قد يبدو الحديث عن “إدمان الحروب” غريباً أو صادماً، لأن الحرب ترتبط في الوعي الجمعي بالموت والخطر والخراب. ومع ذلك، فإن علم النفس يصف ظواهر تجعل بعض الأفراد أكثر التصاقاً بأجواء الصراع والعنف، أو أكثر اعتماداً على حالة الاستنفار التي تفرضها الحروب. ولا يُعدّ ذلك تشخيصاً طبياً مستقلاً يشبه إدمان الكحول أو المخدرات، بل نمطاً سلوكياً ونفسياً قد يتشابه مع بعض آليات الإدمان المعروفة.
ومن المهم التمييز بين المواقف السياسية أو الأيديولوجية التي تدفع بعض الناس إلى تأييد الحروب أو تبريرها، وبين الحالات النفسية التي تجعل بعض الأفراد ينجذبون إلى أجواء الخطر والتوتر بصورة لا شعورية. ففي الحالة الأولى يتعلق الأمر بقناعات ومصالح وانتماءات سياسية أو طائفية، أما في الحالة الثانية فإننا نكون أمام آليات نفسية أعمق ترتبط أحياناً بالتكيف مع الخطر المزمن أو بالحاجة إلى المعنى أو بالهروب من مشاعر داخلية مؤلمة.
كذلك ينبغي التمييز بين الاعتياد على الحرب وبين التعلق بأجوائها. فالإنسان قادر على التكيف مع الظروف القاسية إذا طال أمدها، وقد تصبح أصوات القصف أو أخبار المواجهات جزءاً من حياته اليومية. لكن في بعض الحالات يتحول هذا التكيف إلى اعتماد نفسي على حالة الاستنفار ذاتها، بحيث يشعر الفرد بالضيق أو الفراغ أو التوتر عندما تختفي الأخبار العاجلة ويتراجع منسوب الخطر.
عندما يصبح التوتر مألوفاً
لا يولد الإنسان محباً للحروب أو الدمار. لكن الدماغ البشري يمتلك قدرة كبيرة على التكيف مع البيئات التي يعيش فيها، حتى وإن كانت بيئات خطرة أو صادمة. ومع مرور الوقت، قد تصبح حالة التأهب المستمر جزءاً من النمط النفسي المعتاد لدى بعض الأفراد.
هناك أشخاص يعيشون قلقاً داخلياً مزمناً، فيبدو لهم الخطر الخارجي الواضح والمحدد أكثر قابلية للفهم من مصادر القلق الداخلية الغامضة. بالنسبة لهؤلاء قد تبدو الحرب، على قسوتها، أكثر وضوحاً من صراعاتهم النفسية الخاصة.
كما أن بعض الأفراد يجدون في أجواء الحرب معنى مفقوداً في حياتهم اليومية. ففي أوقات الأزمات الكبرى تزداد مشاعر الانتماء الجماعي، وتتضح الأدوار الاجتماعية، ويشعر كثيرون بأنهم جزء من قضية أو مصير مشترك. لذلك قد توفر الحرب لبعض الأشخاص شعوراً بالهدف (القضية) والانخراط يصعب العثور عليه في الحياة العادية.
ويجد آخرون في متابعة الأحداث المتسارعة وسيلة للهروب من الفراغ أو العزلة أو فقدان المعنى. فالحرب لا تملأ نشرات الأخبار فحسب، بل تملأ أيضاً المساحات النفسية التي كان يحتلها الملل أو الشعور باللاجدوى.
وفي المقابل، تظهر لدى الغالبية العظمى من الناس استجابات مختلفة تماماً، إذ يطورون مع الوقت آليات صحية للتكيف، مثل تقديم المساعدة للآخرين، أو الانخراط في أنشطة اجتماعية داعمة، أو البحث عن سبل لحماية أنفسهم وعائلاتهم. لذلك فإن الحديث عن التعلق بأجواء الحرب لا يعني أبداً أن الأشخاص المعنيين غير متأثرين بمآسيها أو غير مكترثين بما تسببه من خسائر وآلام.
كيف تتحول متابعة الحرب إلى سلوك قهري؟
في العقود السابقة، كانت متابعة الحروب مرتبطة بنشرات الأخبار أو الصحف اليومية. أما اليوم، فقد غيّرت الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي طبيعة العلاقة بين الإنسان والأحداث الجارية. فالأخبار لم تعد تصل إلى الناس على فترات متباعدة، بل أصبحت حاضرة بصورة متواصلة على مدار الساعة.
في هذا السياق، يتحدث علماء النفس عن ظاهرة تُعرف باسم “التصفح الكارثي” (Doomscrolling)، وهي الميل القهري إلى متابعة الأخبار السلبية أو الصادمة بصورة متكررة برغم ما تسببه من توتر وقلق. ويظهر هذا السلوك بوضوح خلال الحروب والكوارث والأزمات الكبرى، حين يجد الإنسان نفسه مدفوعاً إلى تفقد الأخبار كل بضع دقائق بحثاً عن معلومة جديدة أو تطور ميداني أو حدث مفاجئ.
ومن الناحية النفسية، لا يرتبط هذا السلوك بحب الحرب أو الرغبة في استمرارها، بل غالباً بمحاولة السيطرة على حالة عدم اليقين. فالدماغ البشري يميل إلى البحث عن المعلومات عندما يشعر بالخطر، معتقداً أن المعرفة قد تساعده على التنبؤ بما سيحدث أو الاستعداد له. غير أن هذا البحث المستمر قد يتحول مع الوقت إلى سلوك قهري يستهلك جزءاً كبيراً من الانتباه والطاقة النفسية.
ماذا يحدث داخل الدماغ؟
حين يتعرض الإنسان لمعلومة جديدة أو حدث غير متوقع، تنشط في الدماغ أنظمة مرتبطة بالانتباه والتحفيز والتعلم. ويلعب الدوبامين دوراً مهماً في هذه العملية، لكنه لا يعمل بوصفه “هرمون المتعة” كما يُشاع غالباً، بل بوصفه جزءاً من نظام أكثر تعقيداً يساعد الدماغ على توقع المكافآت والانتباه إلى الأحداث المهمة.
ولهذا السبب تجذب الأخبار العاجلة والتطورات المفاجئة الانتباه بقوة. فكل معلومة جديدة تمثل بالنسبة إلى الدماغ احتمالاً لاكتشاف شيء مهم أو مفيد. ومع تكرار هذا النمط، قد يعتاد الشخص على حالة الترقب المستمرة، فيصبح أكثر ميلاً إلى تفقد الأخبار بصورة متكررة.
ولا يقتصر الأمر على الدوبامين وحده، بل تشارك في هذه العملية منظومات عصبية وكيميائية أخرى مرتبطة بالتوتر والانتباه والمزاج، مثل الأدرينالين والسيروتونين وغيرهما. لذلك فإن التعلق بمتابعة الحروب والأزمات لا يمكن تفسيره بعامل بيولوجي واحد، بل هو نتيجة تفاعل معقد بين الدماغ والبيئة والظروف النفسية والاجتماعية.
عندما يصبح الهدوء مزعجاً
المفارقة أن بعض الأشخاص الذين عاشوا فترات طويلة في ظل الحروب أو الأزمات قد يشعرون بشيء من الارتباك عندما يعود الهدوء. فبعد أشهر أو سنوات من الاستنفار النفسي المستمر، تصبح حالة التوتر جزءاً مألوفاً من الحياة اليومية.
وعندما تختفي الأخبار العاجلة أو تتوقف أصوات القصف أو تتراجع وتيرة الأحداث، قد يشعر البعض بالفراغ أو الملل أو القلق غير المبرر. ولا يعني ذلك أنهم يرغبون في عودة الحرب، بل إن أجهزتهم النفسية والعصبية تكون قد اعتادت مستوى مرتفعاً من التنبيه والاستثارة.
ولهذا نرى أحياناً أشخاصاً يواصلون متابعة الأخبار العسكرية والسياسية بصورة مكثفة حتى بعد انتهاء المعارك، أو يبحثون باستمرار عن إشارات إلى احتمال تجدد الصراع. إنهم لا يبحثون عن الحرب نفسها بقدر ما يبحثون عن الحالة النفسية التي اعتادوا عليها خلال فترة الحرب.
الحرب والإحساس بالمعنى
من الجوانب المهمة التي تلفت انتباه علماء النفس أن الحروب، برغم مآسيها، قد تمنح بعض الأفراد شعوراً مؤقتاً بالمعنى والهدف والانتماء. ففي الظروف الطبيعية يعيش كثير من الناس أسئلة تتعلق بالهوية والمستقبل والدور الاجتماعي. أما في أوقات الحروب، فتبدو الأولويات أكثر وضوحاً، وتصبح الحدود بين “نحن” و”هم” أكثر حدة، وتتولد مشاعر قوية من التضامن والانتماء.
لذلك قد يجد بعض الأشخاص صعوبة في التكيف مع الحياة العادية بعد انتهاء الصراع، ليس لأنهم يفضلون الحرب، بل لأنهم يفتقدون ذلك الشعور المكثف بالمعنى والانخراط الذي وفرته لهم ظروف الأزمة.
غير أن هذا الإحساس غالباً ما يكون مؤقتاً، ولا يمكن أن يشكل بديلاً صحياً عن المعنى المستقر الذي يُبنى من خلال العمل والعلاقات الإنسانية والإبداع والمشاركة الاجتماعية.
ما بعد الحرب: عندما يتوقف القصف ولا يتوقف أثره
لا تنتهي الحروب دائماً عندما يصمت السلاح. ففي كثير من الأحيان تستمر آثارها النفسية والعصبية لفترات طويلة بعد انتهاء المواجهات. وقد يكتشف بعض الأشخاص أنهم ما زالوا يعيشون في حالة استنفار داخلي برغم عودة الحياة إلى مسارها الطبيعي.
فمن اعتاد متابعة الأخبار بصورة متواصلة قد يجد صعوبة في التوقف عن ذلك. ومن عاش لفترة طويلة تحت التهديد قد يبقى متيقظاً بصورة مفرطة لأي صوت أو خبر أو حدث مفاجئ. وقد تظهر لدى البعض أعراض مثل القلق المستمر، واضطرابات النوم، وسرعة الانفعال، وصعوبة التركيز، والشعور المزمن بالتوتر.
وفي الحالات الأكثر شدة قد تظهر أعراض مرتبطة باضطراب ما بعد الصدمة، حيث يبقى الدماغ وكأنه يعيش في حالة خطر دائم، رغم زوال الخطر الفعلي. وهنا لا تكون المشكلة في الحرب نفسها، بل في الآثار التي تركتها داخل الجهاز النفسي والعصبي.
ومن المهم التمييز بين هذه الحالات وبين التعلق بأجواء الحرب. فالأولى تمثل استجابة مرضية للصدمة، بينما الثانية ترتبط بالاعتياد على حالة الاستنفار أو البحث المستمر عن الإثارة والمعلومات والأحداث المتسارعة.
دور الإعلام في تغذية الاستنفار
لا يمكن الحديث عن العلاقة النفسية بالحرب من دون التوقف عند الدور المتنامي لوسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. فهذه المنصات لا تنقل الأحداث فحسب، بل تسهم أيضاً في تشكيل الطريقة التي نعيش بها تلك الأحداث ونتفاعل معها.
لقد أصبح الإنسان المعاصر يعيش الحرب عبر شاشته الخاصة على مدار الساعة. فكل إشعار عاجل، وكل مقطع مصور، وكل تحليل أو شائعة أو تسريب، يضيف جرعة جديدة من التوتر والانتباه والاستثارة. ومع الوقت قد يجد بعض الأفراد أنفسهم عالقين في دائرة لا تنتهي من المتابعة والترقب.
ولا يعني ذلك أن المشكلة تكمن في الإعلام بحد ذاته، بل في طبيعة الاستهلاك المفرط للمحتوى المرتبط بالحروب والأزمات. فالتعرض المستمر للمشاهد الصادمة والأخبار السلبية قد يرفع مستويات القلق والإجهاد النفسي، ويجعل من الصعب على الدماغ العودة إلى حالة من التوازن والهدوء.
لذلك يوصي المختصون بالصحة النفسية بوضع حدود واضحة لمتابعة الأخبار خلال فترات الأزمات، والتمييز بين الحاجة إلى المعرفة وبين الانغماس القهري في متابعة التفاصيل على مدار الساعة.
كيف يمكن التعافي؟
إذا كان الاعتياد على أجواء الحرب نتيجة عملية نفسية وعصبية تراكمية، فإن التعافي منها يحتاج أيضاً إلى وقت وتدرج. فالإنسان لا ينتقل فجأة من حالة الخطر المستمر إلى حالة الأمان الكامل.
وتبدأ عملية التعافي بإعادة بناء الإحساس بالأمان في الحياة اليومية، وتنظيم العلاقة مع الأخبار ووسائل التواصل، واستعادة الأنشطة الطبيعية التي تمنح الإنسان شعوراً بالاستقرار والمعنى. كما تساعد العلاقات الاجتماعية الداعمة، والرياضة، والعمل، والأنشطة الإبداعية، على إعادة توجيه الانتباه نحو الحياة بدلاً من البقاء أسيراً لأجواء الخطر.
وفي الحالات التي تظهر فيها أعراض نفسية شديدة أو مستمرة، يصبح اللجوء إلى الدعم النفسي المتخصص أمراً ضرورياً، تماماً كما يحتاج الجسد إلى العلاج بعد الإصابة.
خاتمة
الحرب ليست حدثاً عسكرياً أو سياسياً فحسب؛ إنها تجربة نفسية عميقة تترك آثارها في الأفراد والمجتمعات. وبينما يسعى معظم الناس إلى النجاة من القصف والدمار، قد يغفلون عن أثر آخر أقل وضوحاً وأكثر بقاءً: أثر الحرب في النفس البشرية.
فالمشكلة لا تكمن فقط في عدد الضحايا أو حجم الخراب، بل أيضاً في الطريقة التي تعيد بها الحروب تشكيل علاقتنا بالخوف والأمان والوقت والمعنى. ومع مرور الزمن قد يصبح الخطر مألوفاً، وقد يتحول الاستنفار إلى عادة، وقد تبدو الحياة العادية أقل إثارة من عالم الأخبار العاجلة والتهديدات المستمرة.
من هنا تأتي أهمية الانتباه إلى الصحة النفسية في زمن الحروب، ليس فقط لحماية الأفراد من آثار الصدمة، بل أيضاً لمنع تحول الحرب إلى مرجعية دائمة في الوعي والسلوك. فالحروب قد تنتهي على الأرض، لكنها أحياناً تستمر طويلاً داخل الإنسان.
وإذا كانت الحروب قادرة على تدمير المدن والبيوت والبنى التحتية، فإن أخطر ما يمكن أن تفعله هو أن تجعل العنف أمراً عادياً، والخوف حالة مألوفة، والاستنفار أسلوب حياة. عندها لا يصبح التحدي مجرد النجاة من الحرب، بل النجاة من آثارها النفسية بعد أن تنتهي.
