هذا السؤال، في بلد طبيعي، يكفي لإنتاج أزمة حكم. أمّا في لبنان، حيث الطائفة والذاكرة والسلاح والخارج تتداخل في جسد سياسي واحد، فهو أكثر من أزمة: إنّه مادّة حرب. ومع ذلك، لا تقع الحرب. لا لأنّ لبنان محصّن، ولا لأنّ ذاكرة الدم وحدها تردع المغامرين، ولا لأنّ زعماءه صاروا حُرّاسًا للسلم الأهلي. الحقيقة أبرد وأكثر إيلامًا: الذين يستطيعون الاقتراب من الهاوية يخافون أن تسحبهم معها. فالحرب التي تفتك بالناس، قد تفتك سياسيًا أيضًا بمن اعتادوا إدارة خوفهم: زعماء الطوائف.
الحرب الأهليّة اللبنانيّة بين 1975 و1990 لم تكن مجرد سلسلة معارك بين جماعات متنازعة. كانت انهيارًا للدولة وصعودًا للميليشيات كبديل عن الأمن والتمثيل والسُّلطة. انتهت الحرب عسكريًا، لكن كثيرًا من منطقها بقي حيًا في السياسة والاقتصاد والاجتماع. خرج لبنان من خطوط التماس، لكنه لم يخرج بالكامل من ثقافتها. تبدّلت الحواجز بالمكاتب، والبنادق بالحقائب. وتكاد المراجع التاريخيّة تجمع على توصيف الحرب الأهليّة اللبنانيّة بوصفها نزاعًا امتدّ خمسة عشر عامًا، تدهورت خلاله الدولة وتقدّمت الميليشيات لتملأ فراغ الأمن والسُّلطة والقانون.
هنا تكمن مفارقة أمراء الحرب السابقين. فالحرب الماضية منحت بعضهم شرعيّة الأمر الواقع، أمّا الحرب المقبلة، إن وقعت، فقد تسلبهم حتى هذه الشرعيّة. الحرب الأولى صنعت زعامات. الحرب الثانية قد تستهلكها. من كان في الماضي ابن بندقية صار اليوم صاحب مؤسسة وحصّة وشبكة وموقع وذاكرة. ومن كان يقود شارعًا صار يدير منظومة مصالح. ومن كان يستمد حضوره من الخوف صار يخاف أن يولد خوفٌ جديد لا يمرّ عبره.
ولا ينبغي التعامل مع الحرب الأهليّة ككارثة إنسانيّة فقط، مع أنّها كذلك أوّلًا وقبل كلّ شيء. فالحروب الأهليّة تنتج أيضًا اقتصادها: الجباية، التهريب، الاحتكار، المعابر، المرافئ غير الشرعية، وسائر أشكال التجارة بالحاجة والخوف.
في التجربة اللبنانيّة، لم يكن اقتصاد الحرب هامشًا على المعارك العسكرية، بل كان جزءًا من بنيتها. بل إنّه كان، في أحيان غير قليلة، أحد أسباب المعارك لا مجرد نتيجة لها. وقد وثّقت دراسات عن الاقتصاد السياسي للحرب اللبنانيّة كيف استفادت قوى مسلّحة من الضرائب غير الرسميّة والاحتكارات وفوارق الأسعار والمضاربات والتجارة الموازية في ظل ضعف الدولة، وبينها تجارة السلاح والممنوعات.
لكن هذا لا يعني أنّ الطبقة الحاكمة الحاليّة تريد حربًا جديدة. فهذه الطبقة، على ما راكمته من نفوذ داخل اقتصاد الزبائنية والحصص، تفضّل الفوضى المُدارة على الفوضى المفتوحة. تحتاج إلى دولة ضعيفة لا إلى دولة ميتة. تحتاج إلى مؤسسات رسميّة ورقابيّة قائمة شكليًا، تعمل ضمن هوامش ضيّقة وتحت أثقال السياسة والأزمة. لا تحتاج إلى فراغ كامل لا يمكن ضبطه أو الاستثمار فيه. تحتاج إلى إدارات وموانئ ومؤسسات تعمل بالحدّ الأدنى الضروري لإنتاج الشرعيّة وتمرير التسويات. أمّا الحرب الأهليّة الشاملة، فهي شيء آخر: سوق مفتوحة لقوى جديدة، أكثر خشونة وأقلّ التزامًا بقواعد اللعبة القديمة.
أخطر ما في الحرب، بالنسبة إلى الزعيم الطائفي، أنّها لا تكتفي بتدمير المدن والبنية التحتية؛ إنّها تختبر الزعامة نفسها. في لحظة الحرب، لا تعود الإطلالات التلفزيونيّة كافية، ولا تكفي الصور القديمة في بزّات الميدان لصناعة قيادة جديدة. الحرب تسأل سؤالًا قاسيًا وبسيطًا: من يملك الأرض؟ من يفتح الطريق؟ من يُمسِك بالمعبر؟ من يُطعم الناس؟ من يملك الفاعليّة لا الخطاب؟ هنا يخاف الزعيم أن تخرج الجماعة من يده، وأن يظهر قائد ميداني أو ممول أو ابن شارع غاضب يقول للناس إنّ الحماية عنده لا عند من احتكرها طويلًا.
والحرب الأهليّة، في لبنان تحديدًا، لا تفتح الجبهات بين الطوائف وحدها، بل تفتحها داخل الطائفة الواحدة أيضًا. فحين تنهار الدولة ويتقدّم السلاح، لا يعود الزعيم قادرًا على الاكتفاء بالقول إنّه “زعيم الطائفة” بدون مُنازع. تظهر داخل كل جماعة أسئلة أكثر قسوة: من هو الأقوى؟ من هو الأقدر على الحماية؟ من يملك المال؟ من يسيطر على الأرض؟ من يتكلّم باسم الشهداء والخائفين والمهجّرين؟ عندها لا تعود الطائفة كتلة واحدة خلف زعيم واحد، بل تتحوّل إلى ساحة تنازع بين طامحين ومسلحين وممولين وأبناء بيئات تشعر بأن الزعامة القديمة لم تعد تكفيها.
وهذا، ربما، هو الكابوس الأعمق للزعامات التقليديّة. فالحرب بين الطوائف قد تعيد إنتاج خطابها القديم عن الخطر الخارجي، أمّا الاقتتال داخل الطائفة فيسحب منها آخر أوراقها: احتكار التمثيل. هنا تبدو ملاحظة ابن خلدون عن العصبيّة والتنازع على المُلك شديدة المعاصرة؛ فالسلطة لا تُنازَع دائمًا من خارج الجماعة، بل كثيرًا ما يبدأ الصراع عليها من داخل العصبيّة نفسها. بهذا المعنى، قد يجد الزعيم الذي يسوّق نفسه حارسًا لجماعته نفسه، في لحظة الفوضى، طرفًا في نزاع على قيادة هذه الجماعة لا قائدًا لها. وقد يكتشف أن الخطر على موقعه لا يأتي من الطائفة الأخرى، بل من داخل بيته السياسي نفسه؛ من قائد أصغر سنًا، أو أكثر التصاقًا بالشارع، أو أقل التزامًا بتسويات ما بعد الحرب.
لذلك تخيف الحرب أمراءها القدامى
أكثر مما يغريهم اقتصادها؛ فهي لا تهدّد مصالحهم فوق الطوائف فحسب، بل تهدّد مواقعهم داخل طوائفهم أيضًا. وقد تجرّدهم من الأقمشة التي لبسوها بعد الطائف: الوطنيّة، حماية الطائفة، التمثيل. وقد تضعهم أمام جمهورهم عُراةً من الوظيفة الأساسيّة التي بنوا عليها شرعيتهم: القدرة على الحماية وتوزيع المنافع. إذا كان الزعيم يقول لجماعته منذ عقود إنّه الضمانة، فإنّ الحرب الجديدة قد ترد عليه بسؤال قاتل: إذا كنتَ الضمانة، فلماذا وصلنا إلى هنا؟
والانقسام الحالي حول إسرائيل والسلاح يزيد هذا السؤال خطورة؛ فهناك من يرى أنّ الخروج من الاستنزاف يمر عبر تسوية سياسيّة وأمنيّة كبرى، تُعيد للدولة قرارها وتُخفّف كلفة مواجهة مفتوحة استنزفت البلد طويلًا، ولو انتهت إلى ترتيب طويل الأمد مع إسرائيل. وهناك من يرى أنّ أيّ تسوية في ظل اختلال ميزان القوة قد تتحول إلى تنازل خطير وإلى هزيمة مزدوجة بوجه الخارج والداخل معًا. التطورات الأخيرة، بما فيها تقارير دوليّة عن مقترحات أو صيغ لوقف إطلاق النار بوساطة أميركيّة، وما رافقها من قبول أو رفض متبدّل بحسب الشروط المطروحة، جعلت هذا الخلاف أكثر حدّة؛ فهو ليس نقاشًا تقنيًا حول الجنوب، بل سؤال عن السيادة والحدود ودور الدولة وموقع لبنان في الإقليم.
في الظاهر، يكفي هذا الانقسام لإشعال البلاد. لكنّه في العمق يصطدم بحقيقة أخرى: القوى المتخاصمة في العناوين الكبرى تتعايش، بدرجات متفاوتة، داخل نظام محاصصة واحد. تختلف في السلاح والسيادة والإقليم، لكنها تعرف اللغة نفسها حين تصل إلى الإدارة والوزارة والتعيين والمرفق والامتياز والتسوية. كل فريق يحتاج إلى بنية دولة، ولو ضعيفة، لأنّها تمنح حصته فيها شكلًا قانونيًا وتمنح النفوذ اسمًا مؤسسيًا. الفراغ الكامل لا يضمن لأحد شيئًا.
من هنا يصبح الاستقرار اللبناني الهش، إن جاز تسميته استقرارًا، نوعًا من التوازن البائس. البلد لا يصمد لأنّ نظامه عادل، ولا لأنّ قياداته مؤمنة بالدولة كما يجب أن تكون، بل لأنّ الذين بنوا نفوذهم حول “الخزنة” يعرفون أنّ فتح أبوابها على الفوضى قد يستدعي لاعبين جددًا لا يعترفون بقواعد التقاسم القديمة. يعرفون أنّ حربًا جديدة قد تنقل مفاتيح الغنيمة إلى أيدٍ جديدة لا تنتظر أيّ إذن من الزعماء القدامى.
وهذا ما لا يريده كبار السياسة، ولا يريده أيضًا كثير من شركائهم في الاقتصاد. فطبقة واسعة من أصحاب الامتيازات والمقاولين والتجار والمتموّلين تحتاج إلى دولة ضعيفة قابلة للاستعمال، لا إلى دولة محطّمة بالكامل. الصفقة تحتاج إلى توقيع، والامتياز يحتاج إلى مرجعيّة، والحماية تحتاج إلى غطاء، والحسابات تحتاج إلى حدّ أدنى من الانتظام. الحرب الشاملة لا تلغي فقط حياة الناس وبيوتهم؛ تلغي أيضًا دفتر الحسابات الذي اعتاد الأقوياء القراءة منه.
وقد استخدم البنك الدولي في توصيف الأزمة اللبنانيّة عبارات نادرة القسوة، بينها “الكساد المتعمّد”، متحدثًا عن تفكّك ركائز الاقتصاد السياسي لما بعد الحرب، وعن نخبة حكمت طويلًا واستفادت من ريوع الدولة. كما يشير “مؤشر مدركات الفساد” إلى موقع بالغ التراجع للبنان، إذ سجّل 23 من 100 واحتل المرتبة 153 من أصل 182 دولة في مؤشر العام 2025. هذه الأرقام لا تشرح كل شيء، لكنها تؤكد أنّ الأزمة ليست سوء إدارة عابرًا، بل بنية مصالح عميقة تحكم علاقة السُّلطة بالدولة والمجتمع.
من هنا، لا تخاف الطبقة الحاكمة من الحرب لأنّها زاهدة في اقتصاد الظلّ، بل لأنّها تخشى اقتصاد ظلّ لا تكون هي ناظرته ولا بوّابته ولا صاحبة مفاتيحه. تخاف من مرافئ لا تخضع للدفاتر القديمة، ومن معابر لا تمر عبر الوسطاء التقليديين، ومن أمراء جدد يصعدون من الفقر والغضب والسلاح. تخاف من حرب لا يمكن إدارتها بالهواتف، ولا احتواؤها في الاجتماعات، ولا توزيع أرباحها في الغرف المغلقة.
هذا هو الفرق بين استخدام شبح الحرب والذهاب الفعلي إليها. الزعيم يلوّح بها كي يمنع الناس من كسر النظام، لكنه لا يريد بالضرورة الوصول إليها. يقول لجمهوره: إمّا زعامتي أو الفوضى، إمّا حصّتي أو انهيار الطائفة، إمّا أنا أو المجهول. غير أنّ هذه الفزاعة تبقى نافعة ما دامت معلّقة في الهواء. فإذا نزلت إلى الأرض، صارت خطرًا على من يستخدمها قبل غيره.
لا يعني ذلك أنّ الحرب مستحيلة. فلبنان بلدٌ هشّ، والسلاح موجود، والاقتصاد منهك، والطائفية وقود للاشتعال، والمنطقة تضغط على حدوده وأعصابه. حادث واحد، خطأ واحد، اغتيال واحد، أو اشتباك واحد في لحظة جنون قد يفتح بابًا لا يعرف أحد كيف يغلقه. لكن الفرق كبير بين بلد قابل للحرب وطبقة حاكمة تريد الحرب. قابليّة الاشتعال موجودة؛ الإرادة الجامعة للانتحار ليست مؤكدة.
الشعب اللبناني يكره الحرب لأنّه يعرف ثمنها: البيوت المهدمة، المفقودون، الخطف، التهجير، القتل على الهوية، والذاكرة التي لا تموت. لكن رأي الشعب وحده لا يكفي في بلد لا يصغي كثيرًا إلى ناسه. ما يخفّض احتمال الحرب، أو يؤجله، هو أنّ زعماء الطوائف أنفسهم يخافونها: يخافون أن تكشف هشاشتهم، وأن تولّد أمراء جددًا، وأن تكسر احتكارهم للخوف والتمثيل، وأن تفتح داخل كل جماعة معركة على من يملك حق الكلام باسمها والتوّاقون لذلك كُثر، وأن تهدّد الدولة الزبائنية التي أتقنوا تحويلها إلى نظام حصص وامتيازات.
لذلك قد يبقى لبنان على حافة الهاوية من دون أن يسقط فيها بالكامل. ليس لأنّه بخير، بل لأنّ الواقفين على الحافة يعرفون أنّ من يدفع الآخرين قد يسقط معهم. الحرب الأهليّة خطيئة في حق الناس، لكنها أيضًا مغامرة خطرة على من يظنون أنّهم قادرون على استخدامها. وطالما ظلّ خوف الزعماء على مواقعهم أكبر من شهوتهم للمواجهة، تبقى الحرب الشاملة احتمالًا مؤجلًا. لا بفضل الخوف على السلم الأهلي، بل بفضل رعب المنظومة من الفوضى التي قد تلد نظامًا لا مكان لها فيه.
