زيلينسكي يُحرق نفط روسيا.. وبوتين الأضعف منذ 5 أعوام

حجبت حرب إيران في الأشهر الأربعة الأخيرة، الحرب الأخرى التي تدور بين روسيا وأوكرانيا منذ خمسة أعوام. وانهمكت الولايات المتحدة عسكرياً وسياسياً في كيفية تخفيف آثار إغلاق إيران لمضيق هرمز وما تسبب به من خنق للاقتصاد العالمي وارتفاع في مسويات التضخم، على خلفية الصدمة النفطية الأخطر في العالم منذ صدمتي حرب أكتوبر 1973 وانتصار الثورة الايرانية في العام 1979.   

وقطعت حرب إيران أيضاً جهود الوساطة التي كان يقودها المبعوث الأميركي المتعدد المهام ستيف ويتكوف يعاونه جاريد كوشنر، لإقناع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالقبول بوقف النار استناداً إلى مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي تتضمن أيضاً تنازل أوكرانيا عن جزء من أراضيها في الشرق، في مقابل وقف النار والشروع في البحث عن تسوية سياسة، من بينها ضمانات أوروبية لأوكرانيا. كانت آخر مرة جمع فيها ويتكوف وكوشنر الوفدين الروسي والأوكراني في شباط/فبراير الماضي بسويسرا، أي قبل أيام فقط من الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران في 28 من الشهر عينه. ويستشف من مواقف موسكو وكييف الأسبوع الماضي، أن العاصمتين تنتظران عودة ويتكوف وكوشنر، في أقرب فرصة لاستئناف الوساطة بينهما.

المفارقة، هي أن المئة يوم الأخيرة من الحرب الروسية-الأوكرانية، لم تشهد تحريكاً مهماً في خطوط الجبهة، وإنما انتقلت الهجمات إلى عمق الأراضي في البلدين، بواسطة المسيّرات بعيدة المدى. هذه الهجمات نقلت اليد العليا في الحرب من موسكو إلى كييف. ورفع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي شعار تكثيف الضربات على مصافي النفط والبنى التحتية الروسية إلى المستوى الذي يجعل بوتين يقبل بوقف الحرب، التي يقدر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي أنها تسببت بأكثر من مليوني قتيل وجريح من القوات المسلحة للبلدين، وباتت هذه الحرب أطول من الحرب العالمية الأولى، وكذلك أطول من الحرب العالمية الثانية.

وبعدما كان العالم يخشى أن يستغل بوتين انشغال أميركا بحرب إيران، كي يشن هجمات برية جديدة، إذ بزيلينسكي يمسك بزمام المبادرة، وينقل النار إلى العمق الروسي، على نحو غير مسبوق منذ بدء الحرب بين البلدين. أفرز هذا التصعيد تحول روسيا من مُصدّر رئيسي للوقود إلى مستورد!

صحيح أن أوكرانيا تستهدف منشآت الطاقة الروسية منذ سنوات. لكن القوة النارية للمسيّرات الأوكرانية سجلت تزايداً كبيراً، كماً ونوعاً ومديات. وبلغت مناطق لم تبلغها من قبل، عندما استهدفت مصافٍ للنفط في مدينة تيومين السيبيرية على مسافة 1200 ميل من الحدود الأوكرانية.

وكانت أكثر الضربات مشهدية هي عندما أشعلت مسيّرة أوكرانية مصفاة موسكو الرئيسية في 18 حزيران/يونيو الماضي، بينما كان سكان العاصمة يشاهدون مذهولين الدخان المتصاعد. ونجحت المسيّرات الأوكرانية في تحويل أنظار المشاركين في مؤتمر فالدي للاستثمار الذي انعقد في سان بطرسبرج أوائل حزيران/يونيو الماضي، عن جدول الأعمال إلى الحرائق التي اندلعت في مصفاتين للنفط ومطار عسكري وقاعدة بحرية رئيسية في عاصمة القياصرة السابقة.

الضربات الأوكرانية لا تستهدف فقط التدمير المادي، وإنما التسبب بأثر نفسي لا يقل فداحة. وهذا حال العرض العسكري السنوي في الساحة الحمراء في 8 أيار/مايو، الذي اعتاد الروس أن يشاهدوا فيه آخر الاختراعات العسكرية في اليوم الذي يكتسب لديهم قيمة وطنية كبرى، عندما كانت جيوش ستالين تفرض الاستسلام على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية. هذه السنة كان العرض هزيلاً بسبب القلق من المُسيّرات الأوكرانية. والأدهى من ذلك، أن زيلينسكي تمادى في الحرب النفسية، عندما أعلن أنه يسمح لموسكو بتنظيم العرض ولن يهاجمه!

ويُقدّر الرئيس السابق لرسم الاستراتيجيات في شركة “غاز بروم نفت” الروسية العملاقة للطاقة سيرغي فاكولينكو، أنه حتى 20 حزيران/يونيو، تسببت الهجمات الأوكرانية، في إخراج 28 في المئة من قدرة مصافي النفط الروسية عن الخدمة. وللمرة الأولى منذ عقود، تخطط روسيا لاستيراد الوقود، بحسب ما أعلن الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، الذي تحدث عن إجراء مفاوضات مع دول عدة لهذا الغرض. وحظرت روسيا تصدير المشتقات البترولية مثل البنزين ووقود الطائرات. وأعلن بوتين أنه يدرس فرض حظر على تصدير المازوت أيضاً.

يضرب النقص في الوقود أنحاء روسيا، وتختلف حدته من منطقة إلى أخرى. وفي موسكو التي ظلت بمنأى نسبياً عن تأثيرات الحرب، تصطف طوابير من السيارات التي يلزمها ساعات من الانتظار لملء خزاناتها. ويمنع تعبئة أكثر من خمسة غالونات في المرة الواحدة.

وفي شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا بسهولة عام 2014، أعلنت السلطات المحلية حالة طوارىء إقليمية، وحظرت بيع الوقود لغير الوكالات الفيديرالية، مع تقنين قاس في التيار الكهربائي، مما أجبر الكثيرين على المغادرة. وتُكثّف أوكرانيا ضرباتها على المنطقة التي يعتبرها بوتين “المصدر الروحي لتشكّل الأمة الروسية”، ورمزاً لعودة روسيا قوة عظمى عقب انهيار الاتحاد السوفياتي. واستثمر فيها المليارات وشكلت ذات مرة وجهة سياحية مهمة. ويعمل الجيش الأوكراني على تدمير ممنهج للمصافي ومحطات الكهرباء في القرم، التي تعهد وزير الدفاع الأوكراني ميخائيلو فيدوروف بتحويلها إلى “جزيرة فعلية”، بقطع كل خطوط الإمداد الروسية إليها.

وتُعد القرم بمثابة رأس جسر لروسيا وقاعدة لإمداد جيشها في جنوب أوكرانيا، على رغم أن هجمات المسيّرات الأوكرانية قد أجبرت ما تبقى من أسطول البحر الأسود الروسي على الانسحاب إلى موانئ أكثر أمناً وبعداً. وإذا دمّرت أوكرانيا جسر كيرش الذي يصل بين البر الروسي والقرم، تصبح القوات الروسية المنتشرة في جنوب روسيا معزولة، وعرضة لشن الجيش الأوكراني هجوماً معاكساً عليها.

إقرأ على موقع 180  الحرب، الكساد، الإكتئاب.. وإحتمالات الفوضى الشاملة

معاناة الروس في القرم وفي أنحاء أخرى من البلاد، تبيح أسئلة كثيرة لدى الناس العاديين وحتى لدى النخب حول الجدوى من استمرار هذه الحرب التي بلغت طريقاً مسدوداً. وتظهر الاستطلاعات التي تجريها حتى معاهد تديرها الحكومة تراجعاً في شعبية بوتين في الأشهر الأخيرة، وتأييداً لوضع حد للحرب بنصر أو من دونه.

أمام هذا المأزق، لم تعد الضربات الانتقامية التي توجهها روسيا لكييف ومدن أوكرانية أخرى، كذاك الذي حدث في 2 تموز/يوليو الجاري، بالأمر المقنع للروس الذين بدأوا يميلون في غالبيتهم إلى وضع حد لحرب كان يظن أنها ستستغرق ثلاثة أيام، فإذا بها تمضي في عامها الخامس.

المسار التصعيدي، ينذر بفتح جبهات جديدة. وأمهل زيلينسكي في 22 حزيران/يونيو بيلاروسيا، الحليف الأقرب إلى موسكو، سبعة أيام لتفكيك 4 محطات وسيطة، تقول كييف إن موسكو تستخدمها في شن هجمات بالمسيّرات على الأراضي الأوكرانية، ملوحاً باخذ إجراءات.

وفي المقابل، ظهر بوتين أكثر تحدياً بزيارة قام بها للجبهة في ثياب القتال، متوعداً بقضم مزيد من الأراضي الأوكرانية في مقاطعتي خاركيف وسومي بشمال أوكرانيا وانشاء “منطقة أمنية” عازلة على الحدود مع روسيا.

وفي انتظار عودة ويتكوف وكوشنر من الشرق الأوسط، تتجه روسيا إلى صيف أكثر سخونة، تحاول من خلاله أوكرانيا نقل الحرب إلى الاقتصاد الروسي، في ظل استحالة إحداث تغيير جذري في خطوط الجبهة العسكرية وبالتالي تغيير معادلات الحرب، فإذا استمر الضغط الأوكراني على قطاع الطاقة تتراجع قدرة روسيا على تمويل الحرب وقدرة الجيش الروسي على الإمداد ويصبح المجتمع الروسي أكثر ميلاً لانهاء الحرب التي كان يظن أن نيرانها ستبقى بعيدة عنه.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  "الدرزية السياسية".. بأطوارها الجنبلاطية (3/2)