لا يحتاج العدو الصهيوني إلى ذرائع، بل يعمل وفق مشروع متكامل للتعامل مع كل ساحة عربية، ومن ضمنها الساحة اللبنانية، التي خصّص لها، بالإضافة إلى مشروع الاحتلال العسكري، لجانًا مختصة بالسياسة والاقتصاد وعلم النفس والإعلام والحرب النفسية، بهدف بث النزاع بين اللبنانيين وتقسيمهم وتفتيت مجتمعهم.
وهكذا، ومع بداية هذه الحرب في الثاني من آذار/مارس 2026، ومع أول عملية لقصف الضاحية الجنوبية، كان الناطق باسم الجيش الإسرائيلي يحدد لأهل الضاحية الجنوبية من بيروت طريقة النزوح صوب أماكن تختلف دينيًا ومذهبيًا عن دين ومذهب أهل الضاحية. قال لهم: أمامكم طريق واحد هو شرق العاصمة بيروت وشمالها، لأننا سنقصف كل الطرق الأخرى التي ستسلكونها.
لماذا شرق العاصمة وشمالها؟
الجواب عند أهل العقل والمنطق والدراية بالمشروع الصهيوني الهادف إلى تطاحن الأجساد والعقول والميول السياسية والفكرية والثقافية عند اللبنانيين، ليختزلوا بعضهم بعضًا، وتقوم بينهم الأحقاد والضغائن والأفعال وردود الأفعال، وهو ما يشكل ربحًا صافيًا للمشروع الخطير الذي يستهدف وحدة لبنان وعيشه المشترك.
لقد كان العدو يعتقد أن مسيحيي لبنان وأبناء باقي الطوائف سيكونون مادة احتياط للتحريض ضد فريق من اللبنانيين النازحين، فيستعملهم كعملة نادرة وصعبة، فإذا بهم بالفعل عملة نادرة وصعبة في وجه المخطط الصهيوني. فقد استقبلت قرى الجبل، بتوجيه من الزعيم وليد جنبلاط، جموعًا كبيرة من النازحين، وتعاملت معهم بما تقتضيه القيم والأعراف المعروفة، كما استقبلت قرى الشوف ضيوفًا مكرمين من دون منّة أو بدل مادي أو معنوي.
وكان لطرابلس الفيحاء وسائر قرى الشمال أن فتحت القلوب قبل الدور، مؤويةً لنازحي البقاع، ولسان حالهم يقول: منذ سبعينيات القرن الماضي وأبناؤنا يستشهدون دفاعًا عن الجنوب، وما نقوم به اليوم تجاهكم هو وفاء لانتمائنا قبل أن يكون واجبًا إنسانيًا صرفًا.
وقالت الصويري في البقاع الغربي لأبناء بلدة الخيام: «لكم صدر الدار ولنا العتبة». وقالت صغبين لأبناء مشغرة: «الجيرة أثمن القيم الإنسانية». وقالت القرعون لنازحي بلدة سحمر في البقاع الغربي: «كلنا في الهم واحد». أما بلدة جب جنين، التي حماها تنوع عائلاتها الروحية من الانزلاق في الحرب الأهلية سنة 1975، فقد حافظت على هذا التراث المشترك، ففتحت أبوابها للضيوف قائلة: «نحن الضيوف وأنتم رب المنزل». وقالت دير الأحمر لأبناء بعلبك: «قيم العشائر لا تقوم إلا على إكرام الضيف وإغاثة الملهوف». أما بيروت، أم الجميع، فقد احتضنت، كما العادة، أبناءها الوافدين، تلمّهم، وتحنو عليهم، وتبلسم جراحهم.
نماذج صارخة وصادحة في غير بلدة ومدينة وضيعة لبنانية، جمعها الانتماء اللبناني الصادق الذي يقول: إن تكون لبنانيًا يعني أن تكون أخًا للبناني الآخر في الملمات والمحن والتجارب، لا أن تستقوي عليه بالخارج، مهما زيَّن لك الخارج فوائد الانقسام والتشرذم، ومهما قدم لك من مغريات ظرفية، فإنه يقدم السم في الدسم. ورغم استعمال البعض وسائل الإعلام والسياسة لبث السموم في المجتمع، فقد انتصر الاجتماع على السياسة في أكثر المراحل حراجة في هذا الوطن العزيز.
ومن نتائج هذه الحرب على وطننا أنه، حين انتصر على نفسه بوحدته الداخلية، أفشل مخطط العدوان التاريخي، مع الاعتراف بحصول بعض الشوائب التي لم تفسد روح العيش المشترك.
ألم يقل الإمام السيد موسى الصدر إن الوحدة الداخلية هي أفضل وجوه الحرب مع إسرائيل؟
باعتقادي أن لبنانًا جديدًا، مستفيدًا من تجاربه الماضية، يمكن أن ينهض على قدمين ثابتتين، وأن يتقدم إلى الأمام بخطى واثقة تمنعه من السقوط في مهاوي الانقسام العميقة، إذا ما اتخذ المعنيون من واقعة النزوح والاحتضان درسًا مفيدًا.
لقد انتهى الجهاد الأصغر، وبدأ الجهاد الأكبر، وأمام المؤسسات الرسمية والمدنية اليوم مهمات كبيرة تتمثل في متابعة شؤون النازحين، ولا سيما من لن يتمكنوا من العودة إلى بيوتهم المدمرة في قابل الأيام، وذلك عبر لقاء وطني جامع يضع برنامجًا مستقبليًا للإيواء والاحتضان.
إنها مسؤولية وطنية وأخلاقية، جماعية وفردية.
وبهذا يكون الشكر موصولًا لكل من ذُكر أو لم يُذكر على دوره في التصدي للعدوان، ولكل بيت احتضن، وكل خيمة آوت، وكل سقف حمى، وكل يد امتدت، وكل دعاء بالنصر والكرامة.
