منذ عقود، برزت موسكو كطرف دولي فاعل في النقاشات المتعلقة بلبنان داخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، حيث سعت إلى تكريس مقاربة تقوم على حماية الاستقرار اللبناني ومنع تحوله إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية. وتكتسب هذه السياسة أهمية خاصة في ظل التحديات المتعاقبة التي واجهها لبنان منذ الاستقلال (1943)، سواء خلال سنوات الحرب اللبنانية أو في المراحل اللاحقة التي شهدت اعتداءات إسرائيلية متكررة وأزمات سياسية وأمنية متلاحقة تركت آثاراً عميقة على الدولة والمجتمع والمؤسسات.
ويُظهر تتبع المواقف الروسية في مجلس الأمن الدولي أن موسكو تبنت بصورة متكررة خطاباً يستند إلى المرجعيات القانونية الدولية بدلاً من منطق موازين القوى العسكرية، وهو ما انعكس في تأكيدها المستمر على ضرورة احترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه ورفض أي إجراءات من شأنها فرض وقائع جديدة بالقوة. وقد برز هذا التوجه بشكل واضح في العديد من المحطات المفصلية التي شهدها لبنان، حيث دعمت روسيا الجهود الدولية الرامية إلى تثبيت الاستقرار ومنع التصعيد العسكري، انطلاقاً من قناعة مفادها أن الأمن الإقليمي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال الالتزام الصارم بأحكام القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
وفي هذا السياق، يكتسب الموقف الذي أعلنه المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا خلال الجلسة الطارئة لمجلس الأمن المخصصة لبحث الوضع اللبناني أهمية استثنائية، ليس فقط بسبب توقيته المرتبط بمرحلة شديدة الخطورة من تاريخ المنطقة، بل أيضاً لأنه أعاد التأكيد على مجموعة من المبادئ التي تشكل أساس أي مقاربة واقعية ومستدامة لمعالجة الأزمة اللبنانية. فقد انطلق الموقف الروسي من إدانة العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، باعتبارها عاملاً أساسياً في تقويض الاستقرار وتعريض الأمن الإقليمي لمزيد من المخاطر، كما شدد على وجوب الانسحاب الفوري للقوات الإسرائيلية من جميع الأراضي اللبنانية التي لا تزال تحتلها، باعتبار أن استمرار هذا الوجود العسكري يمثل انتهاكاً واضحاً لمبدأ سيادة الدول وللقواعد الناظمة للعلاقات الدولية.
وتنبع أهمية هذا الطرح من كونه يربط بين معالجة الأسباب الجذرية للأزمة وبين تحقيق الاستقرار الفعلي على الأرض. فالتجارب التاريخية في العلاقات الدولية تشير إلى أن أي ترتيبات أمنية أو تفاهمات سياسية تفقد فعاليتها عندما تستمر عوامل التوتر الأساسية دون معالجة. ومن هذا المنطلق، اعتبرت موسكو أن الوصول إلى وقف حقيقي ومستدام لإطلاق النار “لا يمكن أن يتحقق بصورة كاملة في ظل استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، لأن هذا الوجود يشكل بحد ذاته مصدراً دائماً للاحتكاك والتصعيد ويغذي مناخ عدم الاستقرار ويحول دون بناء الثقة اللازمة لإطلاق مسارات سياسية وأمنية أكثر رسوخاً استنادا الى مبادرة السلام العربية التي اقرتها قمة بيروت عام 2002 ومن ضمن الاجماع العربي”.
كما أن التحذير الروسي من مخاطر استمرار الاحتلال والتوسع الإسرائيلي يحمل دلالات استراتيجية تتجاوز الإطار اللبناني الضيق، إذ يرتبط بفهم أوسع لطبيعة الأزمات الإقليمية في الشرق الأوسط. فالتاريخ الحديث للمنطقة يبين أن الاحتلالات العسكرية والصراعات الحدودية غير المحسومة كانت من أبرز العوامل التي أدت إلى إنتاج دورات متكررة من العنف وعدم الاستقرار. ولذلك فإن معالجة الملف اللبناني من منظور القانون الدولي تقتضي، وفق الرؤية الروسية، إزالة أسباب النزاع وليس الاكتفاء بإدارة تداعياته. ومن هنا جاءت الدعوة الواضحة إلى وقف النار الشامل والانسحاب الإسرائيلي الكامل باعتباره خطوة واجبة الحصول لتهيئة البيئة المناسبة أمام أي جهود سياسية أو دبلوماسية مستقبلية.
وتزداد أهمية الموقف الروسي عندما يقترن بالتشديد على الالتزام الكامل بقرار مجلس الأمن الدولي 1701، الذي يشكل منذ عام 2006 الإطار القانوني الدولي الناظم للوضع في جنوب لبنان. فالقرار المذكور لم يقتصر على الدعوة إلى وقف الأعمال العدائية، بل تضمن مجموعة متكاملة من المبادئ الهادفة إلى تثبيت الاستقرار وتعزيز سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها. ومن هذا المنطلق، فإن التأكيد الروسي على ضرورة تنفيذ القرار بجميع مندرجاته يعكس رؤية متوازنة تقوم على الجمع بين متطلبات الأمن والاستقرار من جهة، واحترام السيادة اللبنانية من جهة أخرى، بعيداً من المقاربات الانتقائية التي تركز على بعض بنود القرار وتتجاهل بنوداً أخرى لا تقل أهمية.
ويبرز في هذا الإطار عنصر أساسي يتمثل في دعم بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، وهو مبدأ يحظى بإجماع واسع في القانون الدولي والعلاقات بين الدول. فاستقرار لبنان على المدى الطويل يرتبط بقدرة مؤسساته الشرعية على ممارسة صلاحياتها الدستورية والقانونية في مختلف المناطق اللبنانية دون استثناء. ولذلك فإن أي دعم دولي حقيقي للبنان ينبغي أن يهدف إلى تعزيز مؤسسات الدولة وتمكينها من أداء وظائفها السيادية والأمنية والتنموية، بما يرسخ مفهوم الدولة الوطنية ويحد من تأثير الأزمات الإقليمية على الواقع الداخلي اللبناني.
من هنا تبرز أهمية أن يحذو أصدقاء لبنان وأشقاؤه حذو الموقف الروسي في المحافل الدولية. فالدعم الحقيقي للبنان لا يقتصر على تقديم المساعدات الاقتصادية أو الإنسانية (على أهميتها)، بل يتطلب أيضاً تبني موقف سياسي وقانوني واضح يدافع عن حق لبنان في استعادة كامل أراضيه وممارسة سيادته الكاملة عليها. كما أن توحيد الجهود الدولية والعربية حول هذه المبادئ من شأنه أن يعزز موقع لبنان التفاوضي ويمنحه دعماً أكبر في مواجهة التحديات التي تعترض طريق استقراره.
إن التجربة التاريخية تؤكد أن الدول الصغيرة والمتوسطة تحتاج في كثير من الأحيان إلى شبكة من المساندة الدولية القائمة على احترام القانون الدولي من أجل حماية حقوقها ومصالحها المشروعة. وفي الحالة اللبنانية، يكتسب هذا الأمر أهمية مضاعفة بسبب الموقع الجيوسياسي للبنان وتشابك الأزمات الإقليمية المحيطة به. ولذلك فإن أي مقاربة دولية تسعى فعلاً إلى تحقيق الأمن والاستقرار في لبنان يجب أن تنطلق من المبادئ ذاتها التي أكدها الموقف الروسي، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، والالتزام الشامل بقرارات الأمم المتحدة، واحترام السيادة الوطنية، ودعم مؤسسات الدولة اللبنانية بوصفها المرجعية الشرعية الوحيدة المخولة ممارسة السلطة على كامل التراب الوطني.
وعليه، فإن الموقف الروسي الأخير بما هو إعلان سياسي مرتبط بظرف إقليمي معين، الا انه يعكس رؤية متكاملة لمعالجة الأزمة اللبنانية وفق قواعد القانون الدولي ومبادئ الشرعية الدولية. كما أنه يطرح نموذجاً يمكن للدول الصديقة والشقيقة للبنان أن تستلهمه في مواقفها وتحركاتها الدبلوماسية، بما يسهم في بناء جبهة دولية أوسع داعمة لحقوق لبنان وسيادته واستقراره. وفي عالم تتزايد فيه النزاعات وتتعاظم فيه تحديات النظام الدولي، يبقى التمسك بهذه المبادئ الطريق الأكثر واقعية وعدالة نحو تحقيق استقرار وسلام مستدامين يحفظ للبنان أمنه ووحدته وحقوقه الوطنية المشروعة.
