الوجه المظلم للمونديال.. من لعبة الفقراء إلى آلة استغلال طبقي

ارتبطت بطولة كأس العالم لكرة القدم في الأذهان بصور الفرح الجماعيّ، واللقطات الأسطوريّة للاعبين تربعوا على عرش المجد، وهتافات ملايين المشجعين الذين تتوحَّد مشاعرهم خلف كرة من الجلد تتقاذفها الأقدام.

بالنسبة للجمهور العامّ، المونديال هو الكرنفال الإنسانيّ الأكبر الذي يجمع شعوب الأرض كل أربع سنوات في لحظة تضامن عابرة للقارات. لكن خلف هذا الستار البرَّاق المليء بالألوان والأضواء والألعاب الناريّة، يختبئ تاريخ طويل ومعقَّد من الظلال المظلمة.

إن نظرة سوسيوسياسيّة واقتصاديّة فاحصة لتاريخ هذه البطولة منذ نشأتها وحتى يومنا هذا، تكشف لنا كيف تحوَّلت من مشروع رياضيّ يبحث عن الشرعيّة والتقارب الدوليّ، إلى أداة مفضَّلة للديكتاتوريّات لغسيل سمعتها السياسيّة، ثم إلى قمة التجلّيات النيوليبراليّة حيث تلتهم الرأسماليّة الشرسة شغف الجماهير، وتتحوَّل الملاعب إلى ساحات للاستغلال البشريّ والظلم الاقتصاديّ الهيكليّ.

هذا المقال يغوص في العمق المظلم لبطولة كأس العالم، ملقياً الضوء على آليات التوظيف السياسيّ، وخصخصة الأرباح مقابل تأميم الخسائر، والكلفة البشريّة الباهظة التي تدفعها المجتمعات المستضيفة وعمال المياومة، لنرى كيف أصبحت “اللعبة الجميلة” رهينة لمنظومة فوق قوميّة تُدعى “الفيفا” تُدار بعقليّة الشركات الاحتكاريّة الكبرى.

المونديال في خدمة الاستبداد وغسيل السمعة

لم تكن كرة القدم يوماً منفصلة عن السياسة، بل كانت دائماً مسرحاً لعلاقات القوة والصراع. منذ العقود الأولى لانطلاق كأس العالم، أدركت الأنظمة الشموليّة والديكتاتوريّة أن هذه البطولة تمثل أداة بروباغندا لا مثيل لها، قادرة على تحويل أنظار العالم عن الجرائم الداخليّة وصناعة هالة من الشرعيّة والقبول الدوليّ.

في العام 1934، احتضنت إيطاليا النسخة الثانية من كأس العالم، ولم يكن الحدث رياضياً بأي حال من الأحوال بالنسبة للزعيم الفاشيّ بينيتو موسوليني، بل كان منصة لاستعراض تفوّق النظام الفاشيّ وقوته التنظيميّة والأيديولوجيّة. تحوَّلت الملاعب إلى ساحات لرفع التحية الفاشيّة، وضغط النظام بكل ثقله السياسيّ والتحكيميّ لضمان فوز المنتخب الإيطاليّ باللقب، ليكون المونديال هنا أول نموذج صارخ لغسيل السمعة الرياضيّ، حيث استُخدمت البهجة الكرويّة لتغطية القمع الداخليّ وبناء هويّة قوميّة عدوانيّة تمهيداً للمغامرات العسكريّة اللاحقة.

ولم تكد تمر أربع سنوات حتى شهد مونديال فرنسا 1938 فصلاً جديداً من فصول التسييس القسريّ إثر قيام نظام ألمانيا النازيّ بقيادة أدولف هتلر بضم النمسا عسكرياً فيما عُرف تاريخياً بالأنشلوس. تسبّب هذا التوسّع الإمبرياليّ في حل المنتخب النمساويّ، الذي كان يُعد أحد أقوى منتخبات العالم حينها، وأُجبر نجومه على اللعب تحت راية علم ألمانيا النازيّة وتقديم التحية الفاشيّة في الملاعب الفرنسيّة وسط صافرات استهجان الجماهير الغاضبة والمقاومة السياسيّة الشرسة من آلاف المغتربين في المدرجات. وتبرز في هذا السياق القصة الدراميّة للنجم النمساويّ ماتياس سينديلار الذي رفض اللعب تحت راية المنتخب النازيّ متحدياً نظام هتلر ومتشبثاً بهويته، ليموت بعدها بأشهر قليلة في ظروف غامضة، تاركاً خلفه رمزيّة خالدة للمقاومة الإنسانيّة ضد توظيف الرياضة كأداة لغسل جرائم الفاشيّة.

بيد أن النموذج الأكثر قتامة وتوحّشاً في تاريخ البطولة تجسَّد في مونديال الأرجنتين عام 1978. فقبل عامين فقط من البطولة، قاد الجنرال خورخي رافائيل فيديلا انقلاباً عسكرياً دموياً أطاح بالحكومة الديموقراطيّة، ودشَّن ما عُرف تاريخياً بالحرب القذرة. وفي الوقت الذي كانت فيه المنتخبات العالميّة تتنافس على أرض الملعب، كانت آلة التعذيب والقتل التابعة للمجلس العسكريّ تعمل بأقصى طاقتها. وعلى بُعد مسافة قصيرة مشياً على الأقدام من ملعب مونيومينتال في بوينس آيرس، حيث كانت الجماهير تهتف بهستيريا لأهداف النجم ماريو كيمبس، كان يقع مركز الاعتقال السرّي السيئ السمعة في المدرسة الميكانيكيّة للبحرّية. هناك، خلف الجدران السميكة، تعرَّض آلاف المعارضين السياسيّين للتعذيب الممنهج والتصفية الجسديّة، بل إن بعض السجناء كانوا يستمعون إلى صدى هتافات الجماهير في الملعب وهم يقبعون في أغلالهم. استخدم فيديلا اللقب العالميّ الذي حققته الأرجنتين كدرع واقٍ ضد الانتقادات الدوليّة لانتهاكات حقوق الإنسان، مقدماً البطولة للعالم كرمز للسلام والاستقرار، بينما كانت أسر المختفين قسرياً تبكي ضحاياها في صمت وخوف.

هذه الديناميّة الاستبداديّة لغسيل السمعة الرياضيّ لم تندثر مع سقوط دكتاتوريّات القرن العشرين، بل تبلورت بأدوات أكثر حداثة ونعومة في القرن الحادي والعشرين، ولعل مونديال روسيا 2018 يمثل حلقة الوصل الحديثة لهذا التكتيك. فقد استخدم النظام الروسيّ البطولة بذكاء شديد لتقديم وجه حضاريّ، منفتح، ومرحّب للعالم، مستهدفاً كسر العزلة الدوليّة وتخفيف وطأة العقوبات الغربيّة السياسيّة والاقتصاديّة التي فُرضت عليه بعد ضمّه شبه جزيرة القرم في العام 2014 وتدخلاته العسكريّة الخارجيّة، مما يثبت للجمهور أن تكتيكات توظيف المونديال كقناع سياسيّ لتغطية الصراعات الجيوسياسيّة جرى تحديثها بآليات إعلاميّة تسويقيّة بالغة التعقيد.

التحوّل النيوليبراليّ والتسليع الفاحش للمستديرة

إذا كان النصف الأوّل من تاريخ كأس العالم قد اتسم بالتوظيف السياسيّ المباشر من قبل الدول، فإن النصف الثاني شهد تحوّلاً هيكلياً أعمق أثراً وهو سقوط البطولة في قبضة الرأسماليّة النيوليبراليّة وتحويلها إلى أضخم منصة تسويق تجاريّ في العالم.

فعندما أسّس جول ريميه بطولة كأس العالم في عشرينيات القرن الماضي، كان الهاجس الأكبر هو إقناع الدول بالمشاركة وتثبيت شرعيّة كرة القدم كرياضة عالميّة مستقلة. لم تكن الرعاية التجاريّة مطروحة حينها، وكانت الميزانيّات متواضعة للغاية، لكن نقطة التحوّل الجذريّ حدثت في العام 1974 مع صعود البرازيليّ جواو هافيلانج إلى سدة رئاسة الاتحاد الدوليّ لكرة القدم يليه تلميذه سيب بلاتر. أدرك هافيلانج أن كأس العالم يمتلك إمكانات كامنة غير مستغلة لتوليد ثروات هائلة من خلال البث التلفزيونيّ وحقوق الرعاية، فأبرم الفيفا تحالفات استراتيجيّة بعيدة المدى مع شركات عابرة للقارات مثل كوكا كولا وأديداس، وبذلك تحوَّل الفيفا تدريجيّاً من اتحاد رياضيّ غير ربحيّ إلى شركة متعدّدة الجنسيّات تدير نظاماً تجارياً معقداً واحتكارياً يتزامن مع صعود المذاهب النيوليبراليّة الحرة لحقبة رونالد ريغان – مارغريت ثاتشر.

وفي ظل هذا النموذج الاقتصاديّ الجديد، أُعيد صياغة مفهوم مشجع كرة القدم، فلم يعد المشجع هو ذلك العضو في مجتمع محلّيّ يعبّر عن هويّة وانتماء، بل تحوَّل إلى مستهلك مستهدف بآلاف الإعلانات. امتد التسليع ليشمل كل تفاصيل اللعبة من الملابس الرياضيّة إلى تذاكر المباريات التي ارتفعت أسعارها بشكل جنونيّ، ما أدّى إلى إقصاء الطبقات العاملة التي صنعت هذه اللعبة تاريخياً في أحياء الفقر والمناجم، لصالح النخب السياحيّة ورجال الأعمال. وأصبحت القيمة التجاريّة والقدرة على جذب أموال الرعاة هي المعيار الأساسيّ لتقييم نجاح أي بطولة، مما أدّى إلى إفراغ اللعبة من بعدها الأخلاقيّ والتضامنيّ الأصيل.

الخديعة الاقتصاديّة.. وصدمة الفوارق الطبقيّة

تُسوّق الحكومات واللجان المنظمة لملفات استضافة كأس العالم دائماً من خلال رمي وعود ورديّة بحدوث طفرة اقتصاديّة، وانتعاش في قطاع السياحة، وخلق فرص عمل، ونمو في الناتج المحليّ الإجماليّ. ومع ذلك، تشير الدراسات الاقتصاديّة المستقلّة بعد البطولات إلى أن هذه الوعود ليست سوى خديعة تسويقيّة كبرى، تندرج تحت ما يسميه علماء الاجتماع رأسماليّة الاحتفال. وتتأسس المعادلة الاقتصاديّة للمونديال على مبدأ غير عادل بنيويّاً يتمثل في خصخصة الأرباح وتأميم الخسائر، حيث تحصد الفيفا والشركات الراعية الكبرى الأرباح الصافيّة المعفاة من الضرائب، إذ تشترط الفيفا على الدول المستضيفة منحها إعفاءً ضريبيّاً كاملاً لجميع عوائدها من البث والتذاكر والرعاية، في حين تتحمَّل خزائن الدول المستضيفة ودافعو الضرائب من المواطنين العاديين كافة تكاليف البنية التحتيّة وبناء الملاعب والأمن. وتؤكد الأبحاث، ومنها دراسة أجراها الباحث ماركو ميلو من جامعة ساري، أن استضافة الأحداث الرياضيّة الكبرى لا تحقق أي دفعة مستدامة للناتج المحليّ الإجماليّ، بل على العكس، قد تؤدّي إلى أثر اقتصاديّ سالب ناتج عن مزاحمة الاستثمارات العامّة وتوجيهها نحو قطاعات غير إنتاجيّة.

وقبل عقود من صياغة هذه النظريّات الاقتصاديّة الحديثة، كشف مونديال تشيلي 1962 كيف يمكن للفوارق الاقتصاديّة والنظرة الاستعلائيّة للدول الغنيّة تجاه الدول النامية أن تفجّر عنفاً اجتماعياً ممتداً إلى المستطيل الأخضر. وبرغم أن تشيلي كانت تعاني من دمار بنيويّ هائل جراء تعرّضها لأقوى زلزال مسجَّل في التاريخ البشريّ عام 1960 وأصرَّت على الاستضافة كمسألة كبرياء قوميّ، شنَّت الصحافة الإيطاليّة هجوماً طبقياً مهيناً وصفت فيه العاصمة سانتياغو بالفقر والتخلّف والجهل، معتبرة تنظيم البطولة هناك “جنوناً مطلقاً”. هذا الشحن الإعلاميّ الفوقيّ حوَّل مباراة إيطاليا وتشيلي إلى معركة حربيّة حقيقيّة داخل الملعب تبادل فيها اللاعبون اللكمات والركل العنيف فيما عُرف بمعركة سانتياغو، واضطرَّت الشرطة للتدخّل عدة مرات لفصل اللاعبين المتحاربين، ما عكس عمق التوتّرات السوسيو-اقتصاديّة التي تعتمل خلف الكواليس.

إقرأ على موقع 180  ملحمة العودة.. مسيرة لن تنتهي!

وتتجلى الكارثة الاقتصاديّة المعاصرة في مفهوم تكلفة الفرصة البديلة، فعندما تنفق دولة نامية أو متوسّطة الدخل مليارات الدولارات لبناء ملاعب كرة قدم عملاقة تتوافق مع شروط الفيفا الصارمة، فإنها تقتطع هذه الأموال مباشرة من ميزانيّات الرعاية الصحيّة، والتعليم، والإسكان الاجتماعيّ، والنقل العامّ.

ففي تجربة جنوب إفريقيا 2010، وُعد الشعب بنهضة اقتصاديّة شاملة، لكن في الواقع، حقق المونديال أرباحاً صافية للفيفا تقدّر بمليارات الدولارات، في حين منيت الدولة بخسائر ماليّة صافية هائلة تجاوزت المليار دولار، واعترفت وزيرة الإسكان آنذاك بأن البرامج الحكوميّة لبناء مئات الآلاف من الوحدات السكنيّة لمحدودي الدخل تمّت مراجعتها وتجميدها لتمويل الملاعب، التي تحوَّل معظمها لاحقاً إلى ما يُعرف بالفيلة البيضاء، وهي منشآت ضخمة مكلّفة للغاية في صيانتها ولا تُستخدم إلا نادراً بعد نهاية البطولة، لتقف كشواهد خرسانيّة على إهدار المال العامّ.

وتكرّرت المأساة ذاتها بشكل أكثر حدّة في البرازيل عام 2014، حيث أنفقت الحكومة البرازيليّة نحو 3.6 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب لبناء وتجديد الملاعب، مثل ملعب ماناوس في قلب الغابات التي لا يوجد فيها أي نادٍ من أندية الدرجة الأولى، وأدّى هذا التفاوت الصارخ إلى انفجار تظاهرات شعبيّة عارمة قبل البطولة وخلالها، ورُفعت في شوارع ريو دي جانيرو وساو باولو لافتات شهيرة تطالب بمدارس ومستشفيات بمعايير الفيفا، في تعبير بليغ عن رفض الشعب لتقديم رفاهيّة النخب الحاكمة ورجال الأعمال على الحقوق الأساسيّة للمواطنين الفقراء في الأحياء العشوائيّة.

عندما تتحوَّل الملاعب إلى مقابر للفقراء

إن خطورة التوظيف النخبويّ للشغف الكرويّ لا تتوقف عند الاستغلال الماليّ والسياسيّ، بل قد تتعداه لتصبح وقوداً مباشراً لصراعات دمويّة مسلّحة تزهق فيها أرواح الفقراء لمصلحة استقرار الأنظمة الحاكمة. ويتجلّى ذلك تاريخياً في صيف عام 1969، عندما تحوَّلت مباريات التصفيات المؤهّلة لكأس العالم 1970 بين الجارتين السلفادور وهندوراس إلى شرارة أشعلت حرباً عسكريّة حقيقيّة دامت مئة ساعة وتسبَّبت في مقتل وتشريد الآلاف فيما عُرف بحرب كرة القدم. في العمق، لم تكن كرة القدم هي السبب، بل كانت هناك أزمات سوسيو-اقتصاديّة حادّة تتعلّق بالهجرة غير الشرعيّة، وإصلاح الأراضي الزراعيّة، والتوتّرات الطبقيّة بين الفلاحين في البلدين. استخدمت النخب السياسيّة الحاكمة التعصّب الجماهيريّ الأعمى لتوجيه الغضب الشعبيّ الداخليّ نحو عدو خارجيّ وهميّ وتفريغ الأزمات البنيويّة للنظام الرأسماليّ في محرقة الحرب، مما يبرز كيف يصبح الملعب في الأوقات الحرجة مصيدة لتشتيت الوعي الطبقيّ للجماهير.

هذا الرخص التاريخيّ في التعامل مع الأرواح البشريّة في سبيل الحسابات النخبوّية والتراكم الرأسماليّ تجسَّد في أبشع صوره الحديثة خلال التحضيرات لمونديال قطر 2022، حيث فُتح الباب على مصراعيه لمناقشة حقوق العمال المهاجرين في مشاريع البنية التحتيّة. فلسنوات طويلة سبقت البطولة، تدفّق مئات الآلاف من العمال من دول جنوب آسيا وإفريقيا مثل نيبال، وبنغلاديش، والهند، وكينيا لبناء الملاعب والفنادق وشبكات المترو. واصطدم هؤلاء العمال بنظام قانونيّ واقتصاديّ مجحف تمثَّل في نظام الكفالة، الذي منح أصحاب العمل سلطات شبه مطلقة على حركة العمال، ما فتح الباب أمام انتهاكات واسعة النطاق شملت مصادرة جوازات السفر، وتأخير أو عدم دفع الأجور، والسكن في معسكرات مزدحمة تفتقر لشرط العيش الكريم، والعمل الشاق في ظروف مناخيّة شديدة القسوة والحرارة دون إجراءات سلامة كافية.

وثّقت منظمات حقوقيّة دوليّة مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدوليّة، بالإضافة إلى تقارير استقصائيّة ومراكز حقوقيّة مثل إيكويدم، آلاف حالات الوفاة غير المبرَّرة بين العمال الشباب، والتي تمّ تسجيل الكثير منها تحت بند أسباب طبيعيّة أو فشل قلبيّ للتهرّب من المسؤوليّة القانونيّة والتعويضات الماديّة. وبرغم الثروات الفلكيّة والأرباح القياسيّة التي جنتها الفيفا من تلك النسخة، والتي تجاوزت 7.5 مليار دولار، إلا أن المنظومة الدوليّة تملَّصت لفترات طويلة من إنشاء صندوق تعويضات فعّال ومستقلّ لعائلات الضحايا والعمال الذين تعرَّضوا لسرقة أجورهم، ويعكس هذا الواقع جانباً بنيويّاً من المنظومة الرأسماليّة العولميّة، حيث تُعامل العمالة المهاجرة المستضعفة كوقود رخيص ومستهلك في خدمة مشهد ترفيهيّ عالميّ تستهلكه النخب.

رأسماليّة الاحتفال.. وحصانات الفيفا

إن تحليل الحاضر والمستقبل يشير إلى أن قطار التسليع والاستغلال الرأسماليّ لا يتوقف، بل يندفع بسرعة أكبر مستغلاً غياب الرقابة الدوليّة وتحوَّل الفيفا إلى سلطة فوق قوميّة تفرض إرادتها على سيادة الدول. وعندما تفوز دولة ما بحق استضافة كأس العالم، فإنها توقّع على اتفاقيّات استضافة تتضمَّن بنوداً مجحفة تمسّ السيادة القانونيّة الاقتصاديّة للدولة، وتلزم الفيفا الحكومات بإنشاء ما يشبه المناطق الاقتصاديّة الخاصّة حول الملاعب والفنادق، حيث تُعفى الشركات الراعية للفيفا من كافة القوانين الضريبيّة المحليّة، وقوانين حماية المستهلك، وحتى بعض قوانين العمل. والأخطر من ذلك، أن اتفاقيّات الاستضافة الحديثة تشترط حماية الفيفا وتعويضها بالكامل ضد أي خسائر قد تنجم عن الاحتجاجات الشعبيّة، أو الإضرابات العماليّة، أو الاضطرابات المدنيّة، بمعنى آخر، تطالب الفيفا الدول باستخدام أجهزتها الأمنيّة لقمع أي صوت يعترض على البطولة تأميناً لتدفّق أرباح الشركات المتعدّدة الجنسيّات.

وتأتي بطولة كأس العالم 2026، التي تستضيفها ثلاث دول هي الولايات المتّحدة والمكسيك وكندا، بمثابة التجسيد الأقصى لهذا التحوّل البنيويّ والتوحّش التجاريّ، فمن خلال توسيع عدد الفرق المشاركة إلى 48 منتخباً وزيادة عدد المباريات بشكل غير مسبوق، يسعى الفيفا إلى تعظيم عوائد البث التلفزيونيّ ومبيعات التذاكر والرعاية إلى مستويات فلكيّة.

وتشير التحليلات الاقتصاديّة، مثل تقرير مجموعة ناتيكسيس وجروب بي بي سي إي، إلى أن العوائد الاقتصاديّة الكليّة للدول المستضيفة ستكون محدودة للغاية وذات طابع مؤقّت في قطاع الخدمات الترفيهيّة فقط، في حين ستتحمَّل المدن المستضيفة كلفاً أمنيّة وتنظيميّة هائلة تُقدَّر بأكثر من 82 مليون دولار للمباراة الواحدة في بعض المدن البارزة. وفي المقابل، يتمّ إقصاء الشركات المحليّة والمشروعات الصغيرة ومنعها تماماً من ممارسة أي نشاط تجاريّ أو تسويقيّ في محيط البطولة لحماية احتكارات الرعاة الكبار والماركات العالميّة العابرة للقارات، وهذا ما يُحوَّل الحدث إلى عمليّة تصفية اقتصاديّة لمصلحة رأس المال العولميّ الكبير على حساب المجتمعات المحليّة الكادحة.

استعادة اللعبة الشعبيّة من أيدي السماسرة

تظهر القراءة التاريخيّة والتحليل السوسيوسياسيّ لكأس العالم أن هذه البطولة لم تكن يوماً مجرّد كرة تدور في تسعين دقيقة، بل كانت مرآة عاكسة لأسوأ تجلّيات المنظومة السياسيّة والاقتصاديّة العالميّة. من تلميع وجه الفاشيّة والنازيّة والديكتاتوريّات العسكريّة، إلى الخديعة الاقتصاديّة وإفقار المجتمعات النامية عبر مشاريع الفيلة البيضاء، وصولاً إلى إشعال الحروب واستغلال دماء وعرق العمال المهاجرين في ظل الرأسماليّة العولميّة الشرسة.

إن كأس العالم يعيش اليوم أزمة هويّة حادّة وأزمة مشروعيّة أخلاقيّة، فاللعبة التي ولدت من رحم المعاناة اليوميّة للشغيلة والعمال في أحياء العالم الفقيرة، وتميّزت ببساطتها وقدرتها على تحقيق العدالة والفرص المتساوية على أرض الملعب، باتت تُدار من غرف زجاجيّة مغلقة في زيوريخ بعقليّة الجشع والسرّيّة والفساد التي لا ترى في الإنسان سوى رقماً في معادلة الأرباح.

إن مواجهة هذا التوحّش تفرض على الحركات الاجتماعيّة، والمنظمات الحقوقيّة، وروابط المشجعين حول العالم، التوقّف عن التعامل مع المونديال بوصفه مجرّد متعة بريئة، والبدء في الضغط من أجل فرض رقابة ديموقراطيّة صارمة على مؤسسة الفيفا، وإجبارها على احترام حقوق الإنسان وقوانين العمل، وإلغاء الامتيازات الضريبيّة المجحفة.

نعم، لا بد من إعادة إحياء الفكرة الأساسيّة بأن كرة القدم هي ملكيّة عامّة للشعوب، وليست منصة لتراكم رأس المال؛ فاللعبة الجميلة تستحق أن تُستعاد من أيدي السماسرة والشركات الاحتكاريّة لتعود إلى أصحابها الأصليّين: أولئك الذين يلعبونها في الحارات، والحدائق العامّة، وفوق الملاعب الترابيّة وفي الفافيلات والمجمّعات السكنيّة الفقيرة، بحثاً عن بهجة حقيقيّة لا تلوّثها دماء المستضعفين أو جشع الأقوياء.

Print Friendly, PDF & Email
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  ما أشبه اليوم بالأمس!