إيران وروسيا في سوريا.. و”الصبر الاستراتيجي” بينهما!
أفراد من الحرس الثوري الايراني - صورة من أرشيف رويترز.

منذ تدخلها المباشر في الحرب السورية، عام 2015، اعتمدت روسيا على إيران في مساندة حليفهما المشترك (الرئيس بشار الأسد) وفي محاربة عدوهما المشترك (التنظيمات الإرهابية). في الوقت نفسه، كانت روسيا، وما تزال، تغض الطرف عن الاعتداءات "الإسرائيلية" ضد المصالح الإيرانية في سوريا، وآخرها الاغتيالات التي طالت قياديين من الحرس الثوري في دمشق. والسؤال: لماذا ترضى طهران بهذا الوضع؟ 

يوماً بعد يوم، تتسع رُقعة التوتر على مسرح الشرق الأوسط الملتهب منذ أكثر من ثلاثة أشهر، ومعه يزداد عدد الدول المنخرطة فيه. فالحرب التي بدأتها “إسرائيل”؛ بعد “عملية طوفان الأقصى”؛ على قطاع غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان امتدت نيرانها إلى سوريا والعراق واليمن وباكستان. صار عدد اللاعبين الإقليميين والدوليين المشاركين في معمعة هذه النيران يشمل “إسرائيل”، وفصائل المقاومة في فلسطين ولبنان، و”الحشد الشعبي” في العراق، وحركة “أنصار الله” في اليمن، والولايات المتحدة، وبريطانيا وباكستان. في المقابل، هناك دول فاعلة لا تزال تنأى بنفسها عسكرياً عمَّا يجري. وأبرز هذه الدول: روسيا (التي لديها تواجد عسكري كبير في سوريا)، وبطبيعة الحال معظم الدول العربية بأنظمتها المستقيلة من واجبها في دعم الشعب الفلسطيني، والمستقيلة كذلك من دورها كقوى فاعلة، برغم أنها قد تكون بين أكثر المتضررين إذا ما تدحرجت الأمور إلى حرب اقليمية، أو إذا نجحت “إسرائيل” في تنفيذ عملية التهجير (الترانسفير).

ومنذ تدخلها المباشر في الحرب السورية لمصلحة حليفها الرئيس بشار الأسد، عام 2014، دأبت روسيا على الاعتماد على إيران وحزب الله في مواجهة “داعش” و”النصرة” و”القاعدة” وما يُسمى بـ”الجيش السوري الحرّ” وغيرهم من التنظيمات التي كانت تتلقى الدعم من الولايات المتحدة وحلفائها في الغرب والشرق. وفي الوقت نفسه، كانت روسيا تغض الطرف عن الغارات التي تشنها “إسرائيل” ضد مواقع تابعة لإيران وحلفائها في سوريا، في سياق قواعد إشتباك تم التوافق عليها بين عدد من الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالملف السوري.

لم تكن إيران تولي أهمية كبيرة للموقف الروسي “المتساهل”، طالما أن تلك الغارات “الإسرائيلية” لم تكن تعيق تواجدها على الأراضي السورية ولا تؤثر على تعزيز قدرات حلفائها، في لبنان على وجه الخصوص. ولكن منذ إندلاع الحرب “الإسرائيلية” على غزة، في 7 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بات لهذا الموقف معانٍ سياسية مختلفة، ناهيك عن تأثيراته الخطرة على “محور المقاومة”. فخلال شهر واحد فقط اغتالت “إسرائيل” قائدين كبيرين لـ”الحرس الثوري الايراني” في قلب العاصمة دمشق في ظل صمت روسي مطبق.

“إسرائيل” تؤذي.. لكنها تتوجع أكثر

تعتمد إيران في صراعها مع “إسرائيل”، ومن خلفها أميركا، سياسة “الصبر الإستراتيجي” التي يُعتبر المرشد علي الخامنئي مُنظّرها. في المقابل، بات واضحاً أن “إسرائيل” تعمل جاهدة على دفع إيران للخروج من هذه السياسة من خلال “الضرب تحت الزنار”. فقبل شهر تقريباً اغتالت “إسرائيل” القائد في الحرس الثوري، الجنرال رضي موسوي، في غارة جوية شنتها على دمشق. وقبل أيام اغتالت مسؤولاً استخباراتياً في الحرس الثوري هو الجنرال أوميد زادة (الحاج صادق)، مع أربعة من رفاقه، أيضاً في غارة جوية على حي المزَّة في قلب دمشق. إيران كانت قد ردَّت على اغتيال موسوي بقصف ما قالت إنه قاعدة لجهاز “الموساد” في مدينة أربيل في شمال العراق بصواريخ بالستية بعيدة المدى. وهي اليوم تتوعد بالرد على اغتيال (الحاج صادق) ورفاقه “في الزمان والمكان المناسبين”.

إن المناوشات البعيدة المدى بين إيران و”إسرائيل” توحي بأن الأخيرة تتسبب بأذى لإيران أكبر من الأذى الذي تتعرض له. هذا بالشكل. ولكن التمعن بالأمر يُشير بما لا يقبل الشك إلى أن إيران متقدمة أشواطاً بعيدة في أذية “إسرائيل”، وذلك من خلال الدعم الذي قدمته وتقدمه لفصائل المقاومة الفلسطينية (حركتا “حماس” و”الجهاد الاسلامي” على وجه الخصوص). فلولا هذا الدعم لربما ما كانت عملية “طوفان الأقصى” نجحت، وما كان كل هذا التراكم النضالي الفلسطيني في غزة والضفة. كما أنه بفضل الدعم الإيراني غير المحدود يخوض حزب الله في لبنان مواجهات مستمرة مع “إسرائيل” على جبهة يبلغ طولها 105 كيلومترات، ناهيك عن أن للدعم الإيراني دور رئيسي في تمكين “حركة أنصار الله” الحوثية من السيطرة على مضيق باب المندب والتحكم في سير السفن المتجهة إلى موانىء فلسطين المحتلة.

دق إسفين في العلاقات الإيرانية-الروسية

من هنا، وبالمقارنة بين ما يُحقّق كل طرف في المواجهات المشتركة، تُرجح كفَّة الميزان لمصلحة إيران بما لا يُقاس مع ما تحققه “إسرائيل” التي باتت غارقة في وحل المواجهة في غزة والضفة بتكاليف عسكرية واقتصادية باهظة. وبحسب المؤسسات الرسمية “الإسرائيلية”، فإن عدد الجنود “الإسرائيليين” الذين قتلوا أو جرحوا في الحرب مع المقاومة في غزة ولبنان قد تجاوز الأربعة آلاف (وثمة من يؤكد أن الرقم أضعاف مضاعفة). كما بلغت الكلفة الاقتصادية للحرب، حتى الآن، أكثر من 70 مليار دولار، وسط إفلاس مئات المؤسسات “الإسرائيلية” وإصابة آلاف المؤسسات بالشلل.

صحيح أن قتل قادة عسكريين كبار أمر مؤلم للقيادة الإيرانية، لكن بحسابات الربح والخسارة، فإن ما تخسره إيران يُعد مقبولاً حتى الآن وبالإمكان التعويض عنه بسهولة.. لكن ما تخسره “إسرائيل” له مفاعيل جيوسياسية وجودية.

مصلحة طهران تكمن في تفادي أي خلاف مع موسكو لتفويت الفرصة على نتنياهو الذي يدفع بالأمور نحو حرب إقليمية تتورط فيها إيران وأميركا

السؤال الذي يطرح نفسه هو: إلى متى ستمارس إيران سياسة “الصبر الإستراتيجي” حيال روسيا، حليفتها وصاحبة النفوذ العسكري الكبير في سوريا؟ فالاغتيالات “الإسرائيلية” التي طالت قادتها في دمشق تمت في مناطق ترصدها الرادارات العسكرية الروسية. ومنذ أكثر من ثلاثة أشهرلم تحرك موسكو ساكناً حيال كل ما يجري في المنطقة، لا بل هي امتنعت؛ إلى جانب الصين؛ عن التصويت على قرار مجلس الأمن الدولي الذي أدان القصف الحوثي على السفن في البحر الأحمر، الأسبوع الماضي.

إقرأ على موقع 180  "الناتو" وروسيا.. اللعب المتبادل بالورقة النووية!

إن ما يجمع موسكو وطهران، حتى الآن، هو تقاطع المصالح وتحالف الضرورة في أكثر من مكان في العالم. فإيران، على سبيل المثال، لم تتوان عن تقديم الدعم العسكري لروسيا في حربها مع أوكرانيا، وساعدتها في ترجيح موازين القوى لصالحها بفضل الطائرات الحربية المسيَّرة المتطورة التي قدمتها لها. ولكن الضرر الذي تتسبب به “إسرائيل” لإيران في سوريا لا ينحصر فقط باغتيال قادة وتدمير قواعد للحرس الثوري الإيراني هناك، بل في محاولة “إسرائيل” دق إسفين في العلاقات الإيرانية-الروسية من خلال تظهير مشهدية غضّ الطرف الروسي عن السلوكيات الحربية الإسرائيلية ضد الحليف الإيراني..

إستدامة “الصبر الإستراتيجي”

من غير المرجح أن تبادر إيران إلى اتخاذ أي خطوة دراماتيكية أو سلبية في علاقاتها مع روسيا. ومن غير المرجح أيضاً أن تجبر روسيا “إسرائيل” على وقف اعتداءاتها على الأراضي السورية. ولكن تستطيع روسيا في الوضع الراهن، لو أرادت، أن تؤمن لحليفها الإيراني “مظلة أمان” في سوريا-ولو بالحد الأدنى- من دون سلوك منحى تصعيدي مع “إسرائيل” من شأنه أن يستدرج تدخلاً أميركياً مباشراً لمصلحة الأخيرة.

قد يكون من المنطقي القول إن إيران يجب أن تضع حداً لـ “الحياد” الروسي حيال الممارسات العدوانية “الإسرائيلية” ضد قيادييها وقواعدها العسكرية في سوريا. فهذا “الحياد” وصل إلى مستوى من السلبية بات يخدم مصلحة “إسرائيل” إلى حد ما. ولكن العقل الإيراني يتعامل ببرودة مع القضايا الساخنة،. وبالتالي فإن مصلحة طهران تكمن في تفادي أي خلاف مع موسكو، وذلك لتفويت الفرصة على رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو، الذي يدفع بالأمور نحو حرب إقليمية تتورط فيها إيران والولايات المتحدة.

بالتأكيد، لن تمر الغارة “الإسرائيلية” الأخيرة على حي المزَّة بلا رد إيراني. ولكن مما لا شك فيه أن هذه الغارة ستدفع المسؤولين الإيرانيين إلى فتح نقاش جدّي مع نظرائهم الروس بشأن “الحياد السلبي” الروسي الذي بات يشكل إلى حد ما خاصرة رخوة لإيران في المنطقة. كيف، ومتى، وأين؟ الآتي من الأيام يوضح ذلك.

Print Friendly, PDF & Email
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free online course
إقرأ على موقع 180  رؤية إسرائيلية لما بعد كورونا: ترامب مُهدد والتصعيد الإقليمي مستبعد