عندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل عدوانهما على إيران، كان النظام في طهران يمرّ بحالة ضعف غير مسبوقة. فقد واجه أزمات اقتصادية وبيئية وجودية، وتراجعًا في قدراته الدفاعية، فضلًا عن اضطرابات داخلية وضغط خارجي في أعقاب موجة احتجاجات شعبية عمَّت مناطق واسعة من البلاد، في كانون الثاني/يناير الماضي (…). ولكن بعد أربعين يوماً من الحرب وأكثر من شهرين من وقف إطلاق نار هشّ، خرجت الجمهورية الإسلامية سليمة، أكثر جرأة، ومسلّحة بوسيلة ردع جديدة تبدو أقوى حتى من جميع الأسلحة التي ألحق بها خصومها أضراراً عبر الضربات الجوية: سيطرتها على مضيق هُرمز. وفي أواخر نيسان/أبريل، أقرَّ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأن المضيق أصبح “السلاح النووي الاقتصادي” لإيران. وأصبح العالم يدرك الآن أنه إذا تعرضت إيران لهجوم، فإنها ستغلق المضيق، الأمر الذي سيعطل أسواق الطاقة في جميع أنحاء العالم.
بعبارة واضحة، خسر الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحرب والمفاوضات الرامية إلى إنهائها معاً. ولكن إذا بالغت طهران في استغلال أوراقها، فقد تخسر السلام الذي تترقبه. فمُذكرة التفاهم الموقَّعة بين إيران والولايات المتحدة تؤجل حلّ معظم القضايا الصعبة؛ بما في ذلك القيود على البرنامج النووي الإيراني؛ إلى فترة تفاوض تمتد إلى ستين يوماً. إلا أن معالجة الوضع في مضيق هُرمز سيكون أكثر صعوبة بكثير في مما يدركه معظم الناس.
ونصّت مُذكرة التفاهم على المرور الآمن للسفن التجارية من دون رسوم لمدة ستين يوماً، بينما تسعى إيران، وعلى الأرجح الولايات المتحدة أيضاً، إلى تحديد شكل إدارة المضيق في مرحلة ما بعد الحرب. ولكن سواء تمَّ التوصل إلى اتفاق نهائي أم لا، فقد أوضحت إيران أنها تعتزم فرض قيود ورسوم جديدة على السفن التجارية العابرة للمضيق بعد انتهاء فترة التفاوض. وهذا ما أكَّده صراحة كبير المفاوضين الإيرانيين ورئيس البرلمان محمد قاليباف، عندما قال إن “مضيق هُرمز لن يعود أبداً إلى وضعه السابق”، وإنه “بطبيعة الحال، سوف نفرض رسوماً مقابل الخدمات التي نقدمها” (…).
لكن السعي إلى ترسيخ وضعٍ قائمٍ لا يقضي بفتح مضيق هُرمز بالكامل أمام جميع حركة الملاحة البحرية من دون رسوم أو ضرائب ينطوي على خطر تقويض قوة الردع الجديدة التي اكتسبتها إيران، ويجعل العودة إلى الصراع أكثر احتمالاً. كما يمكن أن يقلب نظام الشحن العالمي رأساً على عقب بصورة دائمة. ومن خلال تسريع جهود العالم لإيجاد طرق بديلة، فإنه سيخفّض التكاليف التي يواجهها خصوم إيران عند شنّ أي حرب عليها في المستقبل. وبالتالي قد يصبح مضيق هُرمز مركز عدم الاستقرار في مرحلة ما بعد الحرب. وكما بالغ ترامب في تقدير ميزته الاستراتيجية عندما أطلق الحرب، فقد تكون طهران الآن على وشك ارتكاب الخطأ نفسه بعد انتهاء الحرب.
صفقة أم لا صفقة
تُكرّس مُذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية المؤلفة من 14 نقطة اتفاقات وقف إطلاق النار الهشَّة في إيران ولبنان، وتؤكد أن إيران لن تسعى إلى امتلاك أسلحة نووية، وتتعهد بأن تُنهي الولايات المتحدة فوراً حصارها البحري وأن تُصدر وزارة الخزانة إعفاءات تسمح لإيران ببيع نفطها. كما تحدّد معالم اتفاق نهائي افتراضي، بما في ذلك رفع كامل للعقوبات مقابل التصرف بمخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، والتوصل إلى تفاهم غير محدّد بشأن التخصيب الإيراني في المستقبل.
ولكن على الرغم من أن الوثيقة تذكر استئناف حركة الشحن من مياه الخليج إلى بحر عُمان، والتنازلات النووية الإيرانية، وتخفيف العقوبات، فإنها تترك التفاصيل لتُحدَّد لاحقاً. وهناك عقباتٌ كبيرةٌ تجعل من غير المرجّح التوصل إلى اتفاق نهائي خلال ستين يوماً ــ أو ربما على الإطلاق. فلم تُظهر واشنطن الصبر اللازم لإكمال اتفاق نووي مُعقّد يتطلب إجراءات جديدة للمراقبة والتحقق. وقد صُمَّم نظام العقوبات الأميركي الحالي على إيران، الذي وُضع خلال الولاية الأولى لترامب، خصيصاً لمنع العودة إلى اتفاق نووي، من خلال استخدام تصنيفات عقوبات مُتداخلة تحت سلطات قانونية متعدّدة، ما خلق عمداً تعقيدات قانونية وبيروقراطية. وسيحتاج تفكيك ذلك إلى قدرٍ كبيرٍ من الإبداع.
وقد لا يرغب القادة الجُدد في إيران أيضاً في أي شيء يتجاوز اتفاقاً صغيراً ذا طابع تبادلي مع الولايات المتحدة. فهم لا يثقون بالتزام ترامب باتفاقٍ كبير، بالنظر إلى انسحابه؛ عام 2018؛ من الاتفاق النووي الذي وُقّع عام 2015، المعروف بـ”خطة العمل الشاملة المشتركة”- أي بعد ثلاث سنوات من إبرامه، وكذلك بالنظر إلى حقيقة أن الولايات المتحدة وإسرائيل اغتالتا والد المرشد الأعلى مُجتبى خامنئي، المرشد الأعلى السابق، آية الله السيّد علي خامنئي (…).
وما يُلقي بظلاله على القضايا المتنازع عليها هو وضع مضيق هُرمز. فإذا لم يتم تثبيت التفاهم المتعلق بهذا الشأن بشكل واضح ونهائي، قد تُستأنف الحرب بسهولة. إن الفشل في إعادة هذا الممر المائي الدولي إلى وضعه ما قبل الحرب، حيث كان مفتوحاً دون عوائق، أمرٌ لا يمكن القبول به على المدى البعيد.
اللعب بالنار
لن تتخلى إيران عن سيطرتها الجديدة على مضيق هُرمز من دون مقابل. ففي أيار/مايو، أنشأت طهران آلية جديدة تُسمى “هيئة مضيق الخليج الفارسي (PGSA)” لإدارة المضيق. وكجزء من هذه العملية، أعلنت من جانبٍ واحدٍ أنها تُسيطر على منطقة بحرية موسعة بشكلٍ كبيرٍ (تمتد إلى داخل المياه الإقليمية العُمانية والإماراتية)، وفرضت على السفن الحصول على إذنٍ مسبق للمرور عبر المضيق، وأعلنت أن السفن العسكرية غير الصديقة غير مُرحبٍ بعبورها.
ولم يكن أيٌّ من هذه الشروط قائماً قبل اندلاع الحرب. وقد أعلن ترامب مراراً أنه لن يسمح لإيران بفرض رسوم عبور على المضيق، لكن القادة الإيرانيين أبلغوا وسائل الإعلام والشركاء الأجانب أن البلاد تعتزم البدء في تحصيل الإيرادات من خلال رسوم بيئية ورسوم خدمات بعد انتهاء فترة التفاوض (60 يوماً) التي تلي توقيع مُذكرة التفاهم.
وقد اقترحت إيران أن تُدار “هيئة مضيق الخليج الفارسي” بشكل مشترك مع سلطنة عُمان، التي تطلُّ أيضاً على المضيق. وقد فرضت الولايات المتحدة مؤخراً عقوبات على هذه الهيئة بسبب ارتباطها بالحرس الثوري الإسلامي. ومع ذلك، فمن خلال مُذكرة التفاهم قد تقبل واشنطن، على المدى الطويل، بواقع يُدار فيه مضيق هُرمز فعلياً من قبل الحرس الثوري.
وإذا فرضت إيران رسوماً على مضيق هُرمز، فلن تكون لذلك عواقب وخيمة على الشحن العالمي فحسب، بل سيرتد ذلك سلباً على طهران أيضاً. فالشركات الأميركية والأوروبية وغيرها من الشركات الأجنبية ستكون متردّدة في الدفع أو حتى في التنسيق مع حكومة تخضع لعقوبات واشنطن. وعلى نطاق أوسع، ترتبط “هيئة المضيق” بالحرس الثوري، الذي يخضع بدوره لعقوبات من أميركا والاتحاد الأوروبي وأستراليا وكندا ودول أخرى.
وحتى إذا انضمت سلطنة عُمان إلى “الهيئة”، وحتى إذا وافقت الولايات المتحدة في نهاية المطاف على نظام الرسوم، فقد يصبح أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم مُتاحاً فعلياً فقط لشبكة السفن التابعة لإيران، والمعروفة باسم “أسطول السفن الشبحية” (أو السرّية)؛ وهي شبكة من السفن التي تعمل بعيداً عن الرقابة والعقوبات، إضافة إلى السفن التي لا تتأثر بالعقوبات الأميركية والأوروبية. وهذا سيناريو غير مقبول بالنسبة لدول الخليج، وكذلك بالنسبة لجزء كبير من دول آسيا وأوروبا. وقد صرَّح دبلوماسي أوروبي لمجلة “فورين أفيرز” بأنه لن يتردّد في إشراك الصين للضغط على إيران كي لا تُطبّق مثل هذه الآلية.
من المتوقّع أن تسرّع هذه الدينامية جهود المنطقة لإيجاد مسارات بديلة لتجنب المضيق، وهو مشروع يستغرق وقتاً طويلاً ومُكلفاً، لكنه يصبح ضرورياً إذا لم يبقَ المضيق مفتوحاً بالكامل. وعلى الرغم من أن الحرب أظهرت مدى صعوبة إيجاد طُرق بديلة، فإن دول الخليج ستكون مدفوعة إلى تطوير بُنية تحتية جديدة للطاقة تتجاوز المضيق. وبالمثل، فإن معارضة إيران لعبور السفن العسكرية عبر المضيق هي أيضاً مسألة غير قابلة للاستمرار. فالولايات المتحدة وفرنسا تمتلكان قواعد بحرية رئيسية في الخليج الفارسي لا يمكن الوصول إليها إلا عبر المضيق، وهي ضرورية للأمن الإقليمي.
مفترق المضيق
تواجه إيران خياراً صارخاً. فإما أن تستخدم مضيق هُرمز كأداة لتحقيق عائدات، أو كضمانة أمنية. لكنها على الأرجح لا تستطيع الجمع بين الأمرين. فقيمة المضيق الردعية تعتمد بالكامل على مصداقية التهديد بإغلاقه. وفي اللحظة التي تحاول فيها إيران تحقيق دخل من المرور عبره أو تعرقل بأي شكل التدفق الحرّ للتجارة من خلاله، فإنها تضعف أقوى حجة ضدَّ الحرب: وهي الكلفة المترتبة على مهاجمة إيران.
ومن خلال فرض الرسوم، ستوفر إيران أيضاً “ذخيرة دعائية” للتيار الكبير من الصقور المناهضين لإيران في الولايات المتحدة وإسرائيل، الذين سيرحبون بالعودة إلى الصراع ويرون في استغلال إيران للمضيق مالياً وسيطرتها عليه نتيجة نهائية غير مقبولة.
وليس مضيق هُرمز القضية الوحيدة التي ستشكل إيران ما بعد الحرب. فبصفتها دولة طرفاً موقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، يتعين على إيران الالتزام بتعهداتها والسماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بإعادة ترسيخ وجودها داخل البلاد لضمان أنها لا تسعى سراً إلى امتلاك سلاح نووي.
كما يتعين عليها أن تبدأ بإعادة بناء العلاقات مع جيرانها الذين استهدفت مواقع داخل أراضيهم بصورة غير عادلة في حرب لم يرغبوا بها. ويجب على إيران أيضاً أن تعالج المظالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية لشعبها، وإلا فإنها تخاطر بمواجهة الاضطرابات البنيوية التي ابتُليت بها خلال المرحلة الماضية.
وإذا تعامل النظام في طهران مع باعتباره انتصاراً بحد ذاته، فإنه سيكون بصدد ارتكاب خطأ جسيم. فالحقيقة هي أن مُذكرة التفاهم، وحتى اتفاقاً أميركياً-إيرانيا أوسع نطاقاً، ليسا سوى الخطوات الأولى على طريق مليء بالتحديات.
الذكاء الإيراني
قبل ستة أشهر، كانت إسرائيل والولايات المتحدة في وضع يُحسد عليه. فمهما بلغت درجة ضعف إيران، لم يكن من المرجح أبداً أن تستسلم بالكامل لمطالب ترامب، بما في ذلك مطلبه بأن تفكّك برنامجها النووي بالكامل. لكنها ربما كانت ستفكر جدياً في اتفاق واسع النطاق يتجنب الحرب ويوفر تخفيفاً ضرورياً للعقوبات مقابل تنازلات كبيرة تتعلق ببرنامجها النووي ونفوذها في الإقليم.
ولكن بدلاً من استثمار الإنجازات العسكرية التي تحقَّقت خلال حرب الأيام الـ 12، في حزيران/يونيو 2025، لتحقيق مكاسب استراتيجية طويلة الأمد، قامت الولايات المتحدة وإسرائيل بالتصعيد بصورة متهورة، وانتهتا إلى وضع أسوأ. والآن تجدُ إيران نفسها عند مفترق طرق مشابه؛ فهي تعتقد أنها ربحت الحرب الأخيرة، ومن المرجح أن تميل إلى استغلال هذا التفوق. لكنها قد تتسبب بسهولة في تراجعها إلى الخلف.
إن معظم دول العالم تريد إعادة فتح مضيق هُرمز من دون رسوم عبور أو ضرائب. لكن انسياب حركة الملاحة عبر المضيق بحرية يصبُّ أيضاً في مصلحة طهران، وبالتالي عليها أن تستلهم صفحة من التاريخ الأميركي وأن تتبع التوجيه الذي وجّهه الرئيس أبراهام لينكولن إلى جنرالاته بعد استسلام الكونفدرالية في أبوماتوكس: “دعوهم ينهضون بسهولة”.
وبعبارة أخرى: قاوموا إغراء تشديد العقاب إلى أقصى حد.
فإذا دفعت الثقة المفرطة إيران إلى السعي لمعاقبة الولايات المتحدة عبر مضيق هُرمز، فإنها لن تتمكن من ترسيخ الشروط القابلة للاستمرار التي تحتاجها لتعظيم فرص بقائها. إن القدرة على إغلاق المضيق هي أقوى ضمانة أمنية امتلكتها الجمهورية الإسلامية على الإطلاق – أكثر ديمومة، وأكثر مصداقية، وأكثر قابلية للاستخدام الفوري من الردع النووي.
وأذكى ما يمكن لطهران أن تفعله الآن هو ألا تستخدم هذه القدرة.
– ترجمة بتصرف عن “فورين أفيرز“.
(*) نيت سوانسون، زميل أول مقيم ومدير مشروع “استراتيجية إيران” في “المجلس الأطلسي”. شغل منصب مدير ملف إيران في مجلس الأمن القومي الأميركي (2022-2025)، كما عمل ضمن فريق التفاوض الإيراني التابع لإدارة ترامب.
