العلاقات اللبنانية السورية.. التبعية بديل القطيعة أو الاندماج!

لا يمكن مقاربة العلاقة اللبنانية–السورية، ولا فهم التحولات المتقلبة التي حكمتها منذ تشكل الكيانين الحديثين، عبر أدوات التحليل السياسي التقليدي. هذا المنظور يفترض ضمناً وجود دول مكتملة السيادة تتفاعل فيما بينها على أساس القرار العقلاني المستقل، في حين أن التجربة التاريخية للمشرق العربي تكشف أن الدولة نفسها ليست معطى طبيعياً أو نهائياً، بل نتاج مسار طويل من إعادة تشكيل المجال العربي داخل بنية النظام الرأسمالي العالمي منذ تفكك الإمبراطورية العثمانية قبل قرن من الزمن.

بينما تميل الحالة اللبنانية إلى الاندماج في التبعية عبر نموذج مالي–ريعي يجعل من الاقتصاد أداة لإعادة إنتاج الارتباط الخارجي، شهدت الحالة السورية مساراً مختلفاً نسبياً تمثل في محاولة بناء نمط دولة أكثر تدخلاً في الاقتصاد وأكثر ميلاً لإنتاج قاعدة مادية وطنية عبر القطاع العام والتصنيع والحماية النسبية للسوق الداخلية. غير أن هذا الاختلاف بين الحالتين لا يخرج سوريا من البنية العامة للتبعية، بل يضعها في موقع “التبعية المتوترة” أو غير المستقرة، أي التبعية التي تحاول أن تُدار لا أن تُستبطن بالكامل، ما يجعلها أكثر عرضة للاهتزاز عند تغيّر التوازنات الإقليمية والدولية.

من هذا المنطلق، لا تبدو العلاقة اللبنانية–السورية علاقة بين كيانين سياسيين منفصلين، بل جزءًا من بنية تاريخية–اقتصادية أوسع، لا يمكن تفكيكها إلا عبر ثلاثة مستويات:

أولاً؛ لحظة إعادة تشكيل المجال العربي في سياق الاستعمار الأوروبي بعد الحرب العالمية الأولى، كما تجسدت في اتفاق سايكس–بيكو.
ثانياً؛ تشكل الدولة الوطنية الطرفية داخل بنية الاقتصاد الرأسمالي العالمي، بما يحمله ذلك من مواقع متفاوتة داخل تقسيم العمل الدولي، وليس موقعا واحداً متجانساً.
ثالثاً؛ آليات إعادة إنتاج التبعية في لبنان عبر البنى الداخلية (الطائفية، الاقتصاد الريعي، البيروقراطية، الزبائنية إلخ..) والتفاعلات الإقليمية التي تعيد توجيه هذه البنى وفق تحولات القوة.

ضمن هذا الإطار المركب، لا تظهر الدول في الأطراف بوصفها وحدات سيادية مكتملة، بل كبنى تاريخية مشروطة، غير أن هذا الشرط لا يُنتج صيغة واحدة من التبعية، بل درجات وأنماطاً متمايزة، تتراوح بين الاندماج المالي الكامل وإعادة الإنتاج الريعي من جهة، ومحاولات بناء استقلال إنتاجي نسبي عبر الدولة التدخلية من جهة أخرى، قبل أن تصطدم جميعها بحدود البنية الرأسمالية العالمية.

أولًا: البنية العالمية للنظام الرأسمالي وإنتاج الدولة الطرفية

لا يمكن النظر إلى النظام العالمي الحديث بوصفه شبكة من الدول المتساوية السيادة، بل كبنية هرمية يتوزع فيها العالم بين مركز يحتكر التكنولوجيا ورأس المال والمعرفة، وأطراف تؤدي وظائف تكميلية مرتبطة بتوفير الموارد والأسواق واليد العاملة. ضمن هذا التصور، لا تُنتج الدول الطرفية شروط تطورها الذاتي، بل تُدمج في منظومة تبعية تجعل من “التحديث” نفسه عملية مشروطة بإعادة إنتاج الارتباط بالمركز.

هذه البنية لا تعمل فقط عبر الاقتصاد العالمي المباشر، بل أيضًا عبر تفكيك البنى الاجتماعية الداخلية في الأطراف، بما يمنع تشكل مشاريع وطنية مستقلة قادرة على التراكم الذاتي. وهكذا تتحول الدولة الطرفية إلى جهاز مزدوج الوظيفة:
من جهة، تدير المجتمع داخليًا عبر مؤسسات السلطة والقانون؛ ومن جهة ثانية، تعيد إنتاج شروط الاندماج في السوق العالمية.

غير أن هذه الوظيفة لا تتجسد بالصيغة نفسها في كل الحالات. فالنموذج اللبناني يميل إلى استبطان التبعية عبر اقتصاد الخدمات والوساطة المالية وتحويل الدولة إلى منصة للتدوير الخارجي، بينما يحاول النموذج السوري تاريخياً، خصوصاً منذ مطلع ستينيات القرن الماضي، إنتاج مسار مغاير يقوم على توسيع دور الدولة الاقتصادية وبناء قاعدة إنتاجية داخلية، وإن ظل هذا المسار محكومًا بقيود البنية العالمية والإقليمية.

ضمن هذا الإطار، يصبح الاختلاف بين لبنان وسوريا ليس اختلافًا بين نموذجين سياديين مستقلين، بل اختلافًا داخل بنية واحدة، في درجتي الاندماج داخل التبعية وشكل إدارتها.

ثانياً: سايكس–بيكو وإعادة هندسة المجال التاريخي للمشرق

يشكل اتفاق سايكس–بيكو (1916) لحظة مفصلية في الانتقال من المجال الإمبراطوري العثماني إلى المجال الاستعماري الأوروبي، غير أن أهميته لا تكمن في كونه تقسيماً جغرافياً، بل في كونه عملية إعادة هندسة شاملة للبنية التاريخية–الاقتصادية للمشرق.

ففي السياق العثماني، وبرغم التفاوتات الداخلية لمستويات التطور، كانت بلاد الشام تشكل فضاءً مترابطا نسبيا، تتحرك داخله السلع والسكان ورؤوس الأموال ضمن وحدة وظيفية عامة. غير أن إعادة توزيع هذا المجال بعد الحرب العالمية الأولى أدت إلى تفكيكه إلى كيانات سياسية منفصلة، صُممت وفق منطق السيطرة الإمبريالية لا وفق منطق التطور التاريخي الداخلي.

وقد ترتب على ذلك ثلاث نتائج بنيوية كبرى:

  1. تفكيك وحدات اقتصادية–اجتماعية تاريخية كانت تشكل فضاءً شامياً مترابطاً.
  2. إنشاء كيانات سياسية غير مكتملة اقتصاديا، بدرجات متفاوتة من الاندماج في الخارج.
  3. إعادة توجيه مسارات التجارة والموارد نحو المركز الرأسمالي بدل انخراطها في فضاء إقليمي متكامل.

ضمن هذا التحول، لم ينشأ لبنان وسوريا ككيانين منفصلين تاريخيا، بل كنتاج إعادة توزيع قسري لمجال واحد، مع اختلاف لاحق في مسارات الدولة: لبنان نحو نموذج وساطوي مالي وخدماتي، وسوريا نحو نموذج دولة تدخلي–إنتاجي نسبي، قبل أن يُعاد تطويق هذا الأخير تدريجيًا.

ثالثاً: الدولة الطرفية وآليات إعادة إنتاج التبعية الداخلية

لم يُنتج تفكيك المجال العربي فقط كيانات سياسية جديدة، بل أنتج أيضاً نمطاً محدداً من الدولة الطرفية، التي لا يمكن فهمها خارج موقعها في النظام العالمي ووظيفتها في إدارة المجتمعات التابعة.

فالدولة الطرفية ليست إطاراً محايداً للسيادة، بل جهازاً مزدوج الوظيفة: تنظيم المجتمع داخلياً، وإعادة إنتاج الارتباط البنيوي بالمركز خارجياً. غير أن طريقة أداء هذه الوظيفة تختلف بين نموذج وآخر.

في الحالة اللبنانية، يتخذ هذا النمط شكلاً يتكثف فيه الاقتصاد الريعي والزبائنية والطائفية، حيث تتحول الدولة إلى وسيط بين الخارج والمجتمع. أما في الحالة السورية، فقد اتخذت الدولة تاريخياً شكلاً أكثر مركزية وتدخلاً، حاول عبره النظام السياسي بناء اقتصاد إنتاجي نسبي وتقييد منطق السوق المفتوحة، ما خلق توتراً دائماً بين مشروع الدولة وبين شروط الاقتصاد العالمي والإقليمي.

إقرأ على موقع 180  إنتخابات العراق: الكاظمي "تقاطع طرق".. و"التشرينيون" بلا جاذبية

وتؤدي الطائفية في الحالة اللبنانية ثلاث وظائف مترابطة:
• تفكيك الصراع الطبقي وتحويله إلى صراعات هوياتية.
• إنتاج زبائنية سياسية بدل المواطنة الجامعة.
• منع تشكل كتلة تاريخية موحدة.

بينما في الحالة السورية، أخذت السيطرة السياسية شكلاً مختلفاً، قائماً على مركزية الدولة والأجهزة، ما حدّ من تفكك المجتمع على أسس طائفية مماثلة للبنان، لكنه في المقابل خلق هشاشة من نوع آخر، تتعلق بضعف التراكم الرأسمالي المستقل واعتمادية الدولة على موارد محدودة وعلى بيئة إقليمية متقلبة في ظل انتهاج سياسة وطنية معادية للمشروع الصهيوني والخضوع لعقوبات مالية واقتصادية قاسية.

رابعاً: الصراع العربي–الإسرائيلي وإعادة تشكيل وظيفة الدولة

لا يمكن فهم تطور العلاقة اللبنانية–السورية خارج السياق الإقليمي الذي أعاد تشكيل المنطقة منذ العام 1948. فالصراع العربي–الإسرائيلي لم يكن مجرد نزاع حدودي، بل عنصراً بنيوياً في إعادة إنتاج النظام الإقليمي.

وقد أعاد هذا الصراع تعريف وظيفة الدولة العربية نفسها: من دولة مشروع (تحرير/تنمية/وحدة) إلى دولة إدارة الواقع.

في هذا السياق، انتقل جزء من عبء المواجهة إلى فاعلين غير دولتيين، ما أعاد توزيع مفهوم السيادة بين الدولة والمجتمع المسلح، مع اختلاف كبير بين الحالة اللبنانية حيث أصبح هذا الفاعل (المقاومة المسلحة) جزءاً من البنية الداخلية، والحالة السورية حيث بقيت الدولة تحتفظ بدرجة أعلى من احتكار العنف لفترة أطول.

خامساً: لبنان وسوريا داخل المثلث الإقليمي

ضمن هذا التحول، لا يمكن فهم العلاقة اللبنانية–السورية إلا داخل مثلث إقليمي مركب: لبنان، سوريا، وفلسطين (المشروع الصهيوني)، حيث تتداخل مستويات الأمن والسياسة والتحالفات.

غير أن موقع سوريا داخل هذا المثلث لم يكن ثابتاً، بل مرّ من موقع الدولة المركزية الإقليمية إلى موقع الساحة المفتوحة لتعدد الفاعلين، بينما ظل لبنان في موقع الهشاشة البنيوية الناتجة عن تركيبته الداخلية؛ فالانقسام اللبناني حول سوريا لا يعكس اختلافاً سياسياً بسيطاً، بل إعادة تموضع داخل بنية الهيمنة الإقليمية والدولية. فالقوى اللبنانية تتحرك ضمن منطق “مرونة التبعية” (المفكر المصري سمير أمين)، أي القدرة على تبديل المواقع داخل النظام دون الخروج منه. وتزداد هذه المرونة داخل البنية الطائفية، حيث تتحول الطوائف إلى وحدات شبه-سياسية قادرة على بناء شبكات خارجية خاصة بها.

الخلاصة

يُظهر تتبع تطور العلاقة اللبنانية–السورية عبر مستوياتها التاريخية والبنيوية والإقليمية أن هذه العلاقة لا يمكن قراءتها كمسار سياسي تحكمه قرارات الدول أو تبدلات الأنظمة فقط، بل كبنية ممتدة تتداخل فيها الجغرافيا بالتاريخ، والدولة بالمجتمع، والسيادة بالتبعية، ضمن نظام إقليمي ودولي غير متكافئ.

فمنذ لحظة سايكس–بيكو، لم يتشكل لبنان وسوريا ككيانين منفصلين تمامًا، بل كجزء من إعادة هندسة استعمارية للمشرق العربي، فككت وحدة تاريخية–اقتصادية أوسع، ووضعت الأساس لدول طرفية داخل اقتصاد عالمي غير متكافئ. وقد انعكس ذلك خصوصًا في الحالة اللبنانية، حيث لعبت الطائفية دورًا مركزيًا في إدارة المجتمع وإعاقة تشكل وحدة سياسية–اجتماعية قادرة على إنتاج سيادة مكتملة.

ومع صعود المشروع القومي العربي ثم تراجعه بعد هزيمة 1967، أعيد تعريف وظيفة الدولة في المشرق من أداة للتحرير والوحدة إلى جهاز لإدارة الحدود والأزمات الداخلية. وانتقل مركز الفعل السياسي تدريجيًا إلى فاعلين غير دولتيين، وفي مقدمتهم حركات المقاومة الفلسطينية ثم اللبنانية، كرد فعل على استمرار المشروع الصهيوني، وعجز الدولة الوطنية، وانسحاب الدولة العربية من دور المواجهة.

وفي هذا السياق، لم يكن الصراع العربي–الإسرائيلي مجرد نزاع سياسي، بل عنصرًا بنيويًا أعاد تشكيل الإقليم وتوزيع التحالفات داخله، وكرّس ترابط لبنان وسوريا ضمن مساحة واحدة تتداخل فيها الجغرافيا بالأمن والسياسة.

لكن هذا التشابك خضع لإعادة تركيب مستمرة مع تبدل موازين القوى، خصوصًا بعد سقوط النظام البعثي، ودخول تركيا كفاعل أساسي في سوريا، وتعاظم الدور الإسرائيلي. ومع تعدد مراكز القوة بين تركيا وإسرائيل وإيران والدول العربية والقوى الدولية، انتقلت سوريا من موقع “المركز النسبي” في معادلة المشرق إلى موقع “ساحة توازنات متعددة”، ما انعكس مباشرة على علاقتها بلبنان.

أما لبنان، فبقي في موقع أكثر هشاشة، بوصفه فضاء ارتداد لهذه التوازنات أكثر منه فاعلًا حاسمًا فيها. فبنيته الطائفية، واقتصاده الريعي، وارتباط مراكزه السياسية بالخارج، جعلته أكثر تأثرًا بالتحولات الإقليمية من قدرته على صناعتها. لذلك جاءت انقساماته حول سوريا والمقاومة وموقعه الإقليمي انعكاسًا لإعادة توزيع النفوذ خارج حدوده بقدر ما هي خيارات داخلية.

ومن هنا، تبدو “السيادة” في السياق اللبناني مفهومًا إشكاليًا يُعاد تعريفه تبعًا لموازين القوى الداخلية والخارجية، حيث تتحرك الدولة ضمن شبكة معقدة من التبعيات، وتعمل الطائفية كآلية لإدارة هذا التداخل بدل تجاوزه.

لذلك، فإن مستقبل العلاقة اللبنانية–السورية، برغم التحولات الجارية في سوريا وصعود الدور التركي وتغير التوازنات الإقليمية، لا يبدو متجهًا إلى قطيعة أو اندماج مستقر، بل إلى تشابك دائم: جغرافي واقتصادي واجتماعي من جهة، وسياسي متغير من جهة أخرى.

في النهاية، تبقى العلاقة بين لبنان وسوريا أكثر من علاقة بين دولتين؛ إنها تعبير عن بنية أوسع نشأت من التجزئة، والصراع الإقليمي، وحدود الدولة الطرفية داخل نظام دولي غير متكافئ. وفي قلب هذه البنية، يبدو تغير المواقع أكثر حضورًا من تغير القواعد نفسها، ما يجعل تاريخ المشرق تاريخًا لإعادة التموضع المستمر داخل نظام شديد القدرة على إعادة إنتاج تناقضاته.

Print Friendly, PDF & Email
طنوس شلهوب

أكاديمي وكاتب سياسي لبناني مقيم في كندا

Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  قرار محكمة العدل.. تاريخي وبداية معركة قانونية