ولربّما بدا هذا الاستنتاج، حينها، متسرّعًا أو مُبكّراً أو مبالغًا فيه بالنّسبة إلى بعض القرّاء وإلى بعض الأصدقاء والزّملاء.
غير أنّ الأحداث التي تتابعت بعد ذلك، من مجريات المواجهات العسكريّة والأمنيّة والسياسيّة-الدّبلوماسيّة، وصولًا إلى مشهد التّشييع الشّعبيّ التاريخي المهيب للإمام الخامنئيّ، وما رافقه من حضورٍ جماهيريٍّ، وشبابيٍّ، ونسائيٍّ، ونخبويٍّ، وفنّيٍّ، وأدبيٍّ، وعلمائيٍّ استثنائيّ.. دفعتني كلّها إلى مزيدٍ من الاقتناع بأنّ تلك القراءة لم تكن بعيدةً عن الواقع، بل إنّ الوقائع اللّاحقة أخذت تؤكّدها تباعاً وبشكل متصاعد اليقين.
لقد قامت الاستراتيجيّة الأميركيّة والاسرائيليّة، في جانبٍ أساسيٍّ منها، على افتراض وجود قطيعةٍ مؤثّرة و/أو عميقة بين النّظام الاسلاميّ وبين المجتمع الايرانيّ، وعلى أنّ أيّ مواجهةٍ (خارجيّةٍ) كبرى من شأنها أن تُسرِّع في تفكّك الدّاخل الايرانيّ على مستويات متعدّدة. حتّى البعض، غير القليل، من زملائنا الوطنيّين والقوميّين واليساريّين وما إلى ذلك: قد ذهب في هذا الاتّجاه عموماً في تحليله، وبعض هؤلاء مصرّ على نظرة دوغمائيّة غير واقعيّة كهذه، يضربها الواقع الموضوعيّ ضرباً مبرّحاً يوماً بعد يوم.
غير أنّ ما حدث قد كشف، في تقديري وبكلّ هدوء وبكلّ موضوعيّة: كشف عن خطأٍ أساسيّ خطير في فهم طبيعة هذا المجتمع (والمجتمعات التي تشبهه نسبيّاً في الإقليم)، وفي ادراك العلاقة المعقّدة ما بين منظومة المفاهيم والرّموز التي يقوم عليها النّظام الاسلاميّ، وبين الوعي الجمعيّ، وربّما اللّا-وعي الجمعيّ، لشرائح واسعة من الشعب الايرانيّ إن لم تكن الأوسع، وكذلك لقطاعاتٍ واسعةٍ من البيئات ذات الثّقافة الشّيعيّة في المنطقة.
ومن هنا، أعتقد أنّ قرار الحرب لم يكن مجرّد خطأٍ في التّقدير العسكريّ أو الأمنيّ أو حتّى السّياسيّ البحت إن شئت، بل كان ولا يزال- إلى حدّ كبير نسبيّاً- تعبيراً.. عن سوء فهمٍ عميقٍ وخطيرٍ للبنية التّاريخيّة والثّقافيّة والرّمزيّة- الواعية واللّا-واعية- التي تتحرّك ضمنها أغلب الاتّجاهات والقوى الشّعبيّة والنّخبويّة الفاعلة داخل إيران.
ولهذا أيضاً، وكما بدأنا بالإشارة، فقد بدت مواقف وتحليلات كثيرٍ من النّخب العربيّة والاسلاميّة تحديداً، والتي راهنت على نتائج مختلفة في هذا الجانب أو ذاك، ظاهراً أو باطناً، ولأسباب متعدّدة.. بدت بعيدةً عن قراءة الواقع بشكل موضوعيّ (عدا عن قراءته بشكل منصف و/أو أخلاقيّ بالنّسبة لبعض الذين يعلنون تموضعاً مواجهاً للمشروع الاستعماريّ/الصّهيونيّ في المنطقة).
إنّ مشهد التّشييع هذا الذي شهده الايرانيّون والمشرقيّون والمسلمون والعرب والعالم، لم يكن- وبكلّ موضوعيّة- مجرّد مراسم وداعٍ لقائدٍ محوريّ بحجم السّيّد الخامنئيّ، بل كان حدثًا شديد البلاغة، ويحمل رسائل عميقة متعدّدة.. بعضها موجّه ربّما إلى “الدّاخل الإيراني”، ولكنّ أكثرها موجّه في اعتقادي- وبوضوح- إلى المنطقة لا بل إلى العالم بأسره.
بكلّ واقعيّة وبكلّ هدوء أعصاب وأفكار: من الصّعب، بعد هذا المشهد، عزيزي القارئ.. من الصّعب بل من المحال تجاوز دلالات هذا الأخير، أو التّقليل من أهميّة معانيه، خصوصاً في هذه الحقبة من الزّمن.
فما هي أبرز الرّسائل التي أراد ايصالها الشّعب الايرانيّ، من خلال مشهد هذا التّشييع الجماهيريّ غير المسبوق على الأرجح؟
كما اعتدنا سويّاً، لنحاول في ما يلي التّركيز على النّقاط التي يُمكن أن تكون الأكثر عمقاً في نظرنا:
أوّلاً؛ إنّ هذا المشهد يدلّ- إلى حدّ كبير- على أنّ الهويّة الوطنيّة/القوميّة والهويّة الدّينيّة/المذهبيّة في إيران.. ليستا بالضّرورة متعارضتين كما افترض ويفترض.. كثيرون، بشكل واعٍ أو لا-واعٍ (بل الأرجح أنّ العكس هو الصّحيح في هذه الحالة طبعاً).
فقد راهن البعض واقعاً، ويراهن البعض: على أن تؤدّي حربٌ كهذه إلى تعميق “الفجوة” المفترضة بين النّظام/الدّولة وبين المجتمع. غير أنّ ما ظهر هو العكس وبنسبة كبيرة جدّاً: إذ تعاملت شرائح واسعة من الإيرانيّين- أو الشّرائح الأوسع واقعاً- مع استهداف النّظام/الدّولة وقياداتها، بوصفه استهدافًا لإيران نفسها، بكلّ ما تمثّله من تاريخٍ ومن ثقافةٍ ومن لا-وعي جماعيٍّ ومن هويّة (وطنيّة/قوميّة إذن، ودينيّة/مذهبيّة معاً).
وفي لحظات الخطر الكبرى، بدا ويبدو اليوم: أنّ الانتماء الوطنيّ/القوميّ والانتماء الدّينيّ/المذهبيّ قد التقيا- ويلتقيان- بشكل عميق جدّاً نسبيّاً في المثال الايرانيّ (الفريد إلى حدّ كبير نسبيّاً أيضاً).
ثانياً؛ أكّد التَشييع ويؤكّد، أنّ قوّة الرّمز، وبالتّالي قوّة اللّا-وعي الجماعيّ العميق، لا تقلّان أثراً.. عن قوّة السّلاح المادّيّ، خصوصاً في بلد كإيران. فالتّاريخ والواقع لا تصنعهما القدرات العسكريّة-التّقنيّة وحدها، بل تصنعهما أيضاً المفاهيم والتّصوّرات والرّموز والذّاكرة الجماعيّة. وعندما يتحوّل رمزٌ ما إلى جزءٍ من الوعي- وخصوصاً من اللّا-وعي- العامّ، فإنّ التّعامل معه بمنطق القوّة المادّيّة البحتة.. يصبح رهانًا محفوفًا بالأخطاء وبالفشل وبالمفاجآت. ولعلّ هذا من أحد أبرز الدّروس التي كشفتها- وتكشفها- الحرب الأخيرة، برغم مكابرات بعض جوانب العقل الغربيّ والأميركيّ.
ثالثاً؛ أظهر المشهد عموماً حدود “القراءة الخارجيّة” للمجتمعات إن جازت التّعابير. فقد بُنيت تحليلات كثيرة، في الغرب وفي المنطقة، على صورٍ نمطيّة اعلاميّة المنشأ في الأغلب، أو ممّا تعكسه بعض وسائل التّواصل الاجتماعيّ، بينما أثبت الواقع أنّ المجتمعات ذات الثّقافات والحضارات العريقة- تحديداً- لا تُقرأ بهذه الطريقة. كما رأينا: التّاريخ الممتدّ في القرون والألفيّات، والثّقافة ذات الطّوابق والتّعقيد والعمق، والعقائد والطّرق المتجذّرة، والرّموز الكامنة في الوعي واللّا-وعي، والوعي واللّا-وعي الجماعيَّين النّابضَين بالحياة (من دون نسيان الجغرافيا المركزيّة والخطيرة طبعاً).. كلّها من بين عناصر عديدة لا تقلّ أهميّةً أبداً عن المؤشّرات السّياسيّة والأمنيّة والتّقنيّة (اليوميّة والظّاهرة إن جازت التّعابير)، بل قد تكون أكثر وأعمق وأخطر تأثيراً، لا سيّما في لحظات التّحول الكبرى.
رابعاً؛ كشف ما جرى عن مفارقةٍ تاريخيّةٍ معروفة في العموم، وهي أنّ الحروب الخارجيّة “الفاقعة” قد تؤدّي، في بعض الأحيان، إلى تقوية الأنظمة القائمة بدل اضعافها. فما كان يُراد له أن يكون مدخلًا “لإسقاط النّظام”، تحوّل على الأرجح، في الحالة الايرانيّة، إلى عاملٍ من عوامل تماسكه بل وتجديد شرعيّته. وهذه ليست خصوصيّةً ايرانيّةً تماماً، ولكنّ الأمر أشدّ وقعاً وقوّةً في المثال الايرانيّ المعاصر.
أمّا “الرّسالة الخامسة”؛ وربّما الأعمق، فهي أنّ الشّعب الإيرانيّ أراد أن يؤكّد في نهاية المطاف: تمسّكه بمنظومته الفكريّة والرّوحيّة والأخلاقيّة والسّلوكيّة والثّقافيّة والحضاريّة، وأنّه لا يرى نفسه مُلزماً باعتبار النّماذج الغربيّة.. النّماذج الوحيدة التي ينبغي أن تسير عليها الشّعوب والأمم وبشكل صافٍ وصرف. لقد قال الشّعب الايرانيّ عمليّاً، وبالتّأكيد، ومن خلال هذا المشهد المهيب: قال إنّ لهذا العالم ولهذه الانسانيّة أكثر من تجربة، وأكثر من فلسفة، وأكثر من طريق إلى “الحقيقة”، وأكثر من تصوّرٍ- نعم- للدّولة وللمجتمع وللإنسان. وقد قال، وفي نفس الإطار، إنّ من حقّ الشّعوب بالتّالي أن تختار منظوماتها الفكريّة والرّوحيّة والثّقافيّة انطلاقًا من تاريخها ووعيها (ولا-وعيها الجماعيّ)، وانطلاقاً من مصالحها، سواء اتّفق الآخرون معها أم اختلفوا.
لقد قال الايرانيّون الكثير من خلال مشهد تشييع الامام الخامنئيّ هذا الأسبوع. وقد يكون ذلك من الأسباب- غير المُعلنة- لتجدّد الضّربات الأميركيّة على الجمهوريّة الاسلاميّة. لذلك، وبكلّ موضوعيّة، يكون السّؤال هنا: هل سنبقى نتلهّى بالاضطّرابات وبالحُجُب التّرامبيّة والاسرائيليّة الظّاهريّة- كما تسوّقها أيضاً عدد من القنوات العربيّة ذات المَيل الظّاهريّ كذلك في العموم- أم أنّنا سنحاول التّفكّر والتّأمّل قليلاً.. في عمق هذه الرّسائل الشّعبيّة والنّخبويّة والرّمزيّة الايرانيّة؟
