في المدن السومرية، على سبيل المثال لا الحصر، يجتمع الجمهور على بكاء دِيموزي الغائب، ويتلو أناشيد الرثاء، التي برأيه تحفظ ذكرى موته، تماماً كما يحفظ بعض المسلمين سيرة الحُسين بن علي في عاشوراء.
في هذه المقالة، لا نريد القول بوجود أصل مباشر لعاشوراء في الأسطورة السومرية، كوننا لا نملك الدليل التاريخي لاثبات ذلك، بل نسعى إلى تقديم مقاربة للظاهرتين (ديموزي والحُسين) من منظور تاريخي-أنثروبولوجي للكشف عن استمرارية بعض الرموز الطقسية في حضارات المشرق، وكيف أعادت المجتمعات إنتاج الذاكرة الاجتماعية من خلال صور دينية رافقتها عبر العصور والحقب التاريخية المختلفة.
فقد رأى عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم (1858-1917)، أن الدين ليس مجرد عقيدة فردية، بل ظاهرة اجتماعية تؤسس لوحدة الجماعة وتعيد إنتاج تضامنها الداخلي.[1]
أما المؤرخ الروماني ميرسيا إلياد (1907-1986)، فقد بيّن أن الطقوس والأساطير تمنح الإنسان وسيلة للخروج من الزمن العادي والدخول في الزمن المقدس.[2] دخولٌ تُستعاد فيه الأحداث المُؤسِسة للمجتمع. انطلاقاً من هذا يُمكن فهم طقوس دِيموزي وعاشوراء، كونهما لحظتين من لحظات استعادة الذاكرة المقدسة لدى الجماعة البشرية.
أولاً؛ الحداد في بلاد ما بين النهرين
تعتبر أسطورة ديموزي من أبرز النصوص الدينية والأدبية التي وصلتنا من الحضارة السومرية، وبحسب الألواح السومرية ونصوصها، فديموزي هو رمز للخصب والحب ودورة الحياة الزراعية، لكن موته كان يُنظر إليه بوصفه كارثة كبرى، تستوجب النواح والرثاء الجماعي، كما لعبت زوجته إنانا دور الزوجة المفجوعة التي كانت تبكي حبيبها الغائب، ليس هذا فحسب، بل كانت تستنهض الناس أيضاً للمشاركة في الحزن.[3]
وتكشف تلك النصوص عن حضور عناصر ستتكرر في ثقافات لاحقة، كالبكاء الجماعي، الندب، إبراز صورة الشهيد وتحويل الحزن الفردي إلى حزن جماعي.
وفي هذا السياق ماذا تقول إحدى المراثي السومرية:
“من إنانا أكثر البكاء مرارة نبذله على زوجها… على زوجها الذي غاب لأجل أوروك (مدينة سومرية) في الأسر.[4]
ويبدو أن تلك النصوص، لم تكن تعبّر عن الحزن الديني، بل هي محاولة لدى السومريين لمواجهة فكرة الموت وإعادة ترتيب العالم الرمزي بعد غياب الشخصية المقدسة.
أما من منظور أنثروبولوجي، فإن طقوس النواح هذه لديها وظيفة مزدوجة؛ من جهة، كانت تعبيراً عن الحزن والألم؛ ومن جهة أخرى، كانت وسيلة لإعادة توحيد الجماعة حول ذاكرة مشتركة. انطلاقاً من هنا، يرى العديد من الباحثين أن حضارات منطقة المشرق طوّرت تقاليد الحزن الجماعي إلى صور مختلفة في العصور اللاحقة.[5]
ثانياً؛ عاشوراء بين الحدث التاريخي والطقس الاجتماعي
وقعت موقعة كربلاء في العاشر من محرم سنة 61هـ الموافق في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر 680م، وذلك في سياق سياسي شديد التعقيد أعقب وفاة معاوية بن أبي سفيان (602م – 680م)، حيث تولى ابنه يزيد (644م – 683م) الحكم من بعده، لكن مقتل الحسين ما لبث أن تجاوز زمنه ليتحول معه إلى رمز ديني وأخلاقي وثقافي في الوجدان الإسلامي، وبشكل خاص لدى أتباع أهل البيت.[6]
وقد أسهمت شخصية الحُسِين بن علي بوصفه حفيد النبي محمد، ومقتله مع أهل بيته وأصحابه في كربلاء، في سردية المظلومية والتضحية، ومن بعده يأتي دور زينب بنت علي بن أبي طالب (626م -682م) والتي عملت على نقل تفاصيل موقعة كربلاء، وخطابها الشهير في الكوفة والشام، وقد نجحت في تثبيت الحدث داخل الذاكرة الجماعية للمجتمع الإسلامي.[7]
ومع مرور الزمن، نشأت حول موقعة عاشوراء رمزيات ومراثي وطقوس كثيرة تهدف إلى استرداد الحدث سنوياً. فكيف يمكن أن نراها من منظور أنثروبولوجي؟
هذه الممارسات لا بد أن تقدم وظيفة اجتماعية واضحة، فهي تعيد إنتاج الهوية الجماعية، وتعطي المشاركين شعوراً بالانتماء إلى ذاكرة تشاركية متخطية حدود الزمن الفردي. وعليه تصبح عاشوراء ليست مجرد ذكرى تاريخية فحسب، بل أصبحت زمناً مقدساً، يُعاد فيه تمثيل الحدث المحوري على نحو قريب جداً مما تناوله ميرسيا إلياد في دراسة الطقوس الدينية التي تسترد الزمن الأول وتجعله حاضراً في وعي الجماعة.[8]
ثالثاً؛ استمرارية الرمز والذاكرة
لأن الفاصل الزمني بين ديموزي السومري وعاشوراء كبير جداً، لا يمكن هنا للباحث أن يعتبر أن طقوس عاشوراء هي امتداد مباشر لطقوس ديموزي، لكن عند المقارنة التاريخية نكتشف وجود بعض العناصر الرمزية المتشابهة في الحداد الجماعي في منطقة المشرق، مثلاً: الرثاء، البكاء، استرداد الشخصية الغائبة ثم تحويل الذكرى إلى مناسبة اجتماعية دورية تُستعاد فيها فكرة المظلومية التاريخية وتتجدد فيها الهوية الدينية والذاكرة الجماعية.[9]
يقودنا ذلك للقول إن المجتمعات لا تُورِّث الأحداث فحسب، بل تُورِّث أيضاً طرائق التعبير عن تلك الأحداث. فكما استخدم السومريون النواح الجماعي لحفظ ذكرى ديموزي، كذلك استخدمت المجتمعات الإسلامية المراثي والمجالس والشعائر لحفظ ذكرى الحُسين. وفي الحالتين، يتحول الألم الفردي إلى ذاكرة جماعية، ويتحول الفقد أو الغياب إلى حضور رمزي دائم.
انطلاقاً من هنا تظهر أهمية المنهج الأنثربولولجي الذي يبحث عن التطابق بين الظواهر، بل عن الوظائف الاجتماعية والرمزية التي تؤديها الطقوس داخل المجتمع. وهذا يعني أن التشابه بين الظاهرتين يدل على أن الانسان المشرقي وعبر العصور واجه سؤال الفقد والموت بالوسائل الرمزية ذاتها تقريباً.[10]
في الخلاصة، تُظهر المقارنة التاريخية والأنثروبولوجية بين طقوس ديموزي وطقوس عاشوراء أن المجتمعات البشرية لا تحفظ أحداثها المهمة فحسب، بل تحفظ الوسائل التي تتذكر بها تلك الأحداث.
فمن سومر إلى كربلاء نرى أن الحزن الجماعي والرثاء والذاكرة هي أدوات لإعادة إنتاج الهوية ومنح الألم معنى يتجاوز اللحظة العابرة.
وليست عاشوراء، في هذا السياق، امتداداً لأسطورة قديمة، كما أن طقوس ديموزي ليست مجرد بقايا منقرضة من تاريخ بعيد، بل هما شاهدان على استمرارية الثقافة المشرقية في تحويل المأساة إلى ذاكرة، والغياب إلى حضور رمزي، وهكذا يلتقي علم التاريخ وعلم الأنثروبولوجيا في الكشف عن أن استمرارية الحضارات لا تعني بقاء المعتقدات نفسها أو تكرار الأحداث ذاتها، بل تعني استمرار بعض البنى الرمزية والثقافية التي تمنح المجتمعات قدرتها على حفظ الذاكرة الجماعية، وإعادة انتاجها عبر الأجيال. فمن سومر إلى كربلاء تتغير الأزمنة والمرجعيات الدينية والظروف التاريخية، لكن الإنسان يبقى محتفظاً بحاجته إلى تخليد الفقدان وإضفاء المعنى على المأساة وتحويلها إلى جزء من هويته الجماعية.
المصادر والمراجع:
[1] دوركايم، إميل – الأشكال الأولية للحياة الدينية، ترجمة أحمد القطان – المنظمة العربية للترجمة – بيروت – 2012 – ص: 421
[2] إلياد، ميرسيا – المقدس والمدنس – ترجمة عبد الهادي عباس – دار دمشق – 1992 – ص: 78
[3] السواح، فراس – مغامرة العقل الأولى – دار علاء الدين – دمشق – 1996 – ص: 219
[4] كريمر، صموئيل نوح – التاريخ يبدأ من سومر – ترجمة فيصل الوائلي – دار الشؤون الثقافية – بغداد – 1988 – ص: 177
[5] كريمر، صموئيل نوح – الأساطير السومرية، ترجمة قاسم عبده قاسم – دار الفكر – القاهرة – 2001 – ص: 95
[6] أبو مخنف – مقتل الحسين – تحقيق محمد هادي اليوسفي الغروي – مؤسسة النشر الإسلامية – 2009 – ص:145
[7] الطبري، محمد بن جرير – تاريخ الرسل – دار التراث – بيروت 1967 ج 5 – ص: 389
[8]إلياد، ميرسيا – المقدس والمدنس – ترجمة عبد الهادي عباس – دار دمشق – 1992
[9] ألياد، ميرسيا – الأسطورة والواقع – ترجمة عفيف الرزاز – دار الحوار – اللاذقية 1991 – ص: 31
[10] السواح، فراس – دين الإنسان – دار علاء الدين – 1994 – ص: 287
