لبنان.. خطاب الفرز الداخلي في زمن الأزمات الكبرى

في اللحظات المفصلية التي تمر بها الدول، يتحول الخطاب السياسي إلى عنصر مؤثر في تشكيل وتوجيه الرأي العام، تهدئةً أو تصعيداً. في حالة لبنان، البلد الذي يواجه حالياً تحديات غير مسبوقة، سياسياً وأمنياً واقتصادياً واجتماعياً، ثمة حاجة أكثر من أي وقت مضى إلى خطاب وطني مسؤول يساهم في تعزيز الاستقرار الداخلي وتحصين الجبهة الوطنية.

غير أن المتابع للمواقف الصادرة عن حزب القوات اللبنانية خلال المرحلة الأخيرة يلحظ تصاعداً في النبرة، من شأنه أن يزيد من الفرز والاستقطابات الحادة، في وقت تبدو فيه البلاد بأمسّ الحاجة إلى مقاربات أكثر مسؤوليةً وهدوءاً واتزاناً.

من حيث المبدأ، يشكل الاختلاف السياسي ظاهرة طبيعية في أي نظام ديموقراطي، بل إنه عنصر أساسي في الحياة السياسية السليمة. لكن الأساس هو كيفية إدارة هذا الاختلاف وحدود استخدامه. فحين يتحول الخلاف السياسي إلى وسيلة لتأجيج الانقسامات وتعزيز الاصطفافات الحادة بين اللبنانيين، يصبح الأمر أكثر ارتباطاً بإنتاج الأزمات لا المساهمة في حلها، فكيف إذا كنا على موعد مع ظروف مررنا بها سابقاً ونحن ندرك سلفاً نتائجها؟

وقد برزت، خلال الأشهر الأخيرة، مواقف سياسية وإعلامية من شأنها إعادة إنتاج الانقسام الداخلي، وذلك من خلال التركيز على القضايا الخلافية وتقديمها باعتبارها المدخل الوحيد لفهم الواقع اللبناني. كما بدا أن هناك إصراراً على استحضار محطات تاريخية وصراعات سابقة بهدف توظيفها في السجال السياسي الراهن، وهو ما يُعزّز مناخ التوتر ويُعيد فتح جراح لم تلتئم بصورة كاملة في وعي أغلبية اللبنانيين.

ولا يمكن فصل هذا الخطاب عن التحولات الإقليمية الجارية، حيث تسعى مختلف القوى السياسية إلى إعادة تموضعها في ضوء المتغيرات التي تشهدها المنطقة. إلا أن الرهان على التصعيد الداخلي في لحظة إقليمية حساسة قد يحمل تداعيات سلبية على الواقع اللبناني، خصوصاً أن البلاد لا تزال تعاني من أزمات اقتصادية خانقة ومن تحديات مرتبطة بالأمن والسيادة والاستقرار الاجتماعي.

المشكلة الأساسية في خطاب الفرز الداخلي أنه يقوم على تقسيم المشهد الوطني إلى معسكرات متقابلة بصورة دائمة، ما يؤدي إلى إضعاف فرص الحوار والتفاهم. وفي بلد متعدد كلبنان، لا يمكن لأي فريق أن يلغي الآخر أو أن يفرض رؤيته بصورة أحادية. فالتجربة اللبنانية أثبتت مراراً أن التسويات الوطنية، مهما كانت صعبة، تبقى الخيار الوحيد القادر على حماية الاستقرار ومنع الانزلاق نحو المزيد من الأزمات.

كما أن لغة المواجهة المستمرة تؤدي إلى رفع مستوى التوتر الشعبي، خصوصاً عندما تترافق مع حملات إعلامية مكثفة تتجاوز حدود النقد السياسي المشروع لتلامس أحياناً مساحات التحريض السياسي أو التعبئة الحزبية. وفي مثل هذه الحالات يصبح الإعلام أداة لتكريس الانقسام بدلاً من أن يكون مساحة للنقاش العقلاني وتبادل الآراء.

لا يحتاج لبنان اليوم إلى مزيد من المتاريس السياسية والإعلامية، بل إلى مساحات مشتركة تُجسّدها مقاربات واقعية تنطلق من الاعتراف بالتنوع القائم داخل المجتمع اللبناني، ومن ضرورة البحث عن قواسم مشتركة تسمح بمواجهة التحديات الكبرى التي تهدد الجميع بلا استثناء. فالأزمة الاقتصادية لا تميز بين منطقة وأخرى، والمخاطر الأمنية لا تستثني فريقاً دون غيره، كما أن أي اهتزاز للاستقرار الوطني ستكون كلفته باهظة على مختلف اللبنانيين.

ومن هنا تبرز أهمية مراجعة الخطابات السياسية السائدة، ليس فقط لدى القوات اللبنانية بل لدى مختلف القوى السياسية، لأن المسؤولية الوطنية تقتضي تقديم الأولويات الوطنية على الحسابات الفئوية الضيقة. فنجاح أي مشروع سياسي لا يقاس بقدرته على شد العصب الحزبي فقط، بل بقدرته أيضاً على تقديم رؤية تساعد في تعزيز الاستقرار وبناء الثقة بين مكونات المجتمع.

في المحصلة، يبقى لبنان أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في دوامة الخطابات الانقسامية التي تعمق الشرخ الداخلي وتؤخر الحلول، وإما الانتقال نحو خطاب وطني أكثر توازناً يعترف بالاختلاف لكنه لا يُحوّله إلى صراع دائم. وفي ظل الظروف الدقيقة التي تمر بها البلاد، يبدو أن الحاجة إلى الخيار الثاني باتت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، لأن مستقبل لبنان لا يمكن أن يبنى على الفرز والانقسام، بل على الحوار والشراكة والبحث عن المصالح الوطنية المشتركة.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  شعور وخطاب "الهزيمة".. هل هما واقعيّان اليوم؟
خضر رسلان

إعلامي، لبنان

Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  تغييريو لبنان.. إلى أولوية مقاطعة الإنتخابات