ولا يعني ذلك وجود سياستين أميركيتين منفصلتين بقدر ما يعكس تنافس مدارس داخل الإدارة الواحدة حول ترتيب الأولويات: هل تُدار إيران عبر صفقة كبرى تقوم على الاحتواء والتسويات المتبادلة، أم عبر سياسة ضغط متدرج تستنزف أوراق قوتها الإقليمية قبل الوصول إلى أي اتفاق نهائي؟
من هنا تقودنا هذه الفرضية إلى التنافس بين جناحين داخل واشنطن، وكيف أن اختلاف المقاربات حول معادلة لبنان ـ إيران يجعل الدولة اللبنانية تدفع، مرة جديدة، فاتورة صراعات أكبر من قدرتها على التأثير فيها.
وكما يحدث غالبًا في الاتفاقات الكبرى، لا ينتهي الصراع عند توقيع النصوص، بل يبدأ صراع آخر حول تفسيرها: أي البنود تُنفذ أولًا؟ ومن يملك حق تحديد معنى الالتزام؟ وهل الأولوية لوقف النار وبناء مسار سياسي، أم لتغيير موازين القوى التي أنتجت الصراع أساسًا؟
هناك أكثر من طرف صاحب مصلحة في تدوير “إطار واشنطن” بما يجعله عامل ضغط على مسار التفاهم الأميركي ـ الإيراني.
الطرف الأول هو إسرائيل، التي تفرض عليها مذكرة التفاهم الموقعة في 17 حزيران/يونيو وقف العمليات العسكرية على مختلف الجبهات، فيما يمنحها “الإطار الثلاثي” قراءة مختلفة للمرحلة عبر ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته العسكرية، مع الاحتفاظ بترتيبات أمنية في جنوب لبنان.
أما الطرف الثاني، فيتمثل في جناح الصقور داخل واشنطن، ومن أبرز وجوهه وزير الخارجية ماركو روبيو، حيث يسعى هذا التيار إلى منع طهران من تحويل الساحة اللبنانية إلى مكسب سياسي في مرحلة ما بعد الحرب، والدفع باتجاه إعادة تموضع لبنان تحت المظلة الأميركية المباشرة بعيدًا عن النفوذ الإيراني.
أليس ماركو روبيو، المقرّب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، هو القائل إن “إطار واشنطن يهدف إلى نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته التحتية”؟
أما الطرف الثالث، فيرتبط ببعض القوى الخليجية التي ترى في تقليص النفوذ الإيراني شرطًا لإعادة ترتيب التوازن الإقليمي، خصوصًا بعد سنوات من التوتر بين طهران وعواصم خليجية عدة، وبعد المواجهات العسكرية الأخيرة التي رفعت منسوب القلق المتبادل. وفي المقابل، يبقى السؤال مفتوحًا حول مدى تأثير تراجع الثقة بالحماية الأميركية التقليدية في دفع بعض دول المنطقة إلى البحث عن توازنات جديدة بدل الاصطفافات القديمة.
وثمة أمر لافت للانتباه في مسألة التوقيت. فقد وُقعت مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية في 17 حزيران/يونيو، ولم تمض سوى أيام قليلة حتى تُوجت مفاوضات واشنطن بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية بإعلان الاتفاق الثلاثي أو “إطار واشنطن”.
هذا الاتفاق وضع إسرائيل في موقع يسمح لها بالتأثير في شروط الانسحاب أو إعادة الانتشار في جنوب لبنان، فيما كانت طهران تحاول تكريس معادلة تجعل لبنان جزءًا لا يتجزأ من مذكرة التفاهم بينها وبين واشنطن.
وهكذا انتقلت المعادلة من “وقف إطلاق النار أولًا” إلى “نزع السلاح أولًا”. وهنا بدا التعارض بين المسارين واضحًا بالنسبة إلى حزب الله، الذي رأى في الاتفاق الثلاثي محاولة لإضعاف مسار إسلام آباد، بما وفره الأخير من أوراق قوة للمفاوض اللبناني، ولا سيما عبر ربط تثبيت وقف النار في جنوب لبنان بالمعادلات الإقليمية الأوسع، ومنها أمن مضيق هرمز.
وإذا كان من السهل الحديث عن محاولة إسرائيل والصقور الأميركيين التأثير في مسار التفاهم الأميركي ـ الإيراني، فإن الأصعب هو الاعتراف بأن لبنان بات، في جانب من جوانب الأزمة، مساحة اختبار للتنافس بين مقاربتين داخل مركز القرار الأميركي نفسه.
وليست هذه المرة الأولى التي تظهر فيها مثل هذه الازدواجية داخل واشنطن. فقد عرفتها السياسة الأميركية في محطات عديدة، من الخلاف بين الواقعيين والمحافظين الجدد بعد حرب العراق عام 2003، إلى الانقسام حول الاتفاق النووي الإيراني عام 2015 بين من رأى فيه وسيلة لإدارة قوة إيران واحتوائها، ومن اعتبره تنازلًا استراتيجيًا يكرّس نفوذها الإقليمي.
ويمكن توصيف المعسكرين داخل واشنطن حول معادلة لبنان ـ إيران على النحو الآتي:
المعسكر الأول هو معسكر “صانعي الصفقات”، أي الفريق الذي يرى أن الأولوية يجب أن تكون لتثبيت التفاهم مع إيران ومنع الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة. وقد برز في هذا الاتجاه نائب الرئيس جي دي فانس ومعه تيار الواقعيين الذين ينظرون إلى الملف الإيراني من زاوية أوسع تتصل بترتيب أولويات السياسة الأميركية عالميًا. ويُركّز هذا الفريق على ضرورة تسوية الملف النووي الإيراني، واحتواء المواجهة مع طهران، انطلاقًا من قناعة بأن الاستنزاف المستمر في الشرق الأوسط يعيق تركيز واشنطن على التحديات الكبرى الأخرى، وفي مقدمتها الصين.
ومن هذا المنظور، يصبح وقف النار أولًا في لبنان جزءًا من مسار أوسع: انسحاب إسرائيل وتهدئة الجبهة، على أساس الرهان بأن تراجع التصعيد العسكري يخلق ظروفًا مختلفة لمعالجة الملفات الداخلية اللبنانية، بما فيها ملف سلاح حزب الله.
في المقابل، هناك معسكر الصقور، الذي يضم جناح روبيو ـ بنيامين نتنياهو ودوائر مؤثرة داخل بنية القرار الأميركي، والذي يرى أن أي اتفاق لا يقلّص أوراق القوة الإيرانية قبل توقيعه سيكون بمثابة اعتراف بالنفوذ الإيراني لا معالجة له.
بالنسبة إلى هذا المعسكر، يشكل “إطار واشنطن” الأداة المناسبة لقلب ترتيب الأولويات: نزع سلاح حزب الله أولًا، تقليص النفوذ الإيراني ثانيًا، ثم البحث في ترتيبات الاستقرار. والمنطق الحاكم لهذه المقاربة يقوم على فكرة أساسية: لا يجوز أن تخرج إيران من الحرب وهي قادرة على إعلان تحقيق مكسب سياسي في لبنان.
كيف تنعكس هذه التناقضات على مسرح الأحداث؟
لم يكد صانعو الصفقات يثبتون مسار التفاهم مع طهران في 17 حزيران/يونيو، حتى جاء “إطار واشنطن” بعد أيام قليلة حاملاً شروطًا مختلفة، الأمر الذي جعل المسارين يتقدمان في اتجاهين متعاكسين: مسار يريد حماية التفاهم الكبير عبر التهدئة، ومسار يريد استخدام الملفات الإقليمية لإعادة تعديل ميزان القوة قبل اكتمال الصفقة.
وعلى هذا النحو ظهر خطان داخل السياسة الأميركية: الأول يعطي الأولوية للتسوية الكبرى مع إيران، والثاني يعتبر أن أي تسوية لا تبدأ من تفكيك أدوات النفوذ الإيراني ستنتج أزمة جديدة لاحقًا.
بهذا المعنى، يتحول لبنان إلى مساحة مناسبة لاختبار لعبة ليّ الأذرع داخل واشنطن، تحديدًا لأن كلفة التجربة فيه محدودة بالنسبة إلى صانعي القرار الأميركي. فلا أحد هناك يصوّت للبنان أو لأجله، ولا يشكل مصيره عاملًا حاسمًا في الحسابات الداخلية الأميركية، ما يجعله ملفًا يمكن عبره اختبار حدود الضغط والتفاوض من دون أثمان سياسية كبيرة.
فلبنان، في الحسابات الكبرى، ليس قضية داخلية أميركية، بل ساحة تتقاطع فيها رسائل متعددة: إلى إيران، وإلى إسرائيل، وإلى الحلفاء الإقليميين، وحتى إلى التيارات المختلفة داخل واشنطن نفسها.
وفي مجال اختبار الموقف الإيراني، تبدو المعادلة أكثر تعقيدًا. فطهران لا تستطيع بسهولة التراجع في ملف حزب الله، لأنها إن فعلت تمنح الصقور الحجة التي يبحثون عنها للقول إن سياسة الضغط قادرة على دفع إيران إلى التراجع في كل الملفات. أما إذا رفضت أي تنازل، فإنها تضع معسكر صانعي الصفقات أمام اختبار صعب، وتمنح خصومه فرصة التشكيك في جدوى الحوار معها.
في المقابل، تؤدي إسرائيل دور “الرافعة الداخلية” داخل هذا النقاش الأميركي، من خلال التواصل المستمر مع التيار الأكثر تشددًا تجاه إيران، وتقديم حجتها الأساسية: أي تراجع في لبنان سيُقرأ في طهران باعتباره انتصارًا سياسيًا.
وهكذا يصبح لبنان، مرة أخرى، أكثر من ساحة محلية. إنه نقطة تقاطع بين مشروعين أميركيين مختلفين: الأول يريد إغلاق ملف إيران أو إدارته تمهيدًا للتفرغ للمنافسة الكبرى مع الصين، والثاني يريد إبقاء الضغط مفتوحًا على النظام الإيراني عبر الحلفاء والأدوات الإقليمية.
وما دام لبنان جزءًا من هذا التجاذب، فإن أي تقدم في الملف النووي سيبقى معرضًا للاختبار عند كل محطة لبنانية: عند الانسحاب الإسرائيلي، وعند مستقبل سلاح حزب الله، وعند قدرة الدولة اللبنانية على استعادة دورها كطرف مقرر لا مجرد ساحة تتلقى نتائج صراعات الآخرين.
بكلام آخر: إذا كان “إطار واشنطن” تعبيرًا عن مقاربة الصقور، وكانت مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية ثمرة مقاربة صانعي الصفقات، فإن لبنان يجد نفسه عالقًا بين واشنطن وواشنطن، ويدفع فاتورة صراع لا يملك مفاتيحه.
