ليس الأمرُ مجرَّدَ وصفٍ نظريٍّ، بل هو واقعٌ عمليٌ يهزُّ الكرةَ الأرضيَّةَ، ويفتحُ الصراعَ بين الشعوبِ وهذه القوى على احتمالاتٍ متشابكةٍٍ تَتَحتـَّمُ مواجهتُها، وإلَّا فإنَّ هذا الثالوثَ – وإنْ كان الأوروبيُّون أضعفَ أضلاعِهِ – سيتحوَّلُ إلى ديناصورٍ زاحفٍ بشراسةٍ من أجلِ تحقيقِ مشروعِ المليارِ الذهبي، وإحلالِ الأسواقِ محلَّ الأوطان فلا تبقى عندئذٍ هويَّةٌ ولا ثقافةٌ ولا تاريخُ، ولا ثرواتٌ وطنيَّةٌ ولا كرامةُ إنسانيَّةٌ ولا قِوَامُ دوَلٍ.
لو أنَّ المسألةَ ظلَّتْ في إطارِ الأحلامِ والتمنيَّاتِ، لكانَ من الممكنِ أنْ نعبرَ بجانبِها عبورَ غيرِ الآبهِينَ، لكنَّها في الأصلِ سياساتٌ تحوَّلتْ إلى خُططٍ تنفيذيَّة. والأخطرُ أنَّها اليومَ تتواصلُ وتزدادُ رُسوخاً ووضُوحاً وعَلانيةً، فيما أولياءُ السلطةِ العربُ بغالبيَّتِهِم الساحقةِ ذاهلونَ عنها، بل فوقَ ذلكَ، إنَّهم أكثرُ حكَّامِ العالمِ انخراطاً فيها، والأشدُّ كارثيَّةً أنَّهم منخرِطونَ بـِ”قابليَّة ٍطوْعيَّةٍ” للاستعمارِ كما يقولُ المفكِّرُ الجزائري “مالك بن نبي”. يقدِّمونَ ثرواتِ شعوبهِم إلى الأميركيين، ويهِبونَ المالَ إلى صندوقِ السيادةِ الإسرائيلي، ويرفِدونَ العدوَّ الإسرائيلي في حربِهِ الإباديَّةِ على الشعبِ الفلسطيني، ويُحوِّلونَ دولَهُم إلى مستعمراتٍ ذيليَّةٍ، ويُسْهمونَ ماليَّاً ولوجستيَّاً وسياسيَّاً في تدميرِ عددٍ من الدولِ العربيّةِ مثلما حصل في تدمير دولةِ سوريا تحت شعارِ إسقاطِ بشار الأسد فكانَ أنْ أسقطوا دولةً أساسيَّةً في المشرق، وكذلك فعلـُوا في اليمن وليبيا، والآنَ يُكرِّرونَ اللعبةَ السوداءَ في السودان وعينُهم مع الأميركيينَ والإسرائيليينَ على مصر.
الصورةٌ معقَّدةٌ وحُبلى بالكوارثِ. بعضُ الأمثلةِ تكشِفُ بعضاً من الحقائقِ. نموذجُ بعض الإمارات والممالك والمشايخ العربية هو ما تريدُ واشنطن وتل أبيب تعميمَهُ في كلِّ المنطقةِ العربيَّة. أمَّا غلافُ هذا النموذج فهو ما يُسمَّى الديانة الإبراهيميَّة، وقدَ اِعتنقَتْها دول بالكاد هي دول وتحوَّلتْ كليَّاً إلى حليفٍ إستراتيجي لـِ”إسرائيل”، وقبِلتْ تزويرَ الحقائقِ، إذْ ليس في التاريخِ شيءٌ اسمُهُ الديانةُ الإبراهيميةُ حتَّى ولو كان النبيُّ “إبراهيم” موجوداً، فضلاً عن أنَّ أرضَ االخليج العربي لا علاقةَ لها بـ”إبراهيم” من قريبٍ أو بعيدٍ. وما الأمرُ سوى مخطََّطٍ سياسيٍّ – ثقافيٍّ – ماليٍّ صهيوني بِمشاركةٍ أميركيّةٍ تطبيقاً لمشروعِ “برنارد لويس” الذي أعطَوْهُ اِسمَ “اِتفاقاتِ أبراهام”، ولا حاجةَ إلى البحثِ عن أدلَّةٍ جديدةٍ، فها هو توم برَّاك سفيرُ دونالد ترامب في تركيا ومبعوثُهُ إلى سوريا ولبنان يردِّدُ بين حينٍ وآخر نقطتينِ خطيرتين: 1 – ليس في الشرقِ دولٌ بل طوائفُ وعشائر. 2 – والشرق يحتاجُ إلى سايكس بيكو جديدة.
ضمن هذا المُناخِ تقومُ بعض الدول بدورِها الوظيفي في خدمةِ المشروع الصهيوني، لكن دراسةَ المعادلاتِ الإستراتيجيَّةِ المستقبليَّةِ تشيرُ إلى أنَّ هذا الدورَ سيُحطِّمها، فهي لن تخرجَ سالمةً من تورُّطِها في أية ساحة عربية شرقاً وغرباً، ولن تستطيعَ تحدِّي مصر وهي الدولةٌ التاريخيَّةٌ، ولن يقبلَ المِصريّونَ – أياً يكنْ نظامُهم السياسي – أنْ تطعنهم أية دولة من السودان جنوباً ومن البحر الأحمر أو سيناء شرقاً. وهكذا سواءٌ أكانَ هذا المستقبلُ قريباً أو بعيداً فإنَّ الدول العربية التي تتخلَّى عن هويَّتها العربيَّة ستتحوَّلُ إلى شركةٍ مقاولاتٍ دوليّةٍ تديرُها الماسونيَّةُ العالميةُ بعمقِها الصهيوني والأميركي.
ولنا عبرةً في ما يُسمى “المشروعَ الإبراهيمي”؛ مشروعٌ يُهدِّدُ كلَّ العربِ في الأرضِ والثقافةِ والتعليم والتنميةِ وصولاً إلى تشويهِ الرسالتينِ الإسلاميَّةِ والمسيحيَّةِ. وليس بالضرورةِ أنْ تنجحَ هذه المؤامرة كونُها ضدَّ التاريخ، لكنَّها الآنَ تشكِّلُ خطراً مُحدِقاً. ونحن في لبنانَ معنيُّونَ بكلِّ بواطنِها وظواهرِها، ذلكَّ أنَّ العدوَّ الإسرائيليَّ لن يَكتفي بالقصفِ والقتلِ وانتهاكِ القراراتِ الدوليَّةِ، والسعْيِ إلى جرِّ لبنانَ إلى اِتفاقاتِ “أبراهام”. إنَّهُ يخطِّطُ لما هو أكثرُ وأبعدُ. يريدُ توسيعَ الاستيطانِ إلى الجنوبِ اللبناني، وهذه هي المعركةُ المقبلةُ لمحاولةِ تحقيقِ ما كانت تطالِبُ بهِ الوكالةُ اليهوديَّةُ في مؤتمر باريس عامَ 1919 لجهةِ عدمِ وضعِ الجنوب من نهر الليطاني حتى فلسطين تحت الانتدابِ الفرنسي، بل تحت الانتدابِ البريطاني من أجلِ أن تكون حدود الكيانِ المزمعِ إنشاؤُهُ آنذاك مطابقةً لروحِِ وعدِ بلفور. وها هو بنيامين نتنياهو اليوم يعلنُ رفضه الانسحابَ من المناطق التي يحتلُّها في جنوب لبنان وجنوب سوريا، ويدّعي بأنَّ هذه الأرضَ الممتدَّةَ من الجنوب إلى جبل الشيخ والجولان هي من ضمن أرض الميعادِ المزعومة في قصصِ “الميشنا والجمارا التلموديّة”. وليس هذا فحسْبُ بل تكرَّر تحت هذا الشعار ِدخولُ إسرائيليين إلى عددٍ من قرى الجنوبِ اللبناني، ونصبُ خيمٍ وإقامةُ حفَلاتٍ، وتجوالُ خبراءِ آثارٍ ومؤرِّخينَ يزعمونَ بأنَّ الأرضَ لهم. وقد ترافقَ كلُّ ذلك معَ إعلاناتٍ نشرتها منظمةٌ صهيونيةٌ اِسمها “استيقظْ يا شمال” تدعو اليهود ولا سيّما العسكريون إلى شراءِ أراضٍ في الجنوب، وتوزِّعُ خرائطَ، وتُحدِّدُ مناطقَ وأسعاراً على خلفيَّةِ هذهِ المزاعم.
لم تهتمَّ الحكومةُ اللبنانيَّةُ بظاهرةِ الدعايةِ الاستيطانيّةِ التي يُرَوِّجُ لها العدوُّ الإسرائيلي، فبما كان يجبُ أن تعملَ على رفعِهِ إلى الأمم المتحدةِ ومنظمة اليونسكو، ولا سيَّما أنَّ الوثائقَ المصوَّرةَ موجودةٌ من بلدةِ “مارون الراس” وبلدة “شمع” وغيرِهما، وذلك لربطِ نزاعٍ على الأقلِّ، وكي لا بُقالَ مستقبلاً إنَّ السكوت دليلُ الرضى. إنَّ التغاضي عن الجزءِ يفتحُ البابَ أمام التغاضي عن الكُلِّ، والسياسةُ الإبراهيميةُ لا تقتصرُ على الدول التي وقّعتِ الاتفاقيَّاتِ بل هي مشروعٌ يستهدفُ الآنَ فلسطين ولبنان وسوريا.
المرحلةُ القريبةُ المقبلة ُعلى لبنانَ في مُنتهى الخُطورة، والخلفيَّاتُ الإبراهيميَّةُ التي أشرْنا إليها أعلاهُ ستكونُ وراءَ احتمالٍ كبيرٍ لتجديدِ الحربِ. وإذا كانتِ السلطةُ السياسيّةُ في لبنان قد أعلنتْ قبولَها التفاوضَ فإنَّ العدوَّ الإسرائيلي والولاياتِ المتحدةَ يُريدانِ من لبنانَ أن يُسلِّمَ ويُذعِنَ قبل إجراءِ أيَّ تفاوضٍ لتكونَ المفاوضاتُ إذا حصلتْ مجرَّدَ إخراجٍ. ربَّما ما نمرُّ بهِ في بلدِنا هو منعطفٌ وجوديٌ حادٌ، وتلك هي الطامَّةُ الكبرى.
