بين النقد والتجهيل.. كيف تُحاكَم ثورة يوليو؟

لا توجد ثورة في التاريخ تستعصي على النقد. النقد مشروع تمامًا لتجنب تكرار أي أخطاء ارتُكبت في المستقبل. التجهيل قضية أخرى. إنه اعتداء مباشر على الذاكرة الوطنية يمنع أي تصحيح، ويحجب كل تراكم.

«والله لو استقبلت من أمري ما استدبرت لكنت من رجاله وحاربت خلفه».

كان ذلك تعبيرًا متحديًا أطلقه نقيب المحامين التاريخي «عبد العزيز الشوربجي» في محضر تحقيقات معه أمام النيابة العامة، في أجواء اتفاقية «كامب ديفيد» والملاحقات التي لحقتها.

بخلفيته السياسية، فهو «وفدي» يجافي تجربة «جمال عبد الناصر»، غير أنه، في لحظة «كامب ديفيد» وما تمثله من خطر داهم على الوطنية المصرية، أعلن انحيازه إليه.

فقيه قانوني آخر، من أفضل من مروا على مصر من المحامين الكبار، هو الدكتور «محمد عصفور»، وجد نفسه، بقوة الوطنية المصرية، رغم الخلاف المعلن مع «عبد الناصر»، يقول في حوار صحفي منشور:

«أمريكا استغلت السادات لإجهاض مشروع ناصر».

كان ذلك تأكيدًا ثانيًا على الرؤية نفسها.

حين بدأ السجال يحتد داخل مصر، والحملات تأخذ مداها بين عامي (١٩٧٤-١٩٧٥)، كان الدكتور «لويس عوض» يعمل أستاذًا زائرًا بجامعة كاليفورنيا (لوس أنجلوس):

«كنت في أوقات متباعدة ألتقي فصائل من المصريين تقيم حفلات الحقد المستمر على عبد الناصر والناصرية، وتردد كل سخافة تقرؤها في الصحف الأمريكية، فإذا رأت أن الجرائد الأمريكية تهلل لأن فايز حلاوة كتب مسرحية اسمها “يحيا الوفد” تسب الروس، مجدت فايز حلاوة دون أن تعرف شيئًا عن مسرحياته».

«وكنت أهتم بأن أسأل هؤلاء النازحين هذه الأسئلة المحددة: هل صادر عبد الناصر لك أو لأسرتك أملاكًا؟ فيقول: لا. هل سجنك عبد الناصر، أو سجن فردًا في أسرتك يومًا واحدًا؟! فيقول من يحاسب الناس وهو في أمريكا: لا. فلمَ إذن هذه المرارة ضد عبد الناصر؟ إنه خرب البلد بالقطاع العام والتبعية للسوفييت. كل ما فعله عبد الناصر دميم وينبغي نقده. حتى السد العالي ينبغي هدمه».

أهمية هذه الشهادة في صاحبها، وأنه أدلى بها وهو يقف على الجانب الآخر من التجربة الناصرية، وفي معرض نقده لها.

ربما أراد أن يضع نفسه في حيز مختلف حتى لا تختلط وجوه ومواقف كأنها واحدة.

«للناصرية اليوم، وبعد وفاة صاحبها، نقاد بلا عدد، ولكن لا تجوز مناقشة بعضهم؛ لأنهم مجردون من الشرف الوطني، أو من الشرف الشخصي»؛ كما كتب حرفيًا.

بعض ما يُكتب اليوم على شبكات التواصل الاجتماعي، من سبّ وشتم ثورة «يوليو»، يستحق أصحابه الأوصاف نفسها.

انفلات الأعصاب بالسباب والشتائم يعكس أمرين رئيسيين.

الأول، أن مشروع «يوليو» ما يزال ماثلًا وملهمًا بقوة في المجال العام، دليلًا إلى المستقبل.

والثاني، اليأس شبه الكامل من إزاحة «يوليو» خارج ذاكرة ووجدان المصريين.

لا ينفي ذلك ضرورة نقد أخطائها الأساسية، وإضافة قيمتي الديمقراطية وحقوق الإنسان إلى صلب مشروعها.

بطبائع الأمور، كان رد الفعل بذات درجة الضراوة؛ لا تسامح ولا مهادنة مع الحملة وأصحابها.

في مثل هذه الأحوال، غاب ما كانت تحتاجه مصر من حوار حول التجربة الناصرية، وسادت رغبة الانتقام من مشروعها قبل أي شيء آخر.

منذ سبعينيات القرن الماضي تعرضت «يوليو» لنوعين متناقضين من النقد، أحيانًا من الأشخاص أنفسهم، حسب ظروف الزمان ومتغيراته.

أولهما، يأخذ عليها أنها لم تمضِ في العمل الثوري إلى آخره حتى تجتث الطبقات القديمة، أو أنها لم تكن حمراء دموية شأن الثورات الفرنسية والبلشفية والصينية والجزائرية، التي شهدت تصفيات جسدية بين قياداتها.

ووصفت تجربتها الاقتصادية بـ«رأسمالية الدولة»، ونُزعت عنها صفة «الاشتراكية العلمية»، على ما تقضي به النظرية الماركسية.

كانت تلك دعوة صريحة إلى تأميم المجال الاقتصادي كله، وضرب القوى القديمة بكل عنف ثوري.

وثانيهما، يأخذ عليها ما اتخذته من إجراءات عنيفة خلّفت جرحى، كالتأميمات والحراسات، أو انتهاكات واعتقالات.

أسوأ قراءة ممكنة هي نزع الحوادث عن سياقها، أو ادعاء الحكمة بأثر رجعي.

عند مطلع التحول الاشتراكي، وحسم الخيارات الاجتماعية لثورة «يوليو»، سجل «عبد الناصر» بخط يده أفكاره وتصوراته عن تناقضات مرحلة التحول وسبل حلها.

لعله أراد أن يرتب أفكاره الرئيسية على الورق قبل الإقدام على أي خطوات ضرورية في المواجهات المحتملة.

كان ذلك يوم (٢٧) أكتوبر/تشرين الأول (١٩٦١).

وصف القرارات الاشتراكية بـ«الثورة الاجتماعية»، وما قبلها منذ عام (١٩٥٢) بـ«الثورة السياسية».

كان سؤاله الأول:

«في أي اتجاه يجب أن نسير.. إلى الرأسمالية أم الاشتراكية؟».

لم يكن هناك تردد في اختيار الموقع الذي يقف فيه.

كان سؤاله الثاني:

“من هو الشعب، ومن هم أعداء الشعب؟”

السؤال بنصه تعبير عن عصر عالمي كامل في توصيف التناقضات الرئيسية والثانوية.

هناك «خلافات متعارضة» لا سبيل إلى حلها إلا بـ«سحق المناهضين للاشتراكية».. «جميع من يعملون على تقويض النظام الاشتراكي»، بالنظر إلى أن الطرف الآخر في الصراع يستخدم كل الأساليب الممكنة لضربه وتصفيته، ومنع التحول إلى دولة العدل الاجتماعي.

تعبير «السحق» يستجيب للنوع الأول من النقد لتجربته، ويحتمل إجراءات أكثر تشددًا لم تحدث في التجربة العملية.

إقرأ على موقع 180  التكامل السعودي المصري.. أول رد عربي على مخطط تهجير الفلسطينيين

أن تكون هناك تجاوزات وانتهاكات حدثت شيء، و«السحق» – كما في تجارب ثورية أخرى – شيء آخر تمامًا.

على الورقة نفسها دعا إلى «تعيين الحدود بالضبط في إدارة هذا النوع من التناقض».

«بالاختصار لا حرية لأعداء الشعب».

العبارة نفسها وردت بنصها في الميثاق الوطني.

كان ذلك هو التناقض الرئيسي، حسب التوصيف الشائع في ذلك الوقت في الأدبيات الثورية العالمية.

كان سؤاله الثالث: ماذا عن التناقض الآخر داخل الشعب نفسه؟

كانت إجابته:

«جميع الطبقات والجماعات التي تؤيد وتساند البناء الاشتراكي وتساهم فيه».. «التناقضات بين الطبقة العاملة والبرجوازية الوطنية ليست متعارضة».. «وهي تستدعي تعيين الحدود بين الخطأ والصواب».

ثم صاغ شعارات لافتة للانتباه:

«كل الحريات للشعب».

«الديمقراطية وسيلة تقابل الأساس الاقتصادي والاجتماعي».

«إن جميع المسائل المختلف عليها.. لا يمكن أن تُحل إلا بالأساليب الديمقراطية، بالنقاش والإقناع والتثقيف، ولا يمكن حلها بأساليب الضغط».

أهم استنتاج ممكن من الوثائق الخطية التي احتوتها «حافظة أوراق محمد حسنين هيكل»، أنه كان ثوريًا حقيقيًا بلا أي ادعاء؛ فهو يكتب لنفسه دون أن يخطر بباله أن ما يكتبه موضوع للنشر، ومفرداته تشي بدرجة عالية من الاطلاع على أدبيات الثورة المعاصرة.

وبذات القدر، كان ثوريًا حقيقيًا في مراجعة تجربته بشجاعة استثنائية بعد هزيمة «يونيو»، ونقدها بأقسى العبارات.

النقد مشروع وضروري لإحكام النظر في أهم تجاربنا المعاصرة، حتى يمكن استئناف المشروع الوطني المتجدد، أما التجاوز بالألفاظ والمعاني فهو محظور على أي بلد يحترم تاريخه الوطني.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
عبدالله السناوي

كاتب عربي من مصر

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  عودة إلى هيكل فى مسألة الرسوم المسيئة