“الوصفة الرواندية”.. هل تُداوي جراح العدالة الانتقالية في سوريا؟

"الوصفة الرواندية" هو الاصطلاح الأكثر تعبيراً عن لازمة شبه دائمة تتكرر في كل نقاش يخوضه السوريون فيما بينهم حول العدالة الانتقالية. بهذا المعنى، أصبحت عبارة "نريد نموذجاً يشبه تجربة رواندا» لازمةً لا بُدّ أنْ يبدأ الحديث بها أو يمر من خلالها على اختلاف سوية النقاش ومضمونه، من صالونات النخب مروراً بالندوات وورشات العمل وصولاً إلى الفضاء الافتراضي الأرحب حضوراً والأوسع انتشاراً.

تحولت رواندا في المخيال السوري المعاصر إلى ما يشبه “الترند” أو الوصفة السحرية الجاهزة؛ تُستحضر تجربتها في كل حديث عن العدالة الانتقالية والمصالحة، دون أن يكلف الكثير من السوريين أنفسهم عناء الاطلاع على تفاصيلها المعقدة، أو شروطها التاريخية، أو حتى حجم الآلام والدماء التي عُجنت بها تلك التجربة قبل أن تنضج. أصبحت رواندا في السردية السورية بمثابة “ملاذ فكري مريح” يهرب إليه السوريون من تعقيدات واقعهم المستعصي، متخيلين أن بلدهم يمكن أن يصحو يوماً على معجزة شفاء وطني بلمسة سحرية أفريقية.

لكن، بعيداً عن بريق “الترند” الرائج، كيف بدأت القصة هناك. وهل يمكن لهذه الوصفة أن تقدم إجابات حقيقية -وليس مجرد شعارات رنانة- للسياق السوري المأزوم، أم أن الفوارق الجيوسياسية تجعل هذه الاستعارة مجرد وهم؟

حين وضعت الحرب الأهلية والإبادة الجماعية أوزارها في رواندا صيف عام 1994، كان العالم ينظر إلى تلك البقعة الأفريقية الصغيرة بوصفها أرضاً استعصت على الحياة. مليون ضحية خلال مئة يوم، وبنية تحتية مدمّرة بالكامل، ومجتمع ممزق بين قبيلتي “التوتسي” و”الهوتو”، وقضاء وطني مشلول بعد مقتل معظم رجاله أو فرارهم. كانت التوقعات الدولية تشير إلى أن رواندا ستحتاج إلى قرن من الزمان على الأقل لتجاوز تراكمات قضايا المتهمين بالجرائم عبر المحاكم التقليدية. واليوم، يقف المراقبون أمام معجزة رواندية لم تقتصر على الطفرة الاقتصادية فحسب، بل تمثلت في قدرة هذا المجتمع على صياغة نموذج “مستحدث” للعدالة الانتقالية جمع بين المحاسبة والمصالحة.

ثنائية “أروشا” و”غاكاكا

 لتفكيك التجربة الرواندية والاستفادة منها سوريّاً، يجب أولاً فهم الهيكلية القضائية الهجينة التي اعتمدتها رواندا، والتي زاوجت بين مسارين:

أولاً؛ العدالة العقابية الدولية (محكمة أروشا)

في تموز/يوليو 1994 انتهت رسمياً الحرب الأهلية الرواندية، وبعد ذلك بأربعة أشهر أصدر مجلس الأمن الدولي قراره بتأسيس المحكمة الجنائية الدولية لرواندا (ICTR) في مدينة “أروشا” التنزانية لملاحقة كبار المجرمين، إلاّ أن أولى جلسات هذه المحكمة لم تعقد إلا بعد سنتين من تأسيسها، وتم الانتظار أكثر من سنة حتى شهر أيلول/سبتمبر 1998 من أجل صدور أول حكم لهذه المحكمة بالإدانة في جريمة إبادة جماعية. وبرغم الأهمية الرمزية لمحكمة أروشا، بقي مسارها بطيئًا ومكلفًا ومحدود القدرة على استيعاب الحجم الهائل للمتورطين، إذ طالت إجراءاتها عددًا محدودًا من كبار المسؤولين مقارنة بمئات آلاف الملفات المحلية، الأمر الذي جعلها محط انتقادات حادة من الضحايا والمختصين على حد سواء، ممن نظروا إليها كعدالة فوقية، عاجزة، معزولة عن آلام الشارع الرواندي.

 ثانياً؛ العدالة التصالحية المحلية (محاكم غاكاكا)

أمام فشل القضاء الدولي والتقليدي في استيعاب حجم الكارثة، والمطالبات المحلية بضرورة العدالة والمحاسبة وتأثير ذلك على السلم المجتمعي الهش أساساً، التفتت الحكومة الرواندية -ما بعد الإبادة- إلى موروثها الشعبي. “غاكاكا” (GACACA) كلمة تعني “العشب القصير المقصوص”، وترمز إلى القضاء الأهلي التقليدي حيث كان وجهاء القرى (Inyangamugayo) المشهود لهم بالنزاهة يجمعون المتخاصمين على العشب لحل النزاعات فيما بينهم.

قامت الحكومة بتحديث هذا النظام العرفي عبر إطار قانوني رسمي استثنائي. لم تعد “غاكاكا” مجرد جلسات صلح عشائرية، بل تحولت إلى محاكم شعبية تمتلك صلاحيات قضائية. وخلال فترة عملها، أنجزت هذه المحاكم أكثر من 1.9 مليون محاكمة. الأهم من الرقم هو الفلسفة؛ إذ لم يكن الهدف ملء السجون، بل “استعادة النسيج الاجتماعي”. تم تصنيف المتهمين إلى فئات، وحصل من اعترف بذنبه وطلب الصفح وكشف عن مكان جثث الضحايا على أحكام مخففة، وتم تحويل عقوبات السجن للكثير منهم إلى “أعمال منفعة عامة” لإعادة دمجهم في المجتمع.

وإذا كانت المحاكم الدولية في أروشا استغرقت عدة سنوات حتى انطلقت بأعمالها، فإنّ محاكم غاكاكا انتظرت ما يقارب عشر سنوات حتى انطلقت بشكل فعلي في عام 2005، واستغرق عملها سبع سنوات أخرى إلى حين الاغلاق الرسمي والنهائي لهذه المحاكم في حزيران/يونيو 2012.

لماذا تبدو سوريا أكثر تعقيداً؟

تبدو الرواية الرواندية مكتملة، واضحة الأركان على صعيد الزمان والمكان والجناة والضحايا، وحتى على صعيد السبب الذي فجّر الصراع في رواندا الذي كان محصوراً بين أغلبية ديمغرافية “الهوتو” وأقلية عرقية “التوتسي”. استمرت الإبادة في رواندا ثلاثة أشهر مما جعل حصر الأضرار والتوثيق ممكناً بعد استقرار السلطة مباشرة. وبرغم كل ذلك استغرقت أكثر من عقد من الزمن لطي صفحة ما حدث والمضي قدماً.

على الكوكب نفسه، في مكان بعيد جداً عن رواندا على صعيد التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا، يبدو الحدث السوري كما لو أنه قادم من عالم آخر، فالمظالم والانتهاكات تمتد لعقود خلت قبل انطلاق الثورة عام 2011، بل أنها كانت سبباً ومحركاً أساسياً لها، وعلى امتداد أربعة عشر عاماً عاش السوريون جميعاً فصولاً مأساويةً أنتجت مئات آلاف الضحايا والمعتقلين، وملايين النازحين واللاجئين، في صراع تعددت فيه الأطراف والجبهات وتداخلت فيه قوى أمر واقع مختلفة، وتنظيمات متطرفة، زاد عليها وجود جيوش وقواعد عسكرية أجنبية حوّلت الجغرافيا والديموغرافيا السورية، إلى ساحة لتصفية حسابات إقليمية ودولية، وما سببه ذلك من تدمير ممنهج للنسيج الاجتماعي السوري.

ومع الاعتراف بالحجم المرعب والمثبت للانتهاكات الكارثية للنظام، إلا أنّ الأمانة التاريخية والمسؤولية الوطنية تقتضي الاعتراف بأنّ هذه السردية لا تختصر وحدها مأساة السوريين كاملة. فالعديد من التشكيلات المسلحة، الفصائل المحلية، التنظيمات المتطرفة، وقوى الأمر الواقع بمختلف مسمياتها كانت حاضرة كفاعل رئيسي في مأساة آلاف العائلات السورية التي تعرض أبناؤها للخطف، أو التغييب، أو التعذيب، أو القتل، أو الأذى والاستيلاء على الممتلكات في مناطق نفوذ الفصائل والتنظيمات المختلفة.

تتقاطع المقاربة بين التجربة الرواندية والسياق السوري الراهن ما بعد سقوط نظام الأسد عند المفهوم الجدلي لـ’عدالة المنتصر’، حيث تواجه السلطات الانتقالية ذات المأزق البنيوي الذي واجهته رواندا عام 1994؛ والمتمثل في صياغة آليات قضائية وتشريعية تُركز بشكل أحادي على فظائع نظام الأسد، في مقابل التغاضي عن الانتهاكات المنسوبة للفصائل والقوى المنتصرة ضد المدنيين والأقليات. ومع ذلك، فإن إسقاط ‘النموذج الرواندي’ حرفياً على سوريا يبدو محفوفاً بالمخاطر؛ فبينما نجحت رواندا في فرض سلم أهلي قسري مستندةً إلى دولة مركزية شديدة القوة وقبضة سلطوية موحدة، تفتقر سوريا اليوم لهذه الرفاهية في ظل تفتت مؤسساتي، وموجات عنف أهلي انتقامي، وشرعية سياسية ما زالت قيد التشكل. وعليه فإنّ التركيز على انتهاكات النظام السابق بشكل أحادي يُذكي مشاعر المظلومية لدى الكثير من الفئات المجتمعية ويعزز هواجس ‘الوصم الجماعي” ومخاوف الانتقام.

إقرأ على موقع 180  كيسنجر في مئويته.. مُتعلم لا ينضب

إن اختزال هوية “الضحية” بناءً على اصطفافها السياسي أو الأيديولوجي، واستسهال العدالة باطلاق الأحكام دون انتظار المحاكمة، هو سقوط أخلاقي يُفقد العدالة الانتقالية معناها وغايتها. فالعدالة الحقيقية تقتضي أن ننتصر لجميع الضحايا، من جميع المجرمين، دون مواربة أو تمييز. والخطوة الأولى في هذا الطريق تبدأ بفرض “الاعتراف الشامل”؛ بين السوريين أنفسهم، بفداحة الضرر وفداحة الخسارة، ليس ما مضى منها فقط، بل ما سوف نراكمه من خسارات نتيجة خطاب انتقائي انتقامي يعيد انبات جذور صراع قادم، ويقوض أي جهود باتجاه تجربة سورية حقيقية تكون جسراً للانتقال إلى سلم أهلي مستدام.

من أين نبدأ تجربتنا السورية؟

لم يعد سؤال العدالة الانتقالية في سوريا تمرينًا نظريًا بين النخب، بل بات جزءًا من اختبار الدولة الجديدة وقدرتها على إدارة ملفات الحقيقة والمحاسبة والمصالحة. وتكشف المقاربات المختلفة التي تنتهجها السلطة، من التسويات مع بعض رموز النظام السابق، إلى المحاكمات الأولى ضمن منظومة قضائية غير مهيأة بالكامل، أن الطريق ما زال طويلًا ومعقدًا.

في كل هذا يُطرح السؤال “كيف يمكن بناء نموذج سوري للعدالة الانتقالية”، وهل يمكن الاستفادة من دروس التجربة الرواندية وكيف؟

أعتقد أن هنالك أربع ركائز استناداً إلى التجربة الرواندية يمكن أن نبني عليها مقاربتنا لتجربة سورية فريدة، شريطة ان يمتلك السوريون الإرادة والصبر والتفهم بأن العدالة انتقال إلى المستقبل أكثر من كونها انتقام من الماضي.

أولاً؛ هل يمكننا ابتكار “غاكاكا” سوريّة، بحيث تُعزل الجرائم الكبرى ضد الإنسانية، والمجازر واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً، عبر محاكم جنائية متخصصة (وطنية أو دولية)، بالتوازي مع تشكيل “مجالس تحكيم أهلية محلية” مدعومة بقوانين استثنائية وتمثيل روابط الضحايا من كل الخلفيات، على أن تنظر هذه المجالس في القضايا الأقل جسامة ضمن إطار رقابة قضائية تضمن ألا تتحول مجالس التحكيم هذه إلى قضاء موازٍ أو عدالة عرفية منفلتة، وتعزز حضورها كآلية محلية مضبوطة بالقانون تحفظ حقوق الضحايا وتمنع تحويل المصالحة إلى تسوية قسرية.

ثانياً؛ الحقيقة وصون الذاكرة، من خلال آليات تربط “قول الحقيقة والاعتراف” بإعفاءات أو تخفيف للأحكام. يمكن لهذا المسار أن يساهم في تبيان مصير الآلاف من المفقودين على مختلف الجبهات، وإغلاق هذا الجرح النازف لعائلات الضحايا التي قد ترى في مثل هذا الاعتراف قيمة إنسانية وقانونية تتقدم على فكرة العقاب. وهو ليس اعترافاً بالجرم فحسب بل على الدولة أن تدعم مساراً لا يستثني أحداً للاعتراف بالذاكرة السورية الجريحة وصونها من خلال تخليد ذكرى الضحايا وجبر عائلاتهم مادياً ومعنوياً.

ثالثاً؛ اصلاح القطاع الأمني وإعادة الادماج، وتقدم التجربة الرواندية واحداً من أهم الدروس وهو إعادة ادماج عناصر الجيش السابق والفصائل المسلحة – غير المتورطين – في المجتمع، وبالفعل، مئات الآلاف من المقاتلين تم إعادة دمجهم مجتمعياً من خلال عمليات إزالة الأنقاض كجزء من الخدمة المجتمعية وكعقوبة تصالحية، ولاحقاً ضمن برامج منحتهم فرصة جديدة للانخراط الفاعل في مجتمعهم، ونزع فتيل أي نزاع لاحق؛ فأي استقرار مستقبلي في سوريا مشروط بإنهاء “تغول الأجهزة الأمنية” وحلها بالكامل، وإعادة بناء أجهزة استخبارات وطنية خاضعة بشكل صارم للرقابة القضائية والبرلمانية، وتغيير عقيدتها من حماية السلطة إلى حماية المواطن والدستور. بالتوازي، يجب إطلاق برامج نزع سلاح واحتواء مهني (اعتماداً على مشاريع إعادة الاعمار) مخصصة لعشرات الآلاف من الشبان السوريين الذين انخرطوا في تشكيلات مسلحة مختلفة على مدار سنوات الحرب، وتقديم بدائل اقتصادية وتعليمية لهم لمنع تحولهم إلى عصابات للجريمة المنظمة أو خلايا إرهابية وتخريبية نائمة.

رابعاً؛ إعادة بناء السردية السورية “كلنا سوريون”. في رواندا، كان شعار “كلنا روانديون” أبعد من مجرد شعار أو خطاب تحشيد. كان فلسفة جديدة تعيد تعريف العلاقة بين أبناء البلد الواحد، لا بل تمّ دستورياً تجريم خطاب التخوين والانكار والاقصاء.

في سوريا، نحن أحوج ما نكون اليوم إلى تبني فلسفة ونهج مماثل، “كلنا سوريون” ليس شعاراً أو أداةً لمحو الذاكرة أو تسوية الجرائم، بل هو إطارٌ سياسيٌ وأخلاقيٌ يمنع تحويل الهويات الجماعية إلى لوائح اتهام مفتوحة.

ثمة خلاصة لا بد منها: في حزيران/يونيو 2012، وعند الإغلاق الرسمي لمحاكم غاكاكا، صرح مكتب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في كيغالي بدرس بليغ: «وجوب دعم المبادرات الوطنية والمحلية، حيث أن لها تأثيراً مباشراً ومستداماً، وهي أكثر فعالية من حيث التكلفة وتساهم بقوة في الوحدة والمصالحة».

هذا هو الدرس الأكبر الذي يجب علينا نحن السوريين التقاطه. ليست رواندا وصفة جاهزة لسوريا، ولن تكون.
ما تحتاجه سوريا ليس “غاكاكا” منسوخة، بل شجاعة سياسية وقانونية لإنتاج عدالة سورية لا تُدار بمنطق الغلبة، ولا تختصر الضحايا في سردية واحدة. عدالة تعاقب كبار المجرمين، تكشف الحقيقة، تحفظ ذاكرة الضحايا، وتفتح باب المصالحة المحلية من دون أن تبيع حقوق الناس باسم الاستقرار. عندها فقط يصبح العشب السوري مكانًا للحقيقة، لا ساحة جديدة للثأر.

Print Friendly, PDF & Email
بشّار مبارك

كاتب وباحث سوري متخصص في مجال الإدارة المحلية والعمل مع المجتمعات المحلية

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  صاروخ ديمونا.. وقابلية المنطقة للإنفجار!