهروب بعد حفرهم نفقاً أسفل سجن جلبوع عام 2021. لكن سرعان ما ألقت القوات الإسرائيلية القبض عليه بعد أيام قليلة من العملية، ليُعاد تحريره بموجب اتفاق تبادل الأسرى بين حماس وإسرائيل العام الماضي.

ثالثاً؛ مثّل انتخاب ماجد فرج في اللجنة المركزية تمثيلاً للدوائر الأمنية اللصيقة بمحمود عباس. ويشغل فرج موقع مدير المخابرات العامة الفلسطينية، ولعب عدة أدوار ضمن ملفات حساسة أوكلت إليه من قيادة السلطة، وفي مقدمتها ملف المصالحة مع حركة حماس، والمفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، ما أكسبه نفوذاً واسعاً في الحركة. كما أن قيادته لأرفع منصب أمني ضمن هيكلية السلطة الفلسطينية جعلته يقدم أوراق اعتماده للأميركيين والإسرائيليين، مفتتحاً تنسيقاً مباشراً لملاحقة الناشطين الفلسطينيين في الضفة الغربية، ضمن ما تسميه إسرائيل «الخلايا المشبوهة» التي يجب ملاحقتها، تحت ذريعة التنسيق الأمني بين السلطة وإسرائيل، الذي ارتفعت وتيرته في السنوات الأخيرة.

رابعاً؛ يمثل حسين الشيخ الذراع اليمنى لعباس، إذ شغل عدة مناصب تنفيذية في حركة فتح وتدرج فيها. عُيّن أمين سر الحركة عام 2002، ثم أصبح وزير الهيئة العامة للشؤون المدنية عام 2017، إلى أن أصبح، العام الماضي، نائباً لرئيس منظمة التحرير الفلسطينية ونائباً لرئيس دولة فلسطين. والجدير بالذكر أن الشيخ عضو في اللجنة المركزية للحركة منذ عام 2008. وبحكم موقعه في إطار لجنة التنسيق المدنية العليا، التي تُعد حلقة الوصل الرسمية الفلسطينية مع الحكومة الإسرائيلية، استطاع أن يحوز شبكة علاقات واسعة مع دوائر القرار الإسرائيلي وعواصم عربية عدة. والهيئة التي ترأسها أوكلت إليها مسؤولية كل ما يتعلق بالعلاقة مع إسرائيل، مثل إدارة أموال المقاصة، ولمّ الشمل، والتسهيلات الاقتصادية، والتصاريح التي يحتاجها الفلسطينيون لدخول إسرائيل للعمل أو الزيارات العائلية أو الحصول على الرعاية الطبية أو استيراد السلع وتصديرها أو الحصول على بطاقات الهوية. وبدا واضحاً، منذ العام الماضي على الأقل، رغبة محمود عباس في توسيع موقع ونفوذ الشيخ في النظام السياسي الفلسطيني، إذ أصبح نائباً له، ما أثار جملة اعتراضات داخلية في صفوف الحركة، نظراً إلى خرق عباس القوانين والنظم الداخلية، حيث جرى استحداث منصب لم يكن موجوداً.

إقرأ على موقع 180  "ذا هيل": حاسِبوا (زيلينسكي) على الفساد وسوء إنفاق المساعدات

خامساً؛ يمثل انتخاب محمد اشتية تكريساً للتيار البيروقراطي والتكنوقراطي في الحركة، إذ إن اشتية مارس العمل السياسي من خلفية أكاديمية تكنوقراطية أكثر منها سياسية ميدانية أو نضالية في الحركة. وكان اشتية وزيراً للأشغال العامة والإسكان، ورئيساً للمجلس الوطني لتكنولوجيا المعلومات، كما شغل مناصب رئيس الوفد الفلسطيني للمفاوضات المتعددة حول التعاون الاقتصادي الإقليمي، ومحافظ البنك الإسلامي للتنمية في فلسطين، ورئيس المركز الفلسطيني للدراسات الإقليمية. وقد مكنته هذه المناصب من نسج علاقات مع المنظمات الدولية والمانحين، كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وهي جهات كانت تمول السلطة الفلسطينية حتى الأمس القريب.

سادساً؛ لم يُفض المؤتمر إلى نتائج سياسية حاسمة، كما لم تصدر عن أعماله أي وثيقة مؤتمرية أو سياسية. وقد سيطرت على المؤتمر أجواء تنافس شخصي ــ تنظيمي بين شخصيات وقوى متناحرة يجمعها الانتساب إلى الحركة التي أُفرغت من إرثها النضالي. إن قراءة أسماء الأعضاء الفائزين في اللجنة المركزية وتبيان خلفياتهم السياسية والتنظيمية والقيادية تؤكد بما لا يقبل الشك أن الحركة تجمع تحت مظلتها تناقضات كثيرة؛ ففيها المقاوم وفيها المقاول، وفيها من يمثل مسيرة فتح النضالية الوطنية، وفيها شخصيات انتهازية. وتحت سقفها يجتمع من يمثل الخيارات الكفاحية (المقاومة والنضال)، والخيارات الأمنية والاستخباراتية (التنسيق الأمني)، والإدارية والتكنوقراطية.

سابعاً؛ لم تصدر أي وثيقة سياسية جديدة عن الحركة، برغم التغيرات الهائلة التي أعقبت «طوفان الأقصى» في تشرين الأول/أكتوبر 2023، وبالتالي تزايد المخاطر المحدقة بالقضية الفلسطينية. إلا أن كل ذلك غاب عن بال المؤتمرين، الذين فرح بعضهم بمجرد عقد مؤتمر عام للحركة بعد آخر مؤتمر عُقد قبل عقد من الزمن (أواخر 2016).

ثامناً؛ تميزت المواكبة الإعلامية لمؤتمر فتح الثامن بالتركيز على هوية الفائزين بعضوية اللجنة المركزية، البالغ عددهم 18 شخصاً، بدلاً من تسليط الضوء على قضايا العمل الوطني الفلسطيني، وضرورة إجراء مراجعة نقدية لمسيرة فتح ومنظمة التحرير، ومحاولة استشراف المستقبل بعين نقدية منفتحة على تطورات المنطقة. بيد أن كل ذلك لم يحصل البتة.

Print Friendly, PDF & Email
عطالله السليم

كاتب وباحث سياسي

Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  الحكومة اللبنانية الجديدة.. ماذا ينتظرها من تحديات؟