لم تحقق عملية «الغضب الملحمي» التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب أي مكسب استراتيجي يُذكر. صحيح أن ترامب أعلن النصر، لكن بنود مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية تروي قصة مختلفة تماماً. فواشنطن وطهران ستدخلان في مفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني، وستتمكن إيران من تصدير نفطها بموجب إعفاء خاص لمدة ستين يوماً، كما سيُعاد فتح مضيق هرمز. غير أن هذه النقطة الأخيرة لا تزال غامضة؛ فبينما أعلن ترامب منتشياً عودة حرية الملاحة في المضيق، بما يعني استعادة الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب، يؤكد المسؤولون الإيرانيون أن ذلك يقتصر على الشهرين اللذين تغطيهما مذكرة التفاهم، وبعدها ستفرض طهران رسوماً على عبور السفن.
يثير ذلك سؤالاً أساسياً: لماذا خاضت الولايات المتحدة هذه الحرب أصلاً؟ فاستناداً إلى ما هو معروف حتى الآن عن الاتفاق، يبدو أن الأميركيين، وشركاء واشنطن الإقليميين، والمستهلكين في مختلف أنحاء العالم، وربما حتى الإيرانيين الذين أنهكتهم الأزمات، كانوا في وضع أفضل قبل أن تشن الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما في الثامن والعشرين من شباط/فبراير.
وخلال عطلة نهاية الأسبوع، صرّح ترامب بأنه إذا لم تلتزم إيران بتعهداتها الواردة في مذكرة التفاهم، فإن الولايات المتحدة ستكون «حارس الشرق الأوسط». لكن الحقيقة أن فشل ترامب في إيران أطلق دينامية مختلفة تماماً، تتمثل في انسحاب أميركي متدرج من المنطقة.
وليس الرئيس وحده من قد يستخدم مذكرة التفاهم ذريعة لفك ارتباط واشنطن بالشرق الأوسط. فالقليل من أعضاء الكونغرس، والمرشحين للرئاسة، والمسؤولين الحاليين أو المحتملين في الإدارة الأميركية، سيبدون استعداداً لإنفاق المزيد من الموارد السياسية والعسكرية والمالية من أجل البقاء في المنطقة. صحيح أن الظروف مختلفة، لكن المشهد يبدو، إلى حد بعيد، استعادة لأجواء كانون الأول/ديسمبر 1971.
ففي كانون الثاني/يناير 1968، أعلن رئيس الوزراء البريطاني هارولد ويلسون أن المملكة المتحدة ستسحب قواتها من الخليج العربي، بعدما أصبحت عاجزة عن تحمل أعباء ما تبقى من إمبراطوريتها العالمية، بما في ذلك قواعدها العسكرية المتقدمة في الخليج. حاولت إدارة الرئيس ليندون جونسون ثني ويلسون عن قراره، لكنها أخفقت، واستكملت القوات البريطانية انسحابها «شرق السويس» في كانون الأول/ديسمبر 1971. ومنذ ذلك الحين بدأ التوسع الأميركي التدريجي في المنطقة.
في البداية، حافظت الولايات المتحدة على وجود بحري محدود تمثل في حاملة طائرات تجوب المحيط الهندي بصورة دورية لإظهار العلم الأميركي، إلى جانب عملية حضور بحري متواضعة انطلاقاً من البحرين. ولم يتحول هذا الوجود إلى انتشار بري واسع إلا بعد غزو صدام حسين للكويت واحتلالها في آب/أغسطس 1990، حين دخلت القوات الأميركية إلى المنطقة واستقرت فيها عملياً.
لكن حصيلة السياسات الأميركية خلال الأعوام الخمسة والثلاثين اللاحقة لم تكن مشجعة. فقد سعت واشنطن إلى إقامة دولة فلسطينية، وإعادة تشكيل المجتمع العراقي، وتحويل دول الشرق الأوسط إلى ديمقراطيات، إلا أن أياً من هذه المشاريع لم ينجح. كما أخفقت مغامرة ترامب الإيرانية بدورها. ولهذه الأسباب مجتمعة، لم يعد الشرق الأوسط قضية رابحة داخل واشنطن.
وإذا كان هناك توافق نادر بين الحزبين داخل المؤسسة السياسية الأميركية، فهو يتمثل في ضرورة تخفيف ارتباط الولايات المتحدة بالمنطقة.
لطالما كان ضمان التدفق الحر لموارد الطاقة من الشرق الأوسط بمثابة المبدأ الناظم للسياسة الأميركية في المنطقة، لكن هذا الأمر يبدو أنه يشهد تحولاً. فالديمقراطيون يدفعون باتجاه الاستثمار في التحول الطاقوي، ليس فقط لأسباب بيئية، بل أيضاً بوصفه وسيلة للخروج من الاعتماد الاستراتيجي على الشرق الأوسط. وفي المقابل، يتساءل عدد متزايد من الجمهوريين عن سبب استمرار واشنطن في تحمل مسؤولية أمن الخليج واستقراره، في وقت أصبحت فيه الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط والغاز في العالم.
وفي ظل هذا المناخ، ومع تصاعد الضغوط السياسية الداخلية التي تدفع القادة الأميركيين إلى التركيز على الشؤون المحلية، يصبح من الصعب إقناع الرأي العام بإنفاق مليارات الدولارات لإعادة بناء أو إصلاح أو استبدال المنشآت والمعدات الأميركية في المنطقة، بعد حرب وُصفت بأنها خاطئة وغير شعبية.
ومن المرجح أن يشبه المستقبل الماضي إلى حد بعيد: حاملة طائرات أميركية تتناوب على الوجود في المنطقة، وحضور بحري محدود في البحرين، وربما جناح جوي متمركز في الأردن. وهذا ليس حضوراً معدوماً، لكنه يشي بأن «مبدأ كارتر» والتوسعات التي أدخلتها عليه إدارة رونالد ريغان قد انتهيا عملياً، وأن مغامرة ترامب لم تفعل سوى ترسيخ هذا الشعور. وبناء عليه، فإن العصر الأميركي في الشرق الأوسط يقترب من نهايته.
لكن ماذا سيفعل شركاء واشنطن في المنطقة فيما يودعهم ترامب، مدعوماً، بصورة مفارقة، من خصومه السياسيين في الداخل؟
في عام 1971، كان قادة الخليج يتطلعون سراً إلى حضور أميركي في المنطقة، أما اليوم فلا يوجد وريث جاهز للولايات المتحدة. وقد استخلصت الصين دروساً مهمة من المغامرات الأميركية في الشرق الأوسط، ويبدو أنها مصممة على تجنب التورط في تعقيدات المنطقة.
وسيواصل شركاء واشنطن، بلا شك، شراء مزيد من الأسلحة الأميركية، لكنهم سيوسعون أيضاً دائرة مورديهم العسكريين. فمن غير المنطقي الاستمرار في استخدام صواريخ أميركية تبلغ كلفة الواحد منها أربعة ملايين دولار لاعتراض طائرات مسيرة لا تتجاوز كلفة الواحدة منها 35 ألف دولار، ولا سيما إذا كانت الولايات المتحدة بصدد الانسحاب وترك حلفائها لمواجهة الفوضى التي خلقتها إدارة ترامب.
وفي حال لم تعد واشنطن تعتبر نفسها ملتزمة تجاه هؤلاء الحلفاء، فمن الطبيعي ألا يشعروا بأنهم ملزمون بالاعتماد الحصري على منظومات التسليح الأميركية، خصوصاً تلك التي تبدو أقل ملاءمة للتحولات الجارية في طبيعة الحروب. ومن المرجح أن تكون الصين وكوريا الجنوبية وتركيا وأوكرانيا وحتى إسرائيل من أبرز المستفيدين من هذا التحول، إذ توفر بعض هذه الدول بالفعل معدات عسكرية لدول المنطقة، بما في ذلك تقنيات الطائرات المسيرة، ومضاداتها، وأنظمة الدفاع الجوي.
كثيراً ما يبالغ ترامب في تصوير مبادراته باعتبارها إنجازات «لم يقدم عليها أي رئيس أميركي آخر». وفي ما يتعلق بإيران، فهو محق إلى حد كبير. فالرؤساء الذين سبقوه درسوا تحدي إيران، وراجعوا الخطط العسكرية، وتعرضوا لضغوط من القادة الإسرائيليين، لكنهم رفضوا في النهاية الانخراط في حرب متهورة. أما ترامب فقد وقع في الفخ.
واليوم، يستطيع أن يصحح المسار من خلال القيام بخطوة لم يجرؤ عليها أي رئيس أميركي من قبله: سحب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط.
قد تشعر بعض الدول بالحزن لرؤية واشنطن تغادر. لكن شركاء الولايات المتحدة في المنطقة باتوا يدركون أن واشنطن لم تكن يوماً الضامن للاستقرار والأمن بالصورة التي ادعتها. وربما كان ذروة نفوذها في هذا المجال قد تجلت خلال عمليتي «درع الصحراء» و«عاصفة الصحراء»، قبل أكثر من ثلاثة عقود.
أما اليوم، فإن السعوديين والبحرينيين والقطريين والإماراتيين والكويتيين والأردنيين والمصريين والإسرائيليين الذين شكّلوا النظام الإقليمي الذي قادته الولايات المتحدة، فعليهم أن يعتمدوا على أنفسهم. حظاً سعيداً.
(*) ترجمة chatgpt. النص بالإنكليزية في مجلة “فورين بوليسي“
