العربُ حكَّاماً يرفُضون أخذ العِبرةَ من تاريخهم، ويأبَوْنَ النظر إليه ولو خُلسةً كي لا يشهدوا إدانة أنفسهم. أما العربُ شعوبا فقد كتبوا صفحاتٍ مضيئات لكنهم لم يُكملوا الطريق، لأنَّ قواهُم الوطنيةَ والقومية واليسارية، لم تَحْبُكِ الربطَ السياسي بين التحررِ الوطني والتحرُّر الاجتماعي. وبعض هذه القوى وقع في فخِّ لعبة السلطة، فاكتسبتِ الأنظمة فرصة البقاءِ والتآمر والاستبداد في الداخل، والخنوع ِأمام الخارج الاستعماري-الرأسمالي، وأمام العدوِّ الصهيوني في الكيان الإسرائيلي وغيره، والقُصورِ عن الإنتاج العلمي والصناعي والغذائي حتى جعلت هذه الأنظمةُ العربَ أمَّةً تابعةً ومستهلِكةً ومهاجرة لا تستطيع أن تأكل أو تتعالج إلَّا إذا أطعمَها الغربُ وباعَها الدواء.
لو عاد ابن خلدون من القرن الثامن الهجري[الـ14الميلادي] لما غَيَّرَ حُكْماً على أصحاب السلطة العرب أوْردَهُ في مقدمته الشهيرة. آنذاك وصَفَهم بما ملخَّصُه أنهم فقدوا العصبية الجامعة، وغرِقوا في الصراعات البَيْنيَّة، واستعانوا بالمرتزِقة ضدَّ بعضِهم بعضاً، وتنازعوا على الثروات التي وظفوها في الملذات والحروب العبثية والظلم والاستبداد. وقال لهم عبارته الحرفية “الظلم مُؤْذِِنٌ بخرابِ العمران”. وها همُ اليوم ازدادوا خراباً، واستجلبَ كثيرون منهم مرتزقة، ووظَّفوا الثروات لخدمة الاستبداد والملذّات، وبعضهم كان له دورٌ في تأسيس الكيان الغاصب في فلسطين بالتعامل مع البريطانيين (بعض وثائق مستر فوكس تثبت ذلك). ومعظمُهم حالياً لا يرَىَ في العالم وعلاقاته الدولية إلَّا أميركا و”إسرائيل”، حتى في الظروف الراهنة إذْ تشنُّ الاثنتانِ حرباً تدميرية وجودية على أرضِ العربِ وجارتِهم إيران، في محاولة للسيطرة على المشرق والانطلاق بعدَهُ إلى تغييرِ النظام ِالعالمي وفقاً للرؤيةِ الرأسمالية. لو أراد أولياء السلطة العرب الحفاظ على أمَّتِهم، لكانوا أخذوا بعين الاهتمام أهمية الجغرافيا الإستراتيجية فأسَّسوا علاقاتِهم الدولية على قاعدة توازن المصالح، بدلاً منَ التبَعية للولايات المتحدة و”إسرائيل”، والابتعاد عن الشرق الصيني والشرق الأوراسي، وكأنهم لا يرون التحولات في العالم، لكي يدركوا أنَّ المشروع الأميركي الإسرائيلي في المنطقة لا مستقبل له، وأنَّ مقاومتهُ ستبقى تتوالد، وأنَّ الهيمنة الأميركية على رأس “الغرب الجماعي” (وفقاً لمصطلح فلاديمير بوتين) ستنتهي، وأنَّ الشعوب لن تظلَّ مستكينة كما تؤكد حركيَّةُ التاريخ، لكنَّ المسألة بالمعنى الإستراتيجي تحتاج إلى وقتٍ وافٍ.
هذا الوقت يُؤخرهُ تخاذلُ سلطاتُ العربِ فيما الجارةُ الإيرانيةُ على النقيضِ، ترفضُ الهيمنةَ الأميركية – الإسرائيلية، وتتصدَّى لمشروع استباحة سيادتها وأرضها، وتأبى الاستسلام، وتستفيدُ من عِبَرِ تاريخها القديم، وتبني تحالفاتِها الإقليميةَ والدوْلية على أساس مصلحتها القومية والسيادية بوصفها بلداً متعدِّدَ العرقيَّات، وتعرف أنَّ الغربَ المعاصر مِثلُ الغربِ السالفِ -(مع فارق الأدواتِ وتشابه الأهداف)- يريد من خلال الغزو والحروب أن يسيطر على كل الشرق، وينهب ثرواتِه كي يعالجَ أزمة اختناق الرأسمالية، ولم يبق أمامه من عقباتٍ سوى إيران.
إنَّه صراعٌ قديم متجدِّدٌ يدور في أهمِّ جغرافيا إستراتيجية في كوكبنا، وما الحرب الدائرة حاليا سوى معركة كبيرة في هذا الصراع الذي لن ينتهي إلَّا بحربٍ كبرى تشمل العالم، أو بتسويةٍ كبرى ينتج عنها نظام دولي جديد، يزيح النظام الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، ويُنهي هيمنة الدولار ومنظومة بريتون وودز، ويرسِخ دور الصين وروسيا وحلفائهما الأوراسيين والآسيويين وبعض أفريقيا وأميركا اللاتينيّة، في المشاركة في قيادة عالم متعدِّدِ الأقطاب.
إنها حرب صليبية!
لم تشأ سلطاتُ العربِ أنْ تلتقط هذه المعادلة المستقبلية، ولم ترغب في مراجعة التاريخ الاستعماري الحديث والقديم، فظلَّت قيدَ اللجامِ الأميركي الذي يُوجِّهها وفقاً لمصالحهِ، فيما هو يدَّعي بحمايتها، ويبتزُّها في الأموال والموارد. أمَّا الإيرانيونَ، في عهد الجمهوريَّة الإسلامية، فأدركُوا هذه المعادلة المستقبليّة. ولم يكتفوا بقوتهم في الحاضر بل استدعوا معها معنى صلابة الإرادة من تجارب التاريخ؛ ففي القرن الأول قبل الميلاد شنَّتِ الإمبراطورية الرومانية، من البحر، ومن البر الأناضولي حرباً وجودية شعواءَ على الدولة الفارسية من المداخل نفسها التي تستخدمها واشنطن اليوم، وفي الجغرافيا ذاتها. ولكنَّ الفرسَ هَزَمُوا الرومانَ هزيمة شنعاءَ، في معركة حرَّان الشهيرة، ومنعُوهم منَ السيطرة على بلاد الرافدين وبلاد الشام، والممرات التجارية، وسدُوا الأبواب أمام توسعاتهم مرحلة طويلة تعدَّت أربعة قرون. ودقـّوا أوَّل إسفين في جسد إمبراطورية الغرب آنذاك، وأسَّسُوا أسباب انهيارها لاحقاً، فغيَّروا العلاقات الدولية في تلك الحقبة، وأثبتوا أنَّ الإرادة تصنع النصر إذا توافرت إستراتيجياً عند قادة يتمسكون بأرضهم وكرامتهم.
الإيرانيونَ يتحرَّكون راهناً ضمن هذه الصورة التاريخية، على خلاف أولياء السلطة العرب. ولهذا ستكسب إيران موقعها في العالم الجديد بينما سيزداد العرب تبعيَّةً وتهميشاً، بالرغم من أنهم أكبر تجمع قومي وديني بين آسيا وأفريقيا، لكنهم يفتقدون إلى الإرادة والانتماء. ويتجاهلون أنَّ الغرب يستهدفهم حين يستهدف إيران، ويتناسوْن عمداً أنَّ صمودَ إيران حالياً هو السدَّ الذي ينتصب بوجه مشروع “إسرائيل الكبرى” الذي تقودُه الصهيونية والرأسمالية معاً، كي تتحوَّلَ إسرائيل إلى مركز الثقل القائد في الشرق الأوسط.
إنَّ نظرةً خاطفةً إلى مآلات الحرب الآن، تؤكِّدُ أنَّ الصراع طويل، وأنَّ ما نشهدُهُ هو هجمة جديدة في سياق الهجمات الغربية على الشرق منذ الهجمة الإمبراطورية الرومانية القديمة، مروراً بالحروب الصليبية في القرن الحادي عشر، وصولاً إلى اليوم، مع تشابهٍ لافتٍ للانتباه هو أنَّ الشعار الديني كان دائماً غطاء لسياسة النهب والسيطرة والتقسيم وزرع عوامل الانشقاق. إنها بالفعل حرب صليبية مستجدَّة، وإذا كانت الإقطاعية الأوروبية المأزومة في القرون الوسطى أرادت حلَّ أزماتها على حسابات ثروات الشرق وموارده، فإنَّ الرأسمالية المختنقة اليوم تريد تكرار التجربة نفسها، لكنَّما الفارق أنَّ الحروب الصليبية أطلقها نداء البابا أوربانوس الثاني عام 1095 بعد مؤتمر كليرمونت في فرنسا، وصاح صيحتَه الشهيرة: “تلك هي إرادة الله”. أمَّا هجمة الغرب اليوم فقد أطلقها القرصان الإمبراطوري[كما سمَّى نفسه] دونالد ترامب، ولا فرق نوعيَّاً بين الاثنين: الأول، باسم تحالف الإقطاع والكنيسة، والثاني، باسم الرأسمالية المختنِقة والحكومةِ الصهيونية العالمية.
بين الجغرافيا والتاريخ
ليس متوقعاً أنْ تتصالح السلطات العربية مع شعوبها، ولا أن تنظر إلى الجار الإيراني نظرة إيجابية، ولا أن ترى في العالم غير أميركا و”إسرائيل”، ولا أن تبني علاقات دوليَّة متوازنة، ولهذا فإنها تشجِّع المغامرة الغربية الاستعمارية ضد الشرق حتى لو انفجرت المنطقة كلُّها، وهي أصلاً على شفير الانفجار الواسع.
بإزاء ذلك نحن أمام ثلاثة مسارات كبيرة آتية:
- توسُّع الحرب، واتساع المقاومة من إيران إلى العراق واليمن ولبنان وفلسطين.
- ستبقى واشنطن وتل أبيب تحاولان إنفاذ مشروعهما في الهيمنة والنهب، وبالمقابل ستبقى إيران على صلابتها في موقع التصدِّي الحربي، وعلى ثباتها في ميدان التفاوض.
- استحالة تفكيك قوس المقاومة، فالمسألة بلغت ذروتها الإستراتيجية على مستوى المنطقة والعالم، فإمَّا انتصار أحدِ الطرفين، وإمَّا تسوية عادلة. ومن التوهُّم الفاضح، أنْ تتصوَّر بعض القوى حلولاٌ تقوم على فصل الساحات كما تفكِّر السلطة اللبنانية في بدعة الاتفاق الإطاري.
وهكذا فإنَّ إيران هي مركز الردِّ حالياً على المشروع الغربي، وبهذا تصنع مستقبلها في قلب الجغرافيا والتاريخ، أمَّا العرب بسبب تخاذل سلطاتهم فهم في قلب الجغرافيا، لكنَّهم سيكونون خارج التاريخ.
