الشيخان الجواهري وهمنغواي.. البحر والمقاهي والنساء (4)

ليس من المعتاد أن يجتمع محمد مهدي الجواهري وإرنست همنغواي في نص واحد. لكن البحر، والمنافي، والمقاهي، والنساء، قادرة على نسج حوار يتجاوز اللغة والجغرافيا. من هذا التقاطع، تنطلق هذه الرحلة بين شاعرٍ عراقي وروائي أميركي، جمعتهما شغفات الحياة أكثر مما فرّقت بينهما المسافات.

الجواهري وفيلّا «لافيهيا»

كنت وأنا أتجوّل في فيلّا همنغواي «لافيهيا»، التي تبعد نحو 20 كيلومتراً عن هافانا، أستعيد مع نفسي قصيدة الجواهري «ذكريات من أثينا.. سجا البحر» التي كتبها في العام 1977، والتي تتألف من 68 بيتًا من البحر الطويل، ويقول في مطلعها:

سَجا البحرُ وانداحَتْ ضِفافٌ نَدِيّةٌ… ولوّحَ رَضراضُ الحَصى والجَنادلِ

وفُكَّتْ عُرًى مِن موجةٍ لِصقِ مَوجةٍ… تَماسَكُ فيما بينَها كالسَّلاسِلِ

إلى أن وصلت إلى البيتين الآتيين:

وما حَملَ “الإصباحُ” شوقًا إلى الضُّحى… مِن الوَرَقِ النَّديانِ أشْهى الرَّسائلِ

وخَيّمَ صَمتٌ فاستكنَّتْ حَمائمٌ… وقَرَّ على الأغْصانِ شَدْوُ البلابلِ.

ولفت انتباهي أن مرافقي كان يراقبني وأنا أدندن بعبارة «شدوَ البلابل»، ونحن في حديقة الفيلا الغنية بأنواع الطيور والبلابل والحيوانات الأليفة، وتساءلت مع نفسي ماذا لو كان الجواهري هنا مكان همنغواي؟ وهو سؤال أجبت عليه مع نفسي أيضًا، لأنني أعرف كم أن الجواهري مأسور بالبحر والنهر، وخلدهما بقصائد رائعة مثل «يا دجلة الخير» و«سجا البحر»، قصيدته الأولى، كتبها في براغ وهو بعيد عن بغداد، حين اضطرّ إلى مغادرتها بعد خلاف مع الزعيم عبد الكريم قاسم في العام 1961، وكان يومها رئيسًا لاتحاد الأدباء والكتّاب العراقيين ونقيبًا للصحفيين، وبقي فيها سبع سنوات عجاف على حدّ تعبيره. وفي حواراتي معه في أوائل الثمانينيات، وبعضها جئت عليه ودوّنته في كتاب «الجواهري- جدل الشعر والحياة» (دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1997. دار الآداب، ط2، بيروت، 2009. ط/3، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 2010)، سألته وماذا كان هناك في المنفى يا أبا فرات، زمهرير الغربة أم فردوس الحريّة؟ أجابني بعد أن أخذ نفسًا عميقًا من سيكارته وتأمّل طويلًا: “الإثنان معًا… إي والله الإثنان معًا”. أما قصيدته الثانية فنظمها في أثينا، كما أشرت، في فترة وجوم اتّسمت بها الحياة السياسية في العراق. وكانت إحدى أمنيات الجواهري أن تكون له شقة على البحر، وهو ما يستعيده من ذكرياته في أيامه الخوالي، عندما كان بيته على نهر دجلة، ويتذكّر شط الفرات في الكوفة.

مشتركات ومختلفات

ظلّت مفارقة همنغواي تشغل الجواهري طيلة حياته، فهو لا يريد أن يصدق أن همنغواي مات منتحرًا، فكيف لشخص يعيش بكل هذه الأُبهة والأريحية والرخاء أن يفارق الحياة منتحراً، ( تموز/يوليو 1961)، ومن المفارقات أيضًا أن همنغواي غادر الحياة في نفس الشهر الذي ولد فيه، حيث ولد في مدينة أوك بارك (إلينوي) في الولايات المتحدة في تموز/يوليو 1899، ولعلّ تلك مفارقة أخرى ما بين الجواهري وهمنغواي، فقد ولد الجواهري في النجف الأشرف في 27 تموز/يوليو عام 1900 حسب أكثر التقديرات رجاحة بشأن ولادته، وتوفي في دمشق في اليوم نفسه من العام 1997، أي أن كليهما ولد وتوفي في الشهر نفسه.

وإذا كان ثمة ما يجمع بين الجواهري وهمنغواي، فثمة ما يفرّق بينهما، وإذا كان كلاهما يعشق النساء، إلاّ أن همنغواي كان ما أن يتعرّف على امرأة حتى يسارع بطلب الزواج منها. يقول الروائي الأميركي عن نفسه:

«تلك هي طبيعتي مع النساء، لا أعرف من أين جاءت إليّ…؟ عندما أحبُّ، أحب أن أتزوّج فوراً، فلا مكان لأوقات الغزل وساعات الانتظار».

ومع أن الجواهري تزوّج مرتين، فبعد وفاة “أم فرات” في العام 1938، تزوج شقيقتها أم نجاح «أمّونة»، التي رافقته حتى العام 1992، حيث توفيت في لندن، إلاّ أنه يقول عن نفسه إنه لم يعرف طعم الحب، أو يتذوق طعم المرأة الحقيقي إلاّ وهو على مشارف الخمسين، وذلك يوم أحب أنيتا الكورسيكية من بنات السين في باريس عام 1949، ونظم فيها خمس قصائد، كما يقول في حواراته المنشورة في كتابي المشار إليه «الجواهري- جدل الشعر والحياة»، وفيما بعد علاقته مع بارنيا وماريا التشيكية، التي كان يحب أن يسمّيها «ماروشكا»، وكنت قد تعرّفت عليها في براغ في أوائل سبعينيات القرن المنصرم، وهي من مدينة بلزن.

كان همنغواي يصطاد السمك ولكنه يحبُّ تناوله في مطعم “لا تراسا” الشهير، حيث تنـزل شرفته إلى البحر مباشرة في خليج صغير، في ضاحية على مشارف هافانا حيث الموقع الاستراتيجي، وبالقرب من المطعم اليوم ينتصب تمثاله على الساحل، بمحاذاة البحر أيضًا، ومثلما في حانته الشهيرة وفي مزرعته، كان همنغواي يطبع المكان بطابعه، حيث اتّسمت حانة “بودغيتا دل ميديو” بالبساطة والشعبية، وبالرغم من ذلك فقد أصبحت محجّاً يتسابق إلى زيارتها آلاف المشاهير ممن يزورون هافانا، حيث يبادر القائمون عليها بوضع صورهم وأسمائهم، على جدرانها المزدحمة بالأسماء والتواريخ لزيارات من كل أصقاع الدنيا، هكذا كان «الشقيّ» همنغواي يعشق النساء والخمور والملذّات بجميع أنواعها، ويستهويه السفر بلا حدود، وهناك يوزّع شيئاً من فوضاه الأثيرة، حيث يكون، وهو الأمر الذي كان ينظر إليه الجواهري بحيرة لا تخلو من إعجاب ودهشة.

وبالرغم من أنه عاش في الوقت الضائع، كما يُقال، حيث كان قد أصيب ﺑ 237 جرحاً وأجريت له 12 عملية، ومكث في المستشفى في ميلانو نحو 6 أشهر، وقد حدث ذلك يوم كان في الجبهة الإيطالية عندما عمل مراسلاً حربياً في الحرب العالمية الأولى، فقد تشبث لاحقاً بالحياة على نحو شديد وخوّض في غمارها مواصلاً مغامراته التي بدأها منذ صباه، بكل ما في ذلك من حيوية وعنفوان، وهو ما ترك حيرةً واستفهاماً كبيرين حول موته.

لقد وصف همنغواي الموت الذي تعرّض له في الحرب العالمية الأولى عندما قال:

«لقد متُّ في تلك اللحظة. أحسست روحي تخرج من جسدي. افهموا هذا الإحساس كما تريدون. شعرت بأن روحي تنسلّ من جسدي كما ينتزع منديل حريري من جيب سترة، لكن هذا الشعور تبدّد فجأة وعاد إليّ شيء أنعش جسدي من جديد، وعرفت أنني لم أمت».

وقد استوحى همنغواي من هذه الحادثة فيما بعد قصته الشهيرة «وداعاً للسلاح»، وكان قد وصف الحرب باعتبارها أخطر قضية في حياة الإنسان وأصعب مشكلة للعقل البشري.. إنها الشيء الرهيب في حياة البشر، ولا نستطيع تناولها إلّا إذا قدّرنا خطورتها بصدق وحرارة.

إقرأ على موقع 180  السيرك العربي الكبير.. بلغة محمد الماغوط

من الصحافة إلى الرواية

كان أول ما نشره همنغواي، وهو ينتقل من الصحافة التي أحبّها لأنها تُعنى بالواقع إلى الرواية التي تُعنى بالمتخيّل، هي قصة «لا تزال الشمس تشرق » عام 1926، وهي تصوير حزين للحياة القلقة المتشردة، لا سيّما بعد الحرب العالمية الأولى، وبخاصة للأميركيين في أوروبا، وبمجرد صدور الكتاب أصبح همنغواي مشهوراً، حيث هيمن على نفوس القرّاء، لا سيّما من الشباب، شعور بأن ثمة من يُحسن التعبير عن مشاعرهم. وبقدر ما كان الجواهري شاعرًا، بل حالة شعر حقيقية، كانت موهبته في الصحافة يُشهد له فيها أيضًا، فقد أصدر عدّة صحف منذ العام 1930، ولعلّ أبرزها وأكثرها حضورًا صحيفة “الرأي العام”، كما أن نثره امتاز بجمالية وسحر خاصّين، يكفي أن نقرأ مقدمات دواوينه «على قارعة الطريق»، التي صبّها في قالب حواري فلسفي برمزية عالية بينه وبين عابر سبيل، حيث يصف نفسه بالشريد والمغني لنور الشمس.

التحق همنغواي بالجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية، فترك كل شيء، وكان همّه الأساسي هو القضاء على الفاشية، وكما يقول، فإنه لم يكتفِ بالقتال، بل اشترى سيارة إسعاف وأهداها إلى الثوار. وكان حصيلة مغامرته الإسبانية قصة «موت بعد الظهر».

وقد التقى همنغواي في إسبانيا بالكاتب الفرنسي المعروف أندريه مالرو (André Malraux) وارتبط معه بصداقة مديدة، وقررّا الاشتراك في مشروع أدبـي هو الكتابة عن الثورة واقتسما المراحل، حيث ألف مارلو كتاب «الأمل» في العام 1938 في حين أصدر همنغواي روايته الشهيرة «لمن تقرع الأجراس» (Whom the bell tolls) عام 1940. وقد تحوّلت روايات وقصص همنغواي إلى أفلام مثيرة غزت الشاشة، وتركت انطباعات إيجابية على قدرته في تصوير حياة الحرب وتفاصيلها وآلامها. وهو ما قدّر لي أن أشاهده في أواخر الخمسينيات وبدايات الستينيات.

في عام 1946 تزوّج همنغواي للمرّة الثالثة وقررّ الرحيل إلى كوبا للعيش فيها نهائياً، ونشر في العام 1950 روايته «عبر النهر وتحت الشجر» (Across the river and under the trees)، ثم روايته الرائعة «الشيخ والبحر» العام 1952 التي نال على إثرها جائزة نوبل عام 1954، وقد اعتبر الناقد روجيه غرونر (Roger Gruner) أن همنغواي كتب تلك الرواية «الشيخ والبحر» (The old man and the sea) متأثراً بالكاتب ملفيل وروايته «موبـي ديك» (Moby Dick)، وذلك كما ورد في كتاب لصدقي إسماعيل بعنوان «نبلاء الإنسانية» الصادر عن دار رياض نجيب الريس، بيروت، 2008.

وإذا كانت حياة همنغواي عرفت كل هذه المنعرجات والمغامرات والتحديات، فإن عزاءه كان في التأمل والعزلة والتفكير، وهو يتقدّم في مرحلة الكهولة، إلى أن أنهى حياته بضربة واحدة من قدر غامض، لعلّه كان مثل غموض بعض شخصياته، التي عبّرت شخصيته الغامضة أيضاً.

مقاه وحانات

لا شكّ أن الحانات والمقاهي التي كان يرتادها همنغواي هي غيرها التي كان يرتادها الجواهري في بغداد، فالمقاهي العراقية ذكوريّة، وكان يجتمع في بعضها عليّة القوم والأدباء والشعراء، مثل مقاهي البرلمان وحسن عجمي والبلدية والشابندر وغيرها، وقد تمّت الإشارة إليها في الحلقات السابقة، ولكن الجواهري حاول تعويض ذلك خلال غربته في براغ، حيث ظلّ لسنوات يرتاد مقهى “سلوفانسكي دوم”، التي كتب فيها قصيدة أهداها إلى وزير الدفاع صالح مهدي عمّاش، وعُرفت بقصيدة «الميني جوب» أو «رسالة مملّحة»، وتتألف من مئة بيت من البحر المجزوء الكامل:

نبئت أنّك توسع الـ…أزياء عتّا، واعتسافا

تَقفو خُطى المُتأنِّقا…تِ كسالِكِ الأثَرِ اقتِيافا

وتَقيسُ بالأفتارِ أرْ…دِيَةً بحُجّةِ أنْ تَنافى

ماذا تُنافي؟ بلْ وما…ذا ثمَّ مِن خُلُقٍ يُنافى؟

أتَرى العفافَ مَقاسَ أقْـ…مِشَةٍ؟ ظَلمتَ إذنْ عَفافا

هُوَ في الضَّمائرِ لا تُخا…طُ ولا تُقَصُّ ولا تُكافى

منْ لمْ يَخَفْ عُقبى الضَّميـ…رِ فمِنْ سِواه لنْ يَخافا.

إلى أن يقول:

أ”أبا هُدى” إنْ كنتَ مُتَّـ… ـهِمًا، فخُذْ منِّي اعتِرافا

إنِّي وربٍّ صاغهُنَّ… كما اشْتَهى، هِيفًا لِطافا

وأدَقَّهُنَّ وما وَنى… وأجلَّهُنَّ، وما أَحافا

لأرى الجِنانَ إذا خَلَتْ… مِنهُنَّ أولى أنْ تُعافا

لو قيلِ ما سِفْرُ الحيا…ةِ؟ لقلت: ما كُنَّ الغِلافا

أو قيلَ: كيفَ الحُبُّ قلْـ…تُ بِأنْ تُداءَ فما تَشافى.

ومن المقاهي الأخرى التي كان يتردّد عليها الجواهري مقهى “أوبيتسني دوم”، وفي الثمانينيات انتقل إلى مقهى “سلافيا” على نهر الفلتافا مقابل المسرح الوطني، وتوضع اليوم صورة له على إحدى جدرانها، ولهذه المقاهي تاريخ عريق جئت عليه في هذه السردية (الحلقة الأولى).

لقد توزّعت تماثيل الجواهري على العديد من المواقع والمدن العراقية، حيث ينتصب تمثاله أمام مبنى اتحاد الأدباء والكتّاب العراقيين في بغداد، وله تمثال شمعي في منزله في حي القادسية في بغداد، وآخر في مسقط رأسه في النجف، إضافة إلى تمثاله في منتزه سامي عبد الرحمن في أربيل ومنتزه هواري شار في السليمانية وكلية ابن رشد جامعة بغداد وكلية القادسية.

الشيخان همنغواي والجواهري، استلهما من البحر الشيء الكثير، ففيه عالم الأسرار والغموض واللانهايات والمتعة في الاكتشاف الأبدي.

Print Friendly, PDF & Email
عبد الحسين شعبان

أكاديمي، باحث وكاتب عربي

Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  أميركا وإيران.. "شراكة" في منع الحرب الإقليمية!