هو ليس غير كل البيوت التي دمّرها ويدمّرها العدوان الاسرائيلي على الجنوب اللبناني منذ عام 1948، فهناك عشرات وربما مئات آلاف البيوت التي دمّرها أو جرفها، تضاهيه أو تفوقه قيمةً، وما قيمة الحجر أمام الشهداء من البشر؟ والبيت بيتان: الأول مسقط الرأس، ومرتع الطفولة والصبا، والثاني جنى تعب العمر الفاني قبل اكتمال بنائه أو بعد، وفي البيتين ذكريات شتى، ووجع واحد هو وجع الأرض، وهو وجع المكان والزمان. فكيف إذا اجتمعا في بيت واحد وفي آن؟
لذا هو ليس غير غيره، بقدر ما هو نموذج، ملخّص، عنوان، لكل بيت، وإن كان لكل بيت قصته وحكايته، ذكرياته ومذكراته، سيرته الذاتية، بطاقة الهوية، تثبت بأن صاحبه “لبناني منذ أكثر من عشر سنوات”، أما البيت نفسه فقد يفوق صاحبه وطنيةً، “وهو لبناني منذ أكثر من أربعين عاماً”، ورقم السجل 300 متر عن مستوطنة المطلة التي تطلّ عليه، مثلما تطل عليها الضيعة، ومع ذلك ظل صاحبه يقول “إنّ للبيت ربٌ يحميه”.
على هذا الأساس أسّسه، وقرر – رحمه الله – أن يؤسس طابقه الأول بعد الاجتياح الاسرائيلي عام 1982، يومها سألته: لماذا تبني بيتاً وعندنا بيت؟ أجاب: “لكي تبنوا عليه من بعدي بيوتاً لكم”. يومها لم أدرك معنى قلق استمرارية البنيان، وأنه يضاهي أرق استمرار الذرية وخصوصاً الصبيان. لم أفهم أنه يعتبر البيت جزءاً منه، من سنخ ذريته، استمرارية له ولها، تهمّه كما يهمّه أن يرزقه الله ولدا، ولذلك سألته: وأنت ماذا تستفيد؟ قال “أريد أن أبنيه وآعيش فيه ولو يوماً واحداً آكل فيه زيتوناً وبصلاً قبل أن أموت”. يومها، لم أهضم هذه العبارة ببُعدِها الإدراكي، ولم أسبر عمقها المعرفي، إلا عندما أصبحت الآن بعمره آنذاك.
عندما بدأنا حفر قواعد البيت بسواعدنا وحدنا، أصرّ على جعلها كبيرة بطول مترين وعرض مترين لكل عامود، وكان المعهود أن لا تتجاوز المتر طولاً والمتر عرضاً، وعندما سألته عن السبب أجاب: “غداً عندما أموت وتكبرون وتبنون فوقه بيوتاً، يجب أن يكون قوياً كي يحملها ويحملكم”. لم أُلامِس يومها شغف الجنوبي بأرضه، ولا هوسه بالبناء عليها، ولا وسواسه بالعيش فيه، بمعزل عن الحاجة له، أو القدرة على ذلك من عدمها، لكنني عندما كبرت فهمت قلقه على بيتٍ لم يكمله في حال فَقَدَ الآخر صاحبه.
وعندما تحرّر البيت بتحرير الأرض عام 2000، ألفيتني بلا وعيٍ أهجم عليه أو إليه كالمجنون، فلم أجده من النظرة الأولى، برغم تحطم سوره الإسمنتي. وجدت غابة من الحشائش اليابسة والنباتات الطويلة، التي نمَت بفوضاها وعشوائيتها خلال العشرين سنة من تركه مهجوراً تحت نير الاحتلال. رحتُ أغوص فيها كأنها أدغال موحشة؛ أقترب ببطء الباحث عن كنزٍ دفين، وكلما ازددت اقتراباً ازدادَ البيت ابتعاداً، وتراكم الشعور أنهم هدموه وجرفوه، وكلما دنوت منه زادني شعوراً بأني ضيّعته ولن أعثر عليه، حتى غبتُ بين غابة اليباس، أَفتحُ طريقي فيها بيديّ كمن يسبح في “بحر الظلمات”، إلى أن اصطدمتْ يدٌ بجدار، فرحت أتلمسه بها كالأعمى، كما يتلمس الحجاج الحجر الأسود، وأبحث عن بقيته كما لو أنه آثار دارسة، لا يُسمَع فيها غير نحيب امرئ القيس “قفا من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ”، إلى أن اهتديت إلى بعضه، ثم إلى كلّه، وأيقنت أن سنين الاحتلال خطفته بعد رحيل أبي، واعتقله كما قبل النفي اعتقلني، وغيّبه في مجاهله، “ليصاب بالنسيان”، يومها أدركت أن البيوت تقاوم مع أهلها، فتُعتقل كأصحابها، وتُجرح كحُماتها، وتظل مع الإحتلال في حال المشتبك مثلهم، وأن البيت صمَدَ كغيره، ليبدأ مذاك رحلة الجهاد حتى الاستشهاد، حين آن لهذا الفارس أن يترجل، ولهذا سألت والدي مع محمود درويش:
“لماذا تركت الحصان وحيداً يا أبي
لكي يؤنس البيت يا ولدي
فالبيوت تموت إذا غاب سكانها”.
لكن أبي الذي مات قهراً من الإحتلال؛ مات قبل أن يكمله، لكنه ظل هناك، ظلّ ظلّه فيه؛ بقيت روحه تحوم في قفاره وفيافيه، وظلّ يقيم في كل زواياه؛ كان يتنفس في كل سنتمتر منه، وكانت رائحة عرقه تفوح من جنباته كالعطر الزعتري، الذي لا يعرفه الاّهُ والراسخون في حب الأرض، فهو لا يغادر ولا يبارح ولا يتخلى، وهو المولود عام 1929؛ عام أول عملية فدائية في فلسطين، ومن يومها هو واقفّ عندها يردّد عن منفذّها محمد أبو طبيخ مع إبراهيم طوقان:
“هو بالباب واقفُ /والردى منه خائفُ
صامتٌ لو تكلّما /لفظَ النار والدما
لا تلوموه قد رأى /منهج الحق مظلما
وبلادٌ أحبها /ركنها قد تهدّما
وخصوماً ببغيهم /ضجّت الأرض والسما”.
كان البيت بلا باب، لكنه كان هو الباب، وكان البيت المتعَب، محاطاً بمحميات زرعناها سوياً فباتت كالأميرات في السنين الغابرات. شجرات الصنوبر الخمس بلسان حالها “حرَسَته خمس صنوبراتٍ فانزوى وتصوّفا”، شجرات البرتقال الثلاث مزهوة بزهرها الأبيض يفوح عطره في الأرجاء، وكذا شجرتا الليمون الحامض. شجرات الرمان الخمس ترفل بزهرها المميز اللون، شجرتا التين وقد كبرتا ولم تنكسر. شجرتا الآكي دنيا بلغتا ما فوق السقف. اللوزة العملاقة التي تركناها طفلةً ارتفعت إلى بيت الجيران. شجرة التوت الأسود تفتح أغصانها أذرعة للمارة. كلها كانت هناك تحيطه بكل وقارها، كأنها تحميه بظلالها، وتنتظر.. وهو يجيب “لكنه كان جريحاً قد تصدّع في جهتين”، يقول: “فإني مللتُ الوقوف.. فَرُدِّي نُجُومَ الطُّفُولَةِ.. حَتَّى أشاركَ صغارَ الْعَصَافِيرِ.. دَرْبَ الرُّجُوعِ”.
لِعُشِّ انْتِظَارِكْ”، انتظار من يأتي ليفكّ قيده، يحرره، يكمل بناءه، يحييه قبل أن يصير في الرميم، وكأنه يخفي العتاب في حضرة الغياب الذي طال بسؤال: أين أنت؟ أين كنت؟ أين الحصان؟ لماذا تركتني للآن؟ وحينها عاد سؤال أبي الذي لم يقله: “وإن أعادوا لك البيوت القديمة فمن يعيد اليك ساكنيها؟” فقررت أن أجيب على سؤاله، وأن أبنيه، وأبني فوقه، وأزيد أشجاره المثمرة، فبنيت وسيّجتهُ بسورٍ يُشعِره بالأمان، وطوّقته بطوقٍ من عشرين شجرة صنوبرٍ من جهاته الأربع، وغبت عنه غيبة ثانية تماثل الأولى بعد عامين من تحريره، في نزوح اختياري إلى منفى إختباري هذه المرة، وعلى مدى خمسة عشر عاماً من الغربة، كانت كل إجازة سنوية تذهب في بنائه حتى اكتمل بعد العودة إليه قبل ست سنوات. كان النزوح الثالث عنه نفياً ثانياً في منتصفها مع بدء حرب إسناد غزة في خريف العام 2023، ومع كل زيارةٍ عابرة، كنت ألقاه في حالة اشتباك تصاعدية مع الاحتلال.
ففي الزيارة الأولى إلى الضيعة لتشييع شهيد، مررتُ به أتفقده فوجدته محطم الزجاج مخلّع النوافذ، كأي مقاوم جريح أصيب بجروح شتى، لكنه ظل صامداً يقاوم، كأنه أراد أن يطمئنني ويذكّرني بقصيدة “الطمأنينة” لميخائيل نعيمة التي حفظها جيلنا في الصفوف الابتدائية:
“سقف بيتي حديد ركن بيتي حجر
فاعصفي يا رياح وانتحب يا شجر
من سراجي الضئيل استمد البصر
كلما الليل طال والظلام انتشر”.
في الزيارة الثانية لتشييع شهيد آخر، عرّجت عليه فألفيت بوابة سورهِ الرئيسية مفتوحةً لكنه بلا أبواب، بلا نوافذ، بلا باب رئيسي، و”ثمّة بيوت تفتح لك قلبها وهي تفتح لك بابها”، فربطت البوابة الرئيسية وربطت أبوابه الخارجية بجنازير علّها تقيه من أي شيء، متمسكاً به حتى الرمق الأخير، رمقه أو رمقي، ولا أخفي أنه يومها ذكّرني بذكر المتنبي:
“ذِكرُ الصِبى وَمَراتِعِ الآرامِ/ جَلَبَت حِمامي قَبلَ وَقتِ حِمامي».
أما في الزيارة الثالثة والأخيرة قبيل حرب “العصف المأكول” الراهنة، وكانت لتشييع شهيد أيضاً، فوجدته محروقاً، أسوَدَ اللون من الداخل والخارج، قد انزوى في ثياب الحِداد، حتى أمكنة الأبواب والنوافذ ذابت مع الأثاث، لا أثر فيه لشيء، حتى السقف والجدران أكلت بعضها النيران، لكن نصفه السفلي قاوم نيرانهم، ونجا من حقدهم غصباً عنهم، لكنه ظل في حال المشتبك معهم، فما هان عليه ولا أحزنه غير المكتبة التي كان يحتضنها منذ رحيل مكتبة العمر في بيت الضاحية خلال حرب 2006، أما أنا فما أسفت على كتاب “تاريخ العرب” الذي نجا يومها ووجدته مكوّماً فوق ركام البناية ونقلته إلى الضيعة، ليكون الحجر الأول في المكتبة الثانية التي وجدتها رماداً أرتني بأم عيني وأبيها، ماهية جرائم الحرب في طريقة قتل الثقافة، وسبل طمس الذاكرة، والإعدام الجماعي للكتب بما فيها من كنوز معرفية، وإبادة المكتبات بما تحتضن على رفوفها من تاريخٍ ومعارف وعلوم؛ إبادةً ربما لم يبلغها إلا أحمد باشا الجزار بحق مكتبات جبل عامل، ولا تتار هولاكو بحق مكتبات بغداد، وأفهمتني حجم الكراهية التي يختزنها غزاة المكتبات لكل شيء، لأي شيء لنا، منّا أو فينا، لكل حيّ أو جماد، بهدف استيطان هذه الأرض، بعد إبادتين: الإبادة المكانية لعمرانها، وإبادة الذاكرة الجماعية لأهلها، في أبشع إحلالٍ لسردية “أرض بلا شعب”، وكلتا الإبادتين جرائم حرب، لا مكان فيها للثكل، ولا وقت للتفجع، وإلا فما قيمة البيوت والقرى والأرض أمام الشهداء من أجلها؟
قبل أسابيع، وخلال تشييع شهيد من البلدة لمواراته الثرى “وديعةً” في ضاحية بيروت الجنوبية بانتظار التحرير، جاء خبر الاستشهاد: “أعرفت أنهم جرفوا بيتك”؟ أجبته: “جرفوا الضيعة والضيع وأنت عم تحكيني ببيتي”؟ قال “وأنا مثلك أيضاً راح بيتي”. قلتُ له: راح البيت لكن الأرض بتبقى، إسم الضيعة، عيون الماء، أسماء الحارات، وجهات الأرض، كلها تبقى، ألا تعلم أن البيوت والقرى مثلنا، تضحي بنفسها فيستشهد بعضها ليبقى بعضها الآخر، لأنها تشبه أهلها، “إنّ التشابه للرمال وأنت للمطلق”، والمطلق عندنا هو الأرض التي تبقى وإن غاب سكانها وجُرفت بيوتها، ولهذا لم يكتفِ الغزاة بإحراق البيت حياً فعادوا إليه ثالثةً، وأعدموه حرقاً حياً كحلّاجٍ في لحظة تصوّف، لكنه ظل يصرخ باحتلالهم مع درويش فلسطين:
“بيتي على الأوراس كان مباحا
يستصرخ الدنيا، مساءَ صباحا
لكن في مُهَجِ القلوب، خيوطَه
مغروزة، تلدُ الغدَ الوضاحا
تستجمع الماضي، تلملم شمله
بعد المخاض، وتسفح السفاحا
فبغير كفٍ بالدما، حنّاؤها
لم نلقَ في باب الغد المفتاحا
وبغير زيت دمائنا، ما نوّرتْ
حريةٌ، كنا لها مصباحا”.
