لم يحظَ تأثير الرياضة في العلاقات الدولية باهتمام أكاديمي واسع إلا في العقد الأخير من الحرب الباردة، لكن تداخل السياسة مع الرياضة على الساحة العالمية يعود إلى ما يقرب من قرن. فعلى سبيل المثال، كانت أولمبياد برلين عام 1936 عرضًا سياسيًا قبل أن تكون حدثًا رياضيًا. أرادت ألمانيا النازية استخدام الحدث لتقديم صورة تُعبّر عن قوتها وانضباطها. أما أولمبياد طوكيو عام 1964، فكانت أول مناسبة للنظام السياسي الياباني للظهور أمام العالم وجيرانه الآسيويين بوجه جديد، بدلًا من الوجه الذي ارتبط بسياساته التوسعية والعسكرية في النصف الأول من القرن العشرين، كما شكّلت مناسبة مهمة لإعادة بناء البنية التحتية ودفع التنمية الاقتصادية.
كذلك فإن كأس العالم لكرة القدم في الأرجنتين عام 1978 جرت في ظل حكم عسكري كان يحاول تغطية القمع بصورة وطنية احتفالية. وفي عام 2010، أرادت جنوب أفريقيا أن تقول للعالم إنها خرجت من إرثها الطويل في الفصل العنصري إلى مرحلة جديدة.
كما كانت أولمبياد موسكو عام 1980 وأولمبياد لوس أنجلوس عام 1984 مناسبتين لتبادل الرسائل السياسية بين المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفياتي ونظيره الغربي بزعامة الولايات المتحدة، وسط حملة من البيانات والمقاطعات المتبادلة بين الطرفين. كما استغلت المعارضة الكورية أولمبياد سيول عام 1988 لإحراج النظام العسكري أمام العالم، وكانت تلك المناسبة بداية حقيقية للتحول الديموقراطي في كوريا الجنوبية.
أما في مونديال قطر عام 2022، فقد أرادت الدوحة أن تثبت أن الدولة الصغيرة إذا امتلكت المال والطموح يمكن أن تصبح مركزًا للحدث العالمي الأكبر في اللعبة الأكثر شعبية. وقد نجحت في ذلك إلى حد بعيد. ومن المتوقع أن يكون مونديال السعودية عام 2034 مناسبة عالمية مهمة للنظام السياسي السعودي لإظهار الوجه الجديد للمملكة في عهد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
كل هذه الأمثلة، وغيرها كثير، تعني أن الرياضة في العلاقات الدولية ليست ترفًا ولا مجرد وسيلة للترفيه، بل هي جزء من القوة الناعمة في السياسة الخارجية لأي نظام سياسي، يستطيع من خلالها إرسال رسائل سياسية ودعائية وإعلامية تدعم حضوره على المسرح العالمي. ومن هنا يمكن فهم الصراعات السياسية والإعلامية الكبيرة بين كثير من الدول للفوز باستضافة هذه الأحداث الرياضية الكبرى.
ولا شك أن الولايات المتحدة تعرف جيدًا قيمة الصورة والدعاية. فجزء كبير من نفوذها العالمي لم يأتِ من الجيوش والأساطيل والدولار فقط، بل من أدوات القوة الناعمة أيضًا: هوليوود، والجامعات، والموسيقى، والتكنولوجيا، والمدن الكبرى، والسياحة، واللغة الإنجليزية، وفكرة الحلم الأميركي. وعبر هذه الأدوات مجتمعة، تمكنت واشنطن لعقود طويلة من تقديم نفسها بوصفها بلدًا مفتوحًا، ليبراليًا، حرًا ومتعدد الثقافات، يستقبل الناس من كل مكان ويعيد دمجهم داخل بوتقة واحدة. وربما انطوت هذه الصورة على قدر من الاصطناع، لكنها كانت قوية ومؤثرة بلا شك.
***
لكن كأس العالم الحالي يضع هذه الصورة أمام اختبار صعب. فالمشجعون لا يسافرون فقط لمشاهدة المباريات، بل أيضًا بقصد السياحة والتسوق والتقاط الصور للمنشآت الرياضية والخدمية والشوارع والفنادق والمطاعم والمتنزهات. وقد أصبحت هذه الصور، مع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، مصدرًا للهوية والفخر والمكانة الاجتماعية، كما يشعر كثير من المشجعين بأنهم جزء من هوية البلد المضيف، حتى لو كانت إقامتهم فيه لن تتجاوز بضعة أيام. لكن ماذا يحدث حين يصطدم هؤلاء المشجعون بحدود مغلقة وغير مرحِّبة؟
على مدار الأشهر الماضية، رفضت السفارات والقنصليات الأميركية عددًا كبيرًا من طلبات الحصول على التأشيرة بغرض مشاهدة بعض مباريات كأس العالم، برغم أن معظم هذه الطلبات قُدّمت مكتملة ومرفقة بالمستندات المطلوبة لإثبات العودة، مثل أوراق العمل والحسابات المصرفية وتذاكر المباريات المعتمدة من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا). وقد حدث ذلك في القاهرة وجوهانسبرغ وأنقرة وساو باولو وبوينس آيرس وغيرها من عواصم الدول المشاركة في البطولة. كما قدّم برنامج إخباري أميركي عدة مقابلات مع جماهير غاضبة في بوينس آيرس، عبّر أصحابها عن صدمتهم من الرفض غير المبرر، وعن خيبة أملهم في عدم القدرة على السفر برغم شرائهم تذاكر المباريات وحجز أماكن إقامتهم مسبقًا.
ولم يتوقف الأمر عند الجماهير، إذ طالت إجراءات المنع أو التعطيل أو المعاملة الخشنة اللاعبين والإداريين والحكام المشاركين أيضًا. فالحكم الصومالي عمر عبد القادر كان من الأسماء المختارة للمشاركة في كأس العالم. جاء الرجل من بلد لا يحظى عادة بحضور كبير في مثل هذه المناسبات، وكان يمكن أن تمثل مشاركته حدثًا تاريخيًا، خصوصًا في ظل تصنيفه المتقدم بين حكام القارة الأفريقية. حصل عمر على تأشيرة الدخول، كما مُنح جواز سفر دبلوماسيًا لتسهيل الإجراءات، وكان مرشحًا رسميًا من الجهة المنظمة للحدث. لكن ما إن وصل إلى مطار ميامي حتى مُنع من الدخول، من دون تبرير واضح، باستثناء تعليق من مصدر في إدارة الهجرة تحدث عن «أسباب أمنية» من دون شرح طبيعتها. ثم جاءت المفارقة عندما قرر الاتحاد الأوروبي لكرة القدم اختيار عمر لإدارة كأس السوبر الأوروبية، المقرر إقامتها في أغسطس/آب المقبل، في خطوة بدت لكثيرين رسالة محرجة للاتحاد الدولي وللولايات المتحدة على حد سواء.
ثم جاءت قصة بعثة السنغال لتفاقم الجدل، بعدما انتشرت لقطات للاعبي المنتخب السنغالي وهم يخضعون لتفتيش أمني على مدرج المطار قبل السفر من رالي في نورث كارولاينا إلى سان أنطونيو في تكساس. وأوضح الاتحاد السنغالي لاحقًا أن ما جرى كان جزءًا من ترتيبات لوجستية تهدف إلى تسهيل السفر وتجنب المرور بالإجراءات التقليدية داخل الصالات. وربما كان ذلك صحيحًا، وربما كان الإجراء قانونيًا بالكامل، لكن الصور الذهنية لا تُبنى عبر التصريحات الرسمية وحدها. إذ رأى كثيرون في تلك المشاهد فريقًا أفريقيًا يخضع للتفتيش أمام الناس والكاميرات. وفي زمن الصور والفيديوهات القصيرة، لا ينتظر الجمهور البيانات التوضيحية، فالانطباعات تتشكل بمجرد وقوع الحدث.
ثم هناك حالة جبريل الرجوب، رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم. لم يتأهل المنتخب الفلسطيني إلى البطولة، لكن «فيفا» درجت على دعوة رؤساء الاتحادات الوطنية للمشاركة في هذا الحدث بوصفه احتفالًا عالميًا باللعبة. حضر الرجوب حفل الافتتاح في المكسيك، لكنه لم يحصل على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة مع بقية مسؤولي الاتحادات، ومجددًا من دون تبريرات معلنة. وقد تقول الجهات الرسمية إن من حقها السيادي التحكم في حدودها، وهذا صحيح، بل إن رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم نفسه ردّد هذه الحجة. غير أن السياق هنا مهم، لأن كأس العالم ليس زيارة خاصة ولا مؤتمرًا سياسيًا أو أمنيًا، بل حدث عالمي تمنحه «فيفا» لدولة أو دول مضيفة باسم المجتمع الكروي العالمي. وبالتالي، فإن غياب أسباب واضحة ومقنعة لهذا المنع يجعله عرضة للتفسير بوصفه شكلًا من أشكال التمييز، خصوصًا في ظل الخلفية السياسية المرتبطة بالقضية الفلسطينية.
***
أما أكثر المواقف إثارة للجدل فكان موقف رئيس «فيفا» جياني إنفانتينو. فقد قال إن ما حدث مؤسف، لكنه أضاف أن «فيفا» ليست «حاكمة للعالم»، داعيًا الصحافيين إلى الهدوء، لأنه، بحسب قوله، لا يستطيع التحكم في قرارات الحكومات أو أجهزة الشرطة. ومن الناحية الرسمية، يبدو هذا الكلام صحيحًا، لكن «فيفا» ليست مؤسسة فوجئت بأن البطولة تقام في دولة ذات حدود وقوانين، بل هي الجهة التي منحت حق التنظيم، وكانت تدرك منذ البداية أن كأس العالم لا تعني الملاعب فقط، بل تعني أيضًا حركة بشرية هائلة تعبر الحدود والمطارات. وعادة ما يُمنح حق التنظيم في مقابل التزامات واضحة من الدولة المضيفة بتسهيل الإجراءات المرتبطة بهذه الحركة. لذلك يصعب على «فيفا» الاكتفاء بلغة إجرائية باردة عندما يتعلق الأمر بمنع حكام أو مسؤولين أو جماهير من دخول البلد المضيف.
هنا بالضبط يظهر التناقض الأميركي. فالولايات المتحدة قادرة، على الأرجح، على تنظيم بطولة ناجحة من حيث البنية التحتية. فهي تمتلك ملاعب ضخمة، وشركات عملاقة، وخبرة أمنية واسعة، وشبكات نقل جوي متطورة، وقدرة تسويقية يصعب منافستها. لكن السؤال لا يتعلق بالقدرة وحدها، بل بالروح التي سترافق هذا التنظيم، خصوصًا عندما تقارن الجماهير التجربة الأميركية بما ستقدمه المكسيك وكندا. فقد تكون الدولتان أقل إمكانات، وستستضيفان عددًا أقل بكثير من المباريات، لكنهما قد تكسبان معركة القوة الناعمة هذه المرة، إذا بقيت صورة الحدود المغلقة هي الانطباع الأبرز الذي يخرج به جمهور كأس العالم من التجربة الأميركية.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
