لبنان.. ماذا يبقى من الحزب إذا سُحبت منه الطائفة؟

جان عقلجان عقل01/07/2026
لنجرب اختبارًا بسيطًا، وإن كان محرجًا بعض الشيء. خذ صفحات من شرعات أحزاب لبنانية مختلفة، انزع عنها الأسماء والشعارات وصور المؤسسين، ثم اقرأها على مناصرين متحمسين. قد يعرف أحدهم تاريخ حزبه كما يعرف تاريخ عائلته، ويستحضر في دقائق أسماء الخصوم والحلفاء والمعارك القديمة، لكنه قد يتردد أمام النص نفسه: أيّ هذه الشرعات شرعته، وأيّها شرعة الحزب الذي يقف ضده؟

ليس لأن الأحزاب نسخ عن بعضها. لكل منها ذاكرة وبيئة ورموز وجرح تعرف كيف تستدعيه عند الحاجة. لكن هذه الفوارق لا تظهر دائمًا في النصوص التأسيسية. حين تُسحب الأسماء، تتقارب العبارات حتى تبدو كأنها خرجت من مطبعة واحدة: دولة، عدالة، إصلاح، ومواطنة؛ كلمات تصلح لكل حزب لأنها لا تُجبر أيًّا منهم على شيء.

لا تُسمّي الأحزاب الطائفية نفسها بما تؤديه فعلاً. لا يظهر أحد أمام الناس بعنوان «الحزب الماروني» أو «الحزب الشيعي» أو «الحزب السني» أو “الحزب الدرزي”، لأن الاسم، حين يُقال عاريًا، يكشف ضيق الجماعة ويُسقط ادعاء الوطن والتعايش. لذلك تُكسى الطائفة بأسماء أوسع منها: وطنية، حرّة، تقدّمية، مقاومة، إصلاحية؛ وتُلحق بها شرعة عامرة بالدولة والعدالة والمواطنة.

ليست المشكلة في أن يكون للحزب اسم جميل، بل في أن يتحول الاسم إلى قناع. عندها تصبح الوطنية حبرًا لا يصل إلى القرار، وتغدو الشرعة ترجمة مهذبة لما يتعذر قوله صراحة: لسنا حزب فكرة بقدر ما نحن جماعة تريد أن تحمي موقعها، وأن تحتفظ بحصصها وبحق الكلام بإسمها.

وهذه ليست تهمة للمنتسبين بأنهم لا يقرأون؛ فبعضهم يقرأ ويحفظ ويدافع عن مبادئ يراها في حزبه. لكن السؤال ليس كم شخصًا قرأ الشرعة، بل هل كانت هذه الشرعة يومًا هي طريق الدخول إلى الحزب؟ لنقل أن شابًا مسيحيًا قرر البدء بتعاطي الشأن العام، هل يقرأ شرعات التيار العوني (الباسيلي حاليًا) أو القوات اللبنانية أو الكتائب ويقرر الإنتساب لمن يقنعه منها أكثر؟ لا حاجة للإجابة.

ولا تدخل الطائفة وحدها. تدخل معها العائلة السياسية ووراثة الزعامة والبلدة التي تمنح ولاءها قبل أن تعرف ماذا يقول البرنامج. وحين يصبح النفوذ امتدادًا لاسم موروث، لا يعود الحزب تنظيمًا سياسيًا بقدر ما يصبح ترتيبًا اجتماعيًا قديمًا يتكلم بلهجة حديثة. الطائفة هي السقف، والإقطاعية إحدى الأعمدة التي تحمله

ولهذا بقيت الشرعات نظيفة: لم تُختبر بما يكفي كي تُحاسَب.

الحرب تُبدّل المعاني

بعض هذه الأحزاب أقدم من الأسئلة التي تتظاهر اليوم بأنها تجيب عنها. وُلدت في زمن كانت فيه القومية والاشتراكية والشيوعية خرائط صراع حقيقية، ثم بقيت الأسماء بعدما تبدلت الأرض تحتها. وفي أحزاب أخرى، لم تكن الفكرة هي التي صنعت الزعيم، بل الزعيم هو الذي أعطى الفكرة اسمها ووزنها. في حالات كحزب الوطنيين الأحرار وتيار المستقبل والتيار الوطني الحر، ارتبطت هوية الحزب العامة بالشمعونية أو الحريرية أو العونية أكثر من ارتباطها بأي برنامج مكتوب. بل بخيارات اتخذها زعيمها (ولو كانت خاطئة) في مرحلة مصيرية ما. لذلك قد يرث الحزب شرعته كما يرث البيت صورة مؤسسه: يحتفظ بها احترامًا، ثم يُعاد ترتيب الغرف حول من يمسك بالمفتاح.

قبل ذلك، كُنا قد اختبرنا الحرب الأهلية؛ حربٌ بدّلت معنى الحزب والغاية منه. القوى التي انخرطت فيها لم تعد تُقاس بما تعد به أو تسعى لأجله، بل بما تقدر على حمايته وفرضه وإدارته. لم تُمزَّق الشرعات في الحرب؛ وُضعت في الأدراج، فيما كانت شرعة أقوى تُكتب عند الحواجز وخطوط التماس وخرائط النفوذ: شرعة الأمر الواقع. تعلّم الحزب أن القوة قد تختصر البرنامج، وأن الزعيم الذي يؤمّن الحماية والموارد لا يضطر كثيرًا إلى العودة إلى النص الذي يفترض أن يقيّده.

بعد انتهاء الحرب الأهلية، عاد كثيرون إلى السياسة وهم يحملون هذا الدرس: بقيت الكلمات القديمة على الواجهات، لكن الحزب الذي خرج من الحرب لم يعد الحزب الذي دخلها.

حتى اليمين واليسار فقدا معناهما في الاستعمال اللبناني. صار اليمين، في الغالب، اسمًا آخر لبيئة مسيحية أو لموقف سيادي؛ وصار اليسار قربًا من العروبة أو فلسطين أو محور إقليمي. لكن الموقف من فلسطين لا يجعل حزبًا يساريًا تلقائيًا، كما أن الشعار السيادي لا يصنع يمينًا سياسيًا. اليسار يُختبر حين يختار الحزب بين العامل وصاحب النفوذ، بين ضريبة تصيب الثروة وضريبة تقع على الاستهلاك. واليمين يُختبر حين يشرح أين تنتهي حرية السوق وأين يبدأ واجب الدولة في منع الاحتكار.

اللغة المتباعدة.. حزبياً

ومن أقصى المسيحية السياسية إلى أبعد الإسلام السياسي، تتباعد اللغة إلى حد يبدو معه اللقاء مستحيلًا. ثم تأتي لحظة نفوذ حقيقية فتظهر لغة أخرى: هل يمكن لأي طرف أن يغيب عن المكان الذي تمرّ عبره القرارات؟ ففي انتخابات بلدية بيروت عام 2025، اجتمعت في لائحة «بيروت بتجمعنا» قوى تتصارع عادة على السيادة والسلاح والإقليم والمبادئ ونهائية لبنان؛ من القوات والكتائب والتيار إلى حزب الله وأمل، ومعها قوى أخرى مثل الأحباش والمخزومي. كان عنوان التوافق حماية المناصفة، وهو هاجس مفهوم في عاصمة حساسة. لكن البلدية ليست شعارًا: إنها مدينة، وعمران، وخدمات، ومفاتيح نفوذ. لذلك كان الغياب عن مجلسها أقسى من الجلوس في صورة واحدة تجمع الَاضداد.

إقرأ على موقع 180  السلام اللبناني الهش.. وهواجس الاقتتال الأهلي

لذلك يبدو اسم الحزب أحيانًا كقميص يُرتدى فوق معطف: في غير موضعه، لا يغيّر ما تحته، لكنه يصرّ على أن يراه الناس أولًا. فما الذي يبقى من «التقدمي الاشتراكي» مثلًا إذا لم يكن السؤال عن العمل والعدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة هو أول ما يستدعيه اسمه في ذهن الناس، قبل صورة أنه حقيقةً يمثل طائفة؟ وحين تقفز صورة الزعامة الموروثة قبل صورة الصراع الاجتماعي، تتحول الاشتراكية إلى لافتة قديمة بقيت معلقة على بناء تغيّر سكانه.

والتيار الوطني الحر يقدّم مثالًا من جهة أخرى. فميثاقه الصادر عام 2007 يتطلع إلى دولة لبنانية سيدة حرّة مستقلة، لكن تفاهم مار مخايل الذي سبقه بعام، وأبرمه التيار مع حزب الله، جعل سؤال السلاح يُدار بمنطق المقاومة والاستراتيجية الدفاعية، لا بوصفه امتحانًا نهائيًا لمعنى سيادة الدولة.

ليست المشكلة أن حزبًا يبدّل موقفه؛ فالأحزاب تفعل ذلك في كل مكان. المشكلة أن نصًا قد يبقى حيًا على الرف، فيما يصبح نص آخر أقدر على تفسير الحزب أمام جمهوره. لا تختفي الشرعة؛ لكنها تتراجع إلى الخلف.

الحزب بلا طائفته

هنا تفيد ملاحظة غوستاف لوبون في «سيكولوجية الجماهير»، لا كحكم نهائي على الناس بل كعدسة قديمة: الجماعة لا تتحرك دائمًا بالحجة المفصلة بقدر ما تتحرك بالصورة والتكرار ووعد الحماية. وهذا ما يفهمه زعيم الحزب اللبناني. أمام جمهوره، يستدعي الخطر والخوف والجرح والذاكرة كي يبدو حارسًا؛ وأمام الزعيم الخصم، يتكلم بلغة أبرد، لأن من يهاجمه على المنبر قد يحتاجه غدًا في لائحة أو تسوية. ليست المشكلة أن الجمهور ساذج، بل أن السياسة نفسها تعلّمه أن يخاف قبل أن يسأل.

فالحزب اللبناني غالبًا لا يطلب من المنتسب أن يفهم العالم، بل أن يعرف مكانه فيه. لا يبدأ بتعليمه كيف يختلف مع الآخرين، بل بمن يجب أن يحذر منهم. وتلك هي اللحظة التي يتحول فيها الحزب من فكرة قابلة للنقاش إلى هوية يصعب لمسها.

فالمؤمن بفكرة ما يستطيع أن يسأل حزبه: لماذا انحرفت؟ أما المؤمن بالجماعة، فيخشى أن يبدو السؤال نفسه خيانة.

عندها لا يعود المعيار أن يحافظ الزعيم على شرعة الحزب، بل أن يبقى الزعيم نفسه. فإذا ناقضها، لا يُحاسَب لأنه خان فكرة، بل يُؤيَّد لأنه، في نظر جماعته، ما زال حارسها؛ ويصبح الحزب، كتنظيم له غاية ونص، مجرد ظلٍّ لشخصه.

ربما هنا تكمن الوظيفة الحقيقية للشرعة. ليست دستورًا داخليًا يقيّد الزعيم، ولا عقدًا سياسيًا يتيح للمنتسب أن يحاسبه، بل أثرًا محترمًا يثبت أن للحزب لغة نبيلة. الشرعة تشبه صورة الجد في بيت كبير: لا أحد يجرؤ على إسقاطها من الحائط، لكن أحدًا لا يتوقف طويلًا ليسأل ماذا كان سيقول لو رأى ما يجري في الغرف الأخرى.

وهكذا يصبح الحزب أقل من فكرة وأكثر من قفص. لا يطلب منك أن تؤمن به؛ يكفي أن تخاف من الخروج منه. لا يقيس ولاءك بمدى فهمك لشرعته، بل بمدى استعدادك لأن تصمت حين يناقضها، وأن تعتبر الشك نفسه بابًا إلى العزلة.

عندها لا تكون الشرعة كذبة بالمعنى البسيط. تكون نصًا جميلًا وُضع في المكان الخطأ. كان يفترض أن يكون مرآة يقف الحزب أمامها، فتحول إلى ستارة تغطي ما لا يريد أحد رؤيته.

لهذا لا يكون السؤال: لماذا لا تطبق الأحزاب شرعاتها؟ فالسؤال يفترض أنها كانت تنوي ذلك ثم قصّرت. السؤال الأصعب هو: ماذا يبقى من الحزب إذا أزلنا عنه اسم الطائفة، وذاكرة الخوف، وصورة الزعيم؟

قد يبقى تاريخ طويل. وقد يبقى نص جيد. لكن هل يبقى حزب؟

هذا ما لا نجرؤ على اختباره، لأننا قد نكتشف أن الشرعة التي لا يقرأها أحد لم تكن تخفي فكرة مهملة، بل فراغًا واسعًا اتفقنا، طوال عقود، على تسميته “سياسة” أو “فن الممكن”!

Print Friendly, PDF & Email
جان عقل

كاتب لبناني

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  العلاقات الأميركية الإسرائيلية.. على نار الملفات الخلافية