ومن هنا تتجلى المفارقة التي طبعت التجربة اللبنانية طوال قرن تقريبًا؛ فكلما تكاثرت الزعامات، ازداد حضور الدولة هشاشة، وتعاظمت الحاجة إلى رجال دولة يمتلكون القدرة على تجاوز الانقسامات، وتحويل المصلحة الوطنية إلى بوصلة للعمل السياسي، والغاية الوطنية المشتركة إلى أساس لعقد اجتماعي مستقر.
وليس الفرق بين الزعيم ورجل الدولة فرقًا في المكانة أو النفوذ، بل في المرجعية والغاية؛ فالزعيم يستمد شرعيته من الجماعة التي يمثلها، أما رجل الدولة فيستمدها من الوطن الذي يوحّد الجميع. ولذلك لا يحاسب التاريخ الأمم بعدد زعمائها، بل بقدرتها على إنجاب رجال دولة يغيّرون مسارها، ويتركون وراءهم دولةً أقوى من الأشخاص، وغايةً وطنية أبقى من المصالح العابرة.
وقبل متابعة النقاش، يجدر التمييز بين أربعة مفاهيم يقوم عليها هذا المقال: الأفق الوطني بوصفه الغاية المشتركة، والمرجعية الوطنية بوصفها معيار الاحتكام، والدولة بوصفها التجسيد المؤسسي لهذه المرجعية، ورجل الدولة بوصفه القادر على ترجمة ذلك كله إلى ممارسة تاريخية.
***
تنطلق هذه الدراسة من فرضية قد تبدو مخالفة لما استقر في الأدبيات السياسية اللبنانية والعربية؛ فالأزمات التاريخية الكبرى لا تبدأ حين تعجز الدول عن إدارة السلطة، بل حين تعجز النخب عن إنتاج رجال الدولة. فعندما تصبح النخب قادرة على إعادة إنتاج الزعامات أكثر من قدرتها على إنتاج القيادة الوطنية، تتحول السياسة إلى إدارة دائمة للانقسام، ويغدو النظام السياسي انعكاسًا لأزمة أعمق من نصوصه ومؤسساته: أزمة في إنتاج الأفق الوطني الذي يجعل قيام الدولة ممكنًا أصلًا. ومن هنا، فإن السؤال الذي يحكم هذه الدراسة ليس: كيف تُدار السلطة؟ بل: كيف تُنتج النخب رجال الدولة، ولماذا تعجز عن إنتاجهم؟
وانطلاقًا من هذه المفارقة، لا يسعى هذا المقال إلى تقديم تفسير جديد للأزمة اللبنانية، بقدر ما يطرح سؤالًا أكثر تأسيسًا: كيف نجحت النخب اللبنانية، على امتداد قرن تقريبًا، في إعادة إنتاج الزعامات، بينما أخفقت في إنتاج رجال الدولة القادرين على بناء دولة تتجاوز الانقسامات، وتؤسس لمشروع وطني جامع؟
وفي مقاربة هذا السؤال، تتيح لنا قراءة توماس سويل في كتابه «المثقفون والمجتمع» توسيع زاوية النظر؛ إذ ينقل النقاش من الأشخاص إلى الأفكار التي صنعتهم، ومن مساءلة السياسيين وحدهم إلى مساءلة النخب التي صاغت الثقافة السياسية، وأسهمت في إعادة إنتاجها عبر الأجيال.
ولهذا رأى ماكس فيبر أن الدولة لا تقوم على القوة وحدها، بل على شرعية مؤسساتها، بينما تكشف تجارب أوتو فون بسمارك وشارل ديغول أن رجل الدولة لا يُقاس بما يحشد من أنصار، بل بما يؤسس من دولة، ويترك وراءه مؤسسات قادرة على الاستمرار بعد غيابه.
غير أن رجال الدولة لا تصنعهم المصادفات، بل تُنشئهم البيئة السياسية والثقافية التي ينشأون فيها. فكل مجتمع يعيد إنتاج النموذج القيادي الذي يكافئه؛ فإذا كانت المصلحة الوطنية معيار الشرعية والنجاح، برز رجال الدولة، أما إذا غلبت الولاءات الجزئية، وتقدمت العصبيات على المواطنة، تكاثرت الزعامات وتراجع حضور الدولة.
وعند هذه النقطة تتجلى خصوصية التجربة اللبنانية. فمنذ نشأة الدولة، أعادت النخب إنتاج بنية سياسية جعلت الولاءات الطائفية والفئوية تتقدم على المواطنة، ورسّخت ثقافةً قُدِّمت فيها الحماية على الحقوق، والنفوذ على المؤسسات، والتمثيل الجزئي على المصلحة العامة. وتعزز هذا المسار بقوانين انتخابية كرّست الانقسام، وبعوامل إقليمية ودولية فضّلت التعامل مع الزعامات أكثر من دعم مشروع وطني مستقل.
ولذلك لم يكن تكاثر الزعامات خللًا عابرًا، بل النتيجة الطبيعية لبنية سياسية وثقافة عامة كافأتا إدارة الانقسامات أكثر مما كافأتا تجاوزها. ومن هنا، لم يكن إخفاق النخب اللبنانية في عجزها عن إنتاج القادة، بل في عجزها عن إنتاج رجال دولة يجعلون المصلحة الوطنية معيارًا أعلى للعمل السياسي، والدولة المرجعية الجامعة لجميع اللبنانيين.
***
أول ما نتعلمه من توماس سويل أن النخب لا تُقاس بحجم حضورها الإعلامي، ولا بعدد كتبها، ولا بمكانتها الأكاديمية، بل بالأثر التاريخي لما تنتجه من أفكار. فإذا كانت النخب هي التي تصوغ الرؤى الكبرى للمجتمع، فمن الطبيعي أن تُسأل عن نتائجها؛ لأن مساءلة النخب ليست انتقاصًا من مكانتها، بل شرطًا من شروط نضج الحياة الوطنية.
غير أن الفكرة لا تتحول إلى قوة تاريخية بمجرد ولادتها، بل حين تجد مؤسسات تحتضنها، وثقافةً تستوعبها، ونخبًا قادرة على تحويلها إلى ممارسة اجتماعية وسياسية. ومن هنا، لا تُقاس قيمة النخبة بما تنتجه من أفكار فحسب، بل بقدرتها على تحويلها إلى قوة فاعلة تسهم في بناء الدولة، وتوجيه المجتمع، وصياغة مستقبله.
غير أن النخب لا تتشكل في فراغ، بل داخل بيئة ثقافية وسياسية تصوغ رؤيتها للدولة والمجتمع. ولهذا رأى أنطونيو غرامشي أن دور المثقف يتجاوز إنتاج الأفكار إلى بناء الإطار الثقافي الذي تتشكل داخله فكرة المجتمع عن الدولة والوطن، ويضيف فوزي البدوي أن هذه الوظيفة تظل رهينة فضاء سياسي يتسع للنقد أو يضيق به. وفي الحالة اللبنانية، انشغل جانب من النخبة الثقافية، لعقود، بتبرير الانقسامات أكثر من نقدها، وبالدفاع عن الجماعات والأيديولوجيات أكثر من الإسهام في بلورة مشروع وطني جامع. وهكذا لم تكن أزمة المثقف اللبناني أزمة معرفة، بقدر ما كانت أزمة وظيفة حضارية، أفضت إلى تراجع دوره النقدي، وتغلّب السرديات الطائفية والأيديولوجية على المجال العام.
لقد امتلكت النخب اللبنانية، على امتداد عقود، أفكارًا وشعارات بدت متماسكة وجذابة، غير أن التجربة أثبتت أن قيمة الفكرة لا تُقاس بجاذبيتها النظرية، بل بقدرتها على الصمود أمام اختبار الواقع؛ فالتاريخ لا يحاكم الشعارات، بل ما تتركه من أثر في حياة الأمم.
فالدولة لا تبدأ بالمؤسسات وحدها، بل بالفكرة المؤسسة التي تمنحها مشروعيتها وتحدد غايتها. ومن هذه الفكرة يولد رجال الدولة، لا من توازنات السلطة ولا من حسابات السياسة اليومية.
وهنا يبرز السؤال الفلسفي الأعمق: لماذا يحتاج المجتمع إلى غاية سياسية مشتركة؟ لأن الدولة لا تقوم بالقوانين والمؤسسات وحدها، بل بما يوحّد الإرادة العامة، ويحوّل الجماعة من أفراد يتقاسمون الإقليم إلى مجتمع يتقاسم المصير.
فإذا غابت هذه الغاية، تحولت السياسة إلى إدارة للمصالح، والمؤسسات إلى هياكل بلا روح، وغدا الاختلاف مصدرًا للانقسام بدل أن يكون مصدرًا للتكامل، وفقدت الدولة قدرتها على أن تكون المرجعية الجامعة التي يلتقي عندها الجميع.
ومن هذا المنطلق، لم يكن إخفاق النخب اللبنانية في قلة الأفكار أو المشاريع، بل في عجزها عن بلورة أفق وطني مشترك. فقد اختلفت حول هوية لبنان وموقعه وأولوياته، فتحول الخلاف من تنافس على السياسات إلى نزاع على الأسس التي تقوم عليها الدولة، وتعذر قيام مرجعية وطنية جامعة أو عقد اجتماعي يحتكم إليه الجميع.
ولعل هذا ما يسمح، في تقديرنا، بإعادة تعريف جوهر الأزمة اللبنانية؛ فهي ليست، في عمقها، أزمة نظام سياسي، ولا أزمة توزيع للسلطة، ولا حتى أزمة نخب بالمعنى التقليدي، بل أزمة في إنتاج الأفق الوطني الجامع. فعندما تعجز النخب عن بلورة هذا الأفق، تفقد الدولة مرجعيتها، وتتحول السياسة من مشروع لبناء المستقبل إلى إدارة دائمة للانقسام.
وحين يعجز الفكر عن إنتاج مرجعية وطنية جامعة، تنحصر السياسة في إدارة الانقسامات، وتغدو التسويات المؤقتة بديلًا من الإصلاح، وتقاسم النفوذ بديلًا من بناء المؤسسات، فتتجدد الأزمات ويبقى المأزق على حاله.
وفي هذا السياق، يلتقي فوزي البدوي مع توماس سويل عند معيارٍ جوهري واحد: فالنخب لا تُقاس ببلاغة خطابها، بل بالأثر التاريخي لأفكارها في بناء الدولة وتنمية المجتمع. ولذلك فإن مسؤوليتها تبدأ من نتائج ما تنتجه، لا من حسن نواياها.
***
لم يكن مأزق لبنان في أي مرحلة من مراحل تاريخه في تعدد مكوناته، بل في عجز النخب عن الارتقاء بهذا التعدد إلى مشروع وطني جامع. فالتاريخ يثبت أن الأمم لا تنهض بإلغاء اختلافاتها، بل بامتلاك نخب تجعل الولاء للدولة سابقًا على سائر الولاءات.
ومن هنا، لا يواجه لبنان تحدي التخلص من تنوعه، بل تحدي إنتاج نخب قادرة على تحويله إلى مصدر قوة، وإعادة بناء ثقافة سياسية تجعل الاختلاف سبيلًا إلى بناء الدولة، لا ذريعةً لتقاسمها.
فرجال الدولة لا تصنعهم الانتخابات وحدها، بل تصنعهم ثقافة تؤمن بالمواطنة، ومؤسسات تكافئ الكفاءة، ونخب تمتلك شجاعة مراجعة أفكارها كلما كشفت التجربة حدودها. فالدولة التي تعجز نخبها عن نقد ذاتها، تعجز كذلك عن إنتاج قادة قادرين على تجاوز أزمات الواقع وصناعة المستقبل.
وهنا تتضح الخلاصة التي تقود إليها هذه القراءة. فمأزق لبنان لم يكن، في جوهره، أزمة نظام سياسي أو توازنات طائفية فحسب، بل أزمة نخب أخفقت في إنتاج المرجعية الوطنية التي تمنح الدولة غايتها، وتوحد المجتمع حولها.
ولذلك، لا يبدو السؤال الذي يواجه لبنان اليوم: من يحكم؟ بل: أيُّ نخبٍ نريد؟ وهل تستطيع النخب المقبلة أن تتجاوز منطق الزعامة إلى منطق الدولة، ومن إدارة الانقسام إلى بناء الوحدة، ومن الدفاع عن المصالح الجزئية إلى تأسيس المصلحة الوطنية العليا؟
إن الأمم لا تُقاس بعدد زعمائها، بل بقدرتها على إنتاج نخب تمنح الدولة غايتها، ورجال دولة يحوّلون تلك الغاية إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى عقدٍ وطني، والعقد الوطني إلى مستقبلٍ مشترك. فالتاريخ لا يخلّد من امتلكوا السلطة، بل من امتلكوا الفكرة التي غيّرت مصير أوطانهم.
وإذا كانت النخب اللبنانية قد نجحت، طوال قرنٍ تقريبًا، في إعادة إنتاج الزعامات، فإن امتحانها التاريخي الحقيقي يبدأ يوم تنجح في إعادة إنتاج الفكرة المؤسسة للدولة، والأفق الذي يوحّد المجتمع، والمرجعية التي تسمو على الانقسامات. فالدولة لا تُبنى بتوازنات القوة وحدها، بل بتوازنات الغايات؛ ولا تستقر بالنصوص والمؤسسات وحدها، بل بالإرادة الوطنية التي تمنحها روحها وغايتها.
فالدول لا تبدأ يوم تُكتب دساتيرها، بل يوم تنجح نخبها في إقناع مواطنيها بأن وطنهم يستحق أن يبقى.
وعندئذٍ فقط، يصبح الاختلاف ثراءً لا انقسامًا، والتعدد قوةً لا عبئًا، والسياسة فعلَ بناءٍ لا إدارةً دائمةً للأزمات. وهناك فقط، يغادر لبنان زمن الزعامات، ويبدأ زمن الدولة.
