بالنسبة إلى المسلمين السنّة، لطالما تمحور النقاش التاريخي حول هوية لبنان وعلاقته بالعروبة. أما المسلمون الشيعة، فانتقلوا خلال عقود من هامش الدولة إلى مركز التوازنات السياسية والعسكرية، في مسار جمع بين التهميش الداخلي والدعم الإقليمي وبناء مؤسسات موازية. وفي المقابل، بقي العلويون جماعة محدودة الحضور السياسي، ارتبط شعورها بالأمان إلى حد بعيد بالجغرافيا الحدودية وبالدولة السورية. ومع اختلاف هذه المسارات، فإنها تلتقي عند سؤال واحد: ماذا تفعل كل جماعة عندما تعجز الدولة عن أن تكون مرجعيتها النهائية؟
السنّة وسؤال هوية الدولة
منذ قيام دولة لبنان الكبير عام 1920، واجه السنّة اتهامًا متكررًا بأن انتماءهم العربي يتقدم على انتمائهم اللبناني، وأنهم ينظرون إلى لبنان بوصفه جزءًا من فضاء أوسع أكثر مما ينظرون إليه باعتباره دولة نهائية. غير أن هذا التصور اختزل خلافًا أكثر تعقيدًا لم يكن يدور حول قبول لبنان أو رفضه، بل حول تعريفه ودوره.
لم تكن العروبة، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من النخب السنية، بديلًا عن الدولة اللبنانية، بل إطارًا ثقافيًا وحضاريًا يمنح لبنان موقعه الطبيعي في المنطقة. فلبنان، في هذا التصور، دولة عربية ذات خصوصية، لا كيان منفصل عن محيطه. لكن هذا الفهم اصطدم برؤية أخرى خشيت أن يؤدي الانخراط في المشاريع العربية إلى تذويب خصوصية لبنان أو تهديد توازناته الداخلية.
هكذا تحولت العروبة من عنصر انتماء لدى أصحابها إلى مصدر قلق لدى خصومهم. وما اعتبره السنّة تعبيرًا طبيعيًا عن الهوية (الأمة)، قرأته قوى لبنانية أخرى باعتباره موقفًا ملتبسًا من الكيان نفسه. ولذلك، لم يكن الخلاف بين الطرفين خلافًا على وجود لبنان، بل على موقعه داخل محيطه وحدود انخراطه في قضاياه.
ومع صعود التجربة القومية العربية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، انجذبت شرائح واسعة من البيئة السنية إلى مشاريع التحرر والوحدة العربية. ولم يكن ذلك معزولًا عن المناخ الإقليمي العام الذي شهد انحسار الاستعمار وصعود الناصرية وتنامي دور القضية الفلسطينية.
وقد نقلت القضية الفلسطينية النقاش من مستوى الهوية إلى مستوى السيادة. فبعد انتقال منظمة التحرير الفلسطينية إلى لبنان في نهاية ستينيات القرن العشرين، رأت قطاعات سنية وازنة أن دعم المقاومة الفلسطينية وفتح الحدود اللبنانية بلا أية ضوابط أمام العمل الفلسطيني المسلح ينسجم مع التزام عربي وأخلاقي تجاه قضية مركزية (من خلال هذه الروحية تحديداً ولد اتفاق القاهرة عام 1969)، فيما رأت قوى أخرى أن وجود السلاح الفلسطيني خارج سلطة الدولة يشكل تهديدًا مباشرًا للسيادة والتوازنات الداخلية.
بدورها، كانت بيروت آنذاك جزءًا من فضاء عربي متحرك، ولم يكن ممكنًا فصل السياسة اللبنانية عن التحولات التي كانت تعيد رسم المنطقة. لذلك رأى الكثير من السنّة أن الانتماء العربي لا يتعارض مع الانتماء اللبناني، بل يمنح لبنان مساحة أوسع من الدور والتأثير؛ غير أن هذا التصور ولّد مخاوف لدى قوى لبنانية أخرى رأت في المشاريع العابرة للحدود تهديدًا مباشرًا لفكرة الدولة الوطنية. وهكذا لم يكن الخلاف حول العروبة خلافًا على وجود لبنان، بل على موقع لبنان داخل محيطه.
لم يعد السؤال حينها: هل لبنان عربي؟ بل أصبح: من يمتلك قرار الحرب والسلم، وإلى أي حد تستطيع الدولة أن تنخرط في صراعات محيطها من دون أن تفقد سلطتها على أراضيها؟ وقد كشفت هذه المرحلة أن كل جماعة كانت تقيس الدولة بقدرتها على تبديد مخاوفها وحماية مصالحها، أكثر مما كانت تقيسها بقدرتها على إنتاج مواطنة متساوية.
بعد الحرب الأهلية (1975) واتفاق الطائف (1989)، دخلت التجربة السنية مرحلة مختلفة. فقد تراجع الخطاب القومي الوحدوي، وصعد خطاب يركز على إعادة بناء مؤسسات الدولة والاقتصاد والانفتاح على العالم العربي. ومثّلت تجربة رفيق الحريري منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي التعبير الأوضح عن هذا التحول، إذ انتقلت العلاقة مع المحيط العربي من مشروع أيديولوجي إلى شبكة سياسية واقتصادية وخدماتية، ولا سيما مع دول الخليج وأكثر تحديداً مع المملكة العربية السعودية.
وهكذا أصبح الخطاب السني يدافع عن لبنان بوصفه دولة مستقلة ذات عمق عربي، بدل طرح العروبة باعتبارها مشروعًا يتجاوز الدولة. غير أن أزمة المرجعية لم تُحل؛ فالعلاقة مع المحيط العربي بقيت عرضة للاتهام بأنها امتداد خارجي، في نظام لم يضع معيارًا وطنيًا موحدًا يحدد متى تكون العلاقات الإقليمية دعمًا للدولة، ومتى تتحول إلى منافس لها.
تكشف التجربة السنية في لبنان أن الأزمة لم تكن يومًا صراعًا بين طائفة موالية للبنان وأخرى موالية للخارج، بل صراعًا بين تصورات مختلفة لمعنى لبنان نفسه، وهنا تظهر المفارقة الأساسية: المشكلة لم تكن في تعدد دوائر الانتماء بحد ذاته، بل في عجز الدولة اللبنانية عن إنتاج هوية وطنية قادرة على استيعاب هذه الانتماءات ضمن إطار واحد.
الشيعة من التهميش إلى بناء القوة
إذا كانت التجربة السنية قد ارتبطت أساسًا بسؤال الهوية، فإن التجربة الشيعية ارتبطت بسؤال العدالة الاجتماعية والتمثيل والقوة. فخلال معظم القرن العشرين، احتل الشيعة موقعًا هامشيًا في البنية السياسية والاقتصادية والمالية، وعانوا ضعف التنمية في مناطقهم ومحدودية الوصول إلى مراكز القرار وعدم تناسب حضورهم المؤسسي مع التحولات الديموغرافية والاجتماعية التي شهدتها جماعتهم.
لكن التحول الشيعي لم يبدأ من فكرة الانفصال عن الدولة، بل من السعي إلى الدخول إليها. وقد مثّل الإمام السيد موسى الصدر نقطة التحول الأساسية في هذا المسار. فمشروعه لم يقم على إنشاء كيان منفصل أو بناء سلطة موازية، بل على إعادة تعريف موقع الشيعة داخل الدولة باعتبارهم مكونًا كامل الحقوق والشراكة.
ركز الصدر على العدالة الاجتماعية، والتنمية المتوازنة، وتوسيع المشاركة السياسية، انطلاقًا من رؤية ترى أن الدولة العادلة هي الضمانة الأساسية لاستقرار الجماعة. غير أن هذا المشروع واجه نظامًا طائفيًا مأزومًا، ثم اصطدم بانهيار الدولة مع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، وتصاعد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على الأرض اللبنانية وصراع الأنظمة العربية على أرض لبنان.
مع تراجع مؤسسات الدولة، بدأت قوى جديدة تملأ الفراغ. وقد جاءت الثورة الإيرانية عام 1979 لتقدم نموذجًا جديدًا يجمع بين المرجعيتين الدينية والسياسية، ويعيد صياغة مفاهيم المقاومة والعدالة والسيادة ضمن إطار عقائدي. غير أن تأثير الثورة الإيرانية في لبنان لم يكن انتقالًا آليًا، بل وجد بيئة مهيأة بفعل التهميش والحرب والاجتياح الإسرائيلي عام 1982 والفراغ الأمني في الجنوب اللبناني.
ظهر حزب الله عند تقاطع ثلاثة عوامل: تأثير فكري وعقائدي إيراني، وحاجة أمنية نشأت في ظل الاحتلال وغياب الدولة، وسعي إلى إعادة تنظيم التمثيل داخل البيئة الشيعية. ومن خلال هذه المعادلة، لم يعد الصعود الشيعي مجرد انتقال من التهميش إلى المشاركة، بل تحول إلى بناء قوة سياسية وعسكرية واجتماعية تمتلك مؤسساتها وشبكاتها الخاصة.
كان العامل السوري أساسيًا في تثبيت هذا المسار. منذ مطلع الثمانينيات، أدى تضارب المصالح السورية والإيرانية إلى “حرب الأخوة” بين أمل وحزب الله، وجوهره من يُمسك بقرار الجنوب اللبناني. ومع انتهاء هذه المرحلة، أنتج التقاطع بين دمشق وطهران بيئة إقليمية سمحت لحزب الله بالنمو داخل النظام اللبناني من دون أن يذوب في مؤسساته. كانت سوريا تمثل مشروع دولة إقليمية ذات حسابات قومية وأمنية، فيما حملت إيران مشروعًا ثوريًا عقائديًا عابرًا للحدود، وقد وفّر التقاطع بينهما مظلة استراتيجية للقوة الشيعية الصاعدة في لبنان والمنطقة.
بالتوازي، تطورت داخل البيئة الشيعية منظومة واسعة من المؤسسات الاجتماعية والصحية والتعليمية والخدمية. وهكذا لم تعد الشرعية تقوم على التمثيل السياسي أو القوة المسلحة وحدهما، بل على القدرة على أداء وظائف عجزت الدولة عن القيام بها. صحيح أن معظم الطوائف اللبنانية أنشأت شبكات خاصة بها، لكن خصوصية الحالة الشيعية تكمن في اقتران هذه الشبكات بتنظيم سياسي وعسكري شديد الانضباط وامتداد إقليمي واضح.
مع الوقت، تجاوزت العلاقة بإيران حدود التحالف السياسي والعسكري لتصبح، بالنسبة إلى جزء من البيئة الشيعية، عنصرًا من عناصر الهوية السياسية. فلم تعد إيران تظهر فقط بوصفها دولة داعمة، بل مركزًا لمشروع يرتبط بولاية الفقيه والمقاومة ومواجهة الهيمنة الخارجية. ومع ذلك، لم تكن هذه العلاقة موضع إجماع شيعي؛ إذ بقيت تيارات تفصل بين الانتماء المذهبي والارتباط السياسي بطهران، وترفض تحويل المرجعية الدينية إلى تبعية للدولة الإيرانية. ولطالما شكّل نبيه بري رأس حربة المشروع الشيعي العربي الذي يريد أفضل علاقة مع إيران من دون تذويب الهوية العربية للشيعة، وهو صاحب قول شهير في مرحلة “حرب الأخوة”: “قتلونا العرب لأننا شيعة وقتلونا الشيعة لأننا عرب”!
شكّل مفهوم المقاومة المصدر الأهم لشرعية هذا المسار. فبالنسبة إلى مؤيديه، وفّرت المقاومة حماية لم يستطع لبنان الرسمي توفيرها، وأسهمت في مواجهة الاحتلال والتهديدات الإسرائيلية وصولاً إلى التحرير عام 2000. أما خصومها، فرأوا أن امتلاك قوة عسكرية مستقلة يضعف احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم، ويجعل السيادة موزعة بين مؤسسات رسمية وفاعل حزبي ذي امتداد إقليمي.
بعد انسحاب القوات السورية عام 2005، أصبح هذا السؤال أكثر حدة. فلم يعد النقاش يدور حول نفوذ دولة أجنبية مباشر، بل حول وجود تنظيم لبناني يمتلك قدرات مستقلة عن الدولة. ثم جاءت الحرب السورية عام 2011 لتوسع نطاق دور حزب الله، بحيث لم يعد محصورًا داخل الحدود اللبنانية، بل أصبح جزءًا من شبكة إقليمية تقودها إيران أطلت للمرة الأولى بشكل علني في الإقليم مع تجربة دعم المقاومة العراقية ضد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003.
وهنا ظهرت المعضلة المركزية: هل نشأت هذه القوة نتيجة ضعف الدولة، أم أصبحت عاملًا في استمرار هذا الضعف؟ وهل العلاقة بإيران تحالف بين طرفين يملكان مصالح متبادلة، أم علاقة اعتماد تربط القرار اللبناني بمشروع خارجي؟
العلويون: الجغرافيا بوصفها حماية
تختلف التجربة العلوية عن التجربتين السنية والشيعية بحكم محدودية حجمها الديموغرافي وضعف حضورها في مؤسسات الدولة. فقد تركز الوجود العلوي في شمال لبنان، ولا سيما في عكار وطرابلس ومحيطها، بمحاذاة الحدود السورية، ما جعل العلاقة مع سوريا امتدادًا اجتماعيًا وجغرافيًا بقدر ما كانت علاقة سياسية.
مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، ثم دخول القوات السورية إلى لبنان عام 1976، شعر العلويون اللبنانيون للمرة الأولى بأنهم يستندون إلى دولة إقليمية قوية توفر لهم غطاءً سياسيًا وأمنيًا. غير أن هذه الحماية لم تؤدِ إلى بناء مؤسسات مستقلة داخل الجماعة، كما حدث في الحالة الشيعية، بل جعلت موقعها أكثر ارتباطًا بالنظام السوري نفسه.
بعد الانسحاب السوري عام 2005، ثم اندلاع الحرب السورية عام 2011، ظهر ضعف هذا النموذج بوضوح. فقد انعكس اهتزاز الدور السوري مباشرة على شعور العلويين بالأمان، وتحولت مواجهات جبل محسن وباب التبانة إلى صورة محلية لصراع إقليمي أوسع. وهكذا كشفت التجربة العلوية أن الحماية الخارجية قد تعوض ضعف الجماعة داخل الدولة، لكنها تجعل مستقبلها مرتبطًا بمصير القوة التي توفر تلك الحماية.
الدولة التي لم تصبح مرجعية نهائية
تكشف التجارب الثلاث أن الامتدادات الخارجية لم تكن ظاهرة طارئة على النظام اللبناني، بل نتيجة ملازمة لهشاشته. فالسنّة وجدوا في العروبة والمحيط العربي إطارًا لهوية لبنان ودوره، والشيعة بنوا علاقتهم بإيران عند تقاطع التهميش والمقاومة والعقيدة، فيما ربط العلويون أمنهم بالدولة السورية بحكم الجغرافيا وضعف الحضور الداخلي.
لكن الفارق بين هذه التجارب مهم. فالعلاقة السنية بالخارج بقيت في معظم مراحلها سياسية وثقافية واقتصادية، ولم تُنتج قوة عسكرية مستقلة ذات بنية عقائدية. أما العلاقة الشيعية بإيران، فقد تحولت إلى منظومة سياسية واجتماعية وعسكرية متكاملة، فيما بقي الارتباط العلوي بسوريا علاقة حماية أكثر منه مشروعًا ذاتيًا قادرًا على إنتاج القوة.
مع ذلك، لا تكمن الأزمة في وجود دوائر انتماء متعددة، بل في غياب دولة تحدد حدودها وتستوعبها ضمن مرجعية وطنية واحدة. فحين تكون الدولة قوية، تصبح العلاقات الخارجية جزءًا من سياستها العامة. أما حين تضعف، فإن الطوائف تتحول إلى وحدات سياسية مستقلة نسبيًا، لكل منها سرديتها وشبكاتها وتحالفاتها ومصادر أمنها وأمانها.
وبذلك، لا يعود السؤال من هو الأكثر ارتباطًا بالخارج، بل لماذا لم ينجح الداخل في أن يصبح كافيًا. فلبنان لم يعانِ فقط من طوائف تبحث عن سند خارجي، بل من دولة لم تستطع إقناع مواطنيها بأن أمنهم وتمثيلهم وهويتهم يمكن أن تُصان داخل مؤسساتها وحدها.
