“تدخل الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران الآن شهرها السادس. وعلى الرغم من الحملة الواسعة والمستمرة الهادفة إلى قطع رأس القيادة السياسية والعسكرية الإيرانية، لم تستسلم الحكومة الإيرانية. كما واصلت القوات المسلحة الإيرانية شنّ ضربات انتقامية بالطائرات المسيّرة والصواريخ، مستهدفة القوات الأميركية وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.
في وقت مبكر من هذه الحرب، توقّع مسؤولون في واشنطن والقدس انهيار الحكومة الإيرانية، ولا سيما بعدما أدّت الضربات الأميركية والإسرائيلية إلى مقتل شخصيتين إيرانيتين بارزتين. ويبدو أن الحسابات انطلقت من افتراض أن الحكومة الإيرانية لا تتمتع إلا بقاعدة تأييد محدودة داخل البلاد، وأن الاحتجاجات المناهضة للحكومة ستُكمل المهمة وتُسقط جمهورية إيران الإسلامية القائمة منذ نحو خمسين عاماً.
تشير الأبحاث السياسية إلى أن المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين ارتكبوا خطأين أساسيين. فقد خلطوا بين الإيرانيين في الشتات، المؤيدين للحرب والمتظاهرين في شوارع تورونتو ولوس أنجلوس وميونيخ، وبين إيران نفسها. كما نظروا إلى إيران ما بعد الثورة باعتبارها نظاماً شبيهاً بعراق صدام حسين أو ليبيا معمر القذافي، حيث كان إسقاط الزعيم يعني قطع رأس النظام نفسه. والآن، وبعد مرور أشهر عديدة، لا تزال الافتراضات الخاطئة ذاتها تشكّل النقاشات المتعلقة بالسياسات تجاه إيران.
كيف يمكننا فهم إيران اليوم؟
وُلدت الجمهورية الإسلامية من رحم واحدة من أكثر الثورات الشعبية تأثيراً في القرن العشرين. وعلى خلاف كثير من الحكومات السلطوية في المنطقة وخارجها، التي نشأت نتيجة انقلابات عسكرية، خرجت الجمهورية الإسلامية من حركة ثورية جماهيرية حشدت ملايين الإيرانيين المنتمين إلى خلفيات اجتماعية متنوعة.
وتختلف الحكومات الثورية اختلافاً جوهرياً عن الأنظمة التي تنشأ نتيجة الانقلابات وإعادة ترتيب السلطة. فهي ترث التنظيمات والشبكات والالتزامات الأيديولوجية التي تشكّلت خلال الصراع الثوري. ولهذا تتمتع هذه الحكومات بدرجة من الاختراق الاجتماعي والتماسك المؤسسي، كما تظهر في نماذج أخرى مثل الصين وكوبا وفيتنام. وغالباً ما تكون الأنظمة الثورية من أكثر أنواع الأنظمة قدرة على الاستمرار، حتى في ظل الأداء الاقتصادي السيئ والضغوط العدائية التي تمارسها قوى خارجية.
ومن هذا المنظور، يصبح من المضلل تحليل إيران وفق المعايير نفسها التي تُستخدم لتحليل الأنظمة السلطوية التي نشأت عن انقلابات عسكرية. فهذه الأنظمة تميل إلى أن تكون شديدة الهشاشة، لأنها بُنيت حول استيلاء المؤسسة العسكرية على السلطة وتعتمد بدرجة كبيرة على ائتلاف حاكم ضيق. أما النظام السياسي الإيراني الذي نشأ بعد عام 1979، فقد تأسس عبر عملية ثورية غيّرت بصورة جوهرية مؤسسات الحكم وعلاقة القيادة الجديدة بالمجتمع. وفهم هذا الاختلاف ضروري لفهم السبب الذي يجعل الاستراتيجيات التي نجحت ضد الأنظمة السلطوية في ليبيا أو العراق غير مرجحة لأن تؤدي إلى النتيجة نفسها في إيران.
لماذا تستطيع إيران حشد مؤيدي الحكومة بسرعة؟
تكمن إحدى نقاط قوة الجمهورية الإسلامية في قدرتها التنظيمية. فعلى امتداد أكثر من أربعة عقود، بنت الحكومة بنية تحتية واسعة قادرة على تعبئة المؤيدين في مختلف أنحاء البلاد. ولا تحكم الجمهورية الإسلامية بالإكراه وحده؛ بل تعتمد أيضاً على شبكات متجذرة في دور العبادة والجامعات والجهاز البيروقراطي الحكومي لتنظيم التظاهرات والمناسبات التذكارية وغيرها من الفعاليات العامة.
وتمنح هذه التنظيمات الحكومة القدرة على حشد أعداد كبيرة من المؤيدين بسرعة كلما شعرت بوجود تهديدات سياسية أو خارجية، بما في ذلك الاحتجاجات المناهضة للحكومة. فعلى سبيل المثال، أعقبت موجات الاحتجاج الرئيسية المناهضة للحكومة في أعوام 1999 و2009 و2018 و2019 و2022، ومؤخراً في كانون الثاني/يناير 2026، تظاهرات كبيرة مؤيدة للحكومة في مختلف أنحاء البلاد. وتمثل هذه التجمعات مؤشرات مرئية إلى وجود تأييد شعبي للحكومة في أوقات الأزمات.
ويميل المحللون وصنّاع السياسات خارج إيران إلى تجاهل هذه القدرة التنظيمية. فكثيراً ما تهيمن الأصوات المناهضة للحكومة داخل أوساط الجالية الإيرانية في الخارج على النقاش العام الأوسع بشأن السياسة الإيرانية. ويقود ذلك المراقبين إلى استنتاج أن الإيرانيين داخل البلاد يعارضون الجمهورية الإسلامية بصورة موحّدة. وبالطبع، لا يعني هذا أن الجمهورية الإسلامية تتمتع بتأييد الأغلبية، لكن وجود معارضة واسعة لها لا يعني، في المقابل، أنها تفتقر إلى قاعدة اجتماعية مهمة.
وتشير استطلاعات الرأي، على سبيل المثال، إلى أن الحكومة الإيرانية تمتلك قاعدة اجتماعية وازنة. ففي استطلاع ذي عينة ممثلة على المستوى الوطني أجريته في إيران عام 2024، لم يؤيد تغيير النظام سوى 30 في المئة من المستطلعين، في حين فضّل 57 في المئة إجراء إصلاحات تدريجية، وفضّل 13 في المئة الإبقاء على الوضع القائم.
وفي الآونة الأخيرة، أجرى عالم السياسة دانيال تافانا وزملاؤه استطلاعاً ممثلاً على المستوى الوطني باستخدام «تجربة القائمة المضمّنة» (Embedded List Experiment)، وهي منهجية مصممة للحد من دوافع المستطلعين إلى إخفاء آرائهم السياسية الحساسة. ووجد الباحثون أن 57 في المئة من المستطلعين أعربوا عن تأييدهم للجمهورية الإسلامية عندما سُئلوا بصورة مباشرة، لكن نسبة التأييد المقدرة انخفضت إلى 47 في المئة عندما أتاحت لهم «تجربة القائمة» قدراً أكبر من إخفاء هوياتهم.
وبعبارة أخرى، حتى بعد احتساب ظاهرة إخفاء التفضيلات الحقيقية، ظل نحو نصف المستطلعين يعبّرون عن تأييدهم للحكومة.
ماذا تخبرنا الانتخابات والاحتجاجات؟
تشير نتائج الانتخابات أيضاً إلى أن الجمهورية الإسلامية لا تزال تحتفظ بقاعدة شعبية كبيرة. ففي الانتخابات الرئاسية لعام 2021، على سبيل المثال، أدلى نحو 23.9 مليون إيراني بأصواتهم للمرشحين الرئيسيين الثلاثة، أي ما يعادل 48 في المئة من الناخبين، فيما اختار أكثر من 22 مليوناً مرشحين من خارج التيار الإصلاحي. ومن المؤكد أن أبرز المرشحين الإصلاحيين كانوا قد استُبعدوا من الانتخابات، كما أن التصويت في الانتخابات لا يعني بالضرورة تأييد الحكومة.
ولكن إلى أي مدى يبلغ عمق هذا التأييد؟ خلال السنوات الأخيرة، أدت الانتكاسات الاقتصادية وردود الفعل على قواعد اللباس الصارمة المفروضة على النساء إلى سلسلة من الاحتجاجات ضد الحكومة الإيرانية. غير أن الاحتجاج لا يعني بالضرورة تأييد تغيير النظام، ولا توجد ضمانة بأن الإيرانيين سينتفضون أثناء تدخل عسكري أجنبي ويتولون بأنفسهم إكمال مهمة إسقاطه.
وتشير أبحاث سياسية إلى أن التهديدات الخارجية تؤدي إلى استجابة تُعرف باسم «الالتفاف حول العلم» (Rally Around the Flag)، حتى في الأنظمة السلطوية. والواقع أن العقوبات الأميركية المفروضة على إيران أحدثت هذا التأثير بالفعل. وتساعد هذه الديناميات السياسية على تفسير سبب عدم تحقق التوقعات المتكررة بانهيار وشيك للنظام.
الجمهورية الإسلامية تتمتع ببنية مؤسسية شديدة القوة
من أكبر الأخطاء التي يرتكبها المراقبون في الخارج التعامل مع إيران باعتبارها نظاماً شخصانياً صرفاً يخضع لسيطرة المرشد الأعلى. صحيح أن المرشد الأعلى هو أعلى سلطة سياسية ودينية في البلاد والقائد الأعلى للقوات المسلحة، لكن الجمهورية الإسلامية تُحكم عبر شبكة معقدة من المؤسسات الرسمية وغير الرسمية.
كما تتأثر عملية صنع القرار بالهيئات المنتخبة، ومؤسسات الرقابة، والفصائل السياسية المتنافسة، والمؤسسة الأمنية، والنخبة الدينية، وجهاز بيروقراطي واسع. وعلى امتداد تاريخ الجمهورية الإسلامية، اضطر المرشدون الأعلى مراراً إلى مراعاة الفصائل المتنافسة والوقائع السياسية القائمة.
والانتخابات الرئاسية ليست حرة تماماً ولا نزيهة تماماً، إذ يتولى مجلس صيانة الدستور التدقيق في أهلية المرشحين قبل السماح لهم بخوضها. ومع ذلك، فإن الانتخابات الإيرانية تنافسية وذات مغزى. فالانتخابات البرلمانية، على وجه الخصوص، تتيح للناخبين مكافأة ممثليهم أو معاقبتهم على أدائهم في توفير الموارد والخدمات العامة والتنمية المحلية.
ويصف علماء السياسة إيران بأنها «نظام سلطوي تنافسي» يتمتع بمراكز متعددة للسلطة. ولهذا التعقيد المؤسسي تداعيات مهمة على قدرة النظام على الصمود. فمن غير المرجح أن يؤدي قطع رأس القيادة إلى انهيار النظام، لأن السلطة متجذرة في بنية مؤسسية أوسع. وقد صُممت هذه المؤسسات بحيث تكون قادرة على إعادة إنتاج القيادة والحفاظ على الاستمرارية. وهذا يساعد على تفسير قدرة إيران على الصمود بعدما أدت الهجمات الأميركية والإسرائيلية إلى مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي في أواخر شباط/فبراير.
دور الإسلام الشيعي في الاستراتيجية العسكرية الإيرانية
إيران بلد ذو أغلبية شيعية، ولهذا الأمر تداعيات مهمة على السياسة. ففي الفكر الشيعي، ينظر الناس تاريخياً إلى السلطة الشرعية بوصفها علاقة أخلاقية وعضوية بين القائد والمجتمع، تقوم على الإرشاد والحماية. وفي صميم عقيدة الحكم في الجمهورية الإسلامية، القائمة على «ولاية الفقيه» ممثلة بالمرشد الأعلى، يوجد مفهوم «الولاية»، الذي ينطوي على معاني القرب والحماية والصداقة.
ومن هذا المنظور، فإن فهم العلاقة بين القوات المسلحة الإيرانية والسلطة السياسية يتطلب تجاوز الفهم الغربي التقليدي للعلاقات المدنية-العسكرية، الذي ينظر إلى المؤسسة العسكرية باعتبارها محكومة أساساً بهياكل القيادة الرسمية والالتزامات المهنية.
ففي إيران، تقوم العلاقة بين القادة السياسيين والقادة العسكريين والجنود أيضاً على الولاء الديني والإحساس الروحي بالواجب والتضحية، بما يتجاوز الرتب والتسلسل الهرمي. فثقافة الشهادة، على سبيل المثال، متجذرة في الذاكرة الشيعية لمعركة كربلاء في القرن السابع، وتمثّل التضحية دفاعاً عن قضية عادلة بوصفها مصدراً للسلطة الأخلاقية.
وفي ثمانينيات القرن العشرين، حوّلت الحرب الإيرانية-العراقية هذه السردية الدينية إلى تجربة معيوشة بالنسبة إلى جيل من القادة الذين دخلوا لاحقاً المؤسسات العسكرية والسياسية الإيرانية. وخلقت الحرب ذاكرة جماعية رسّخت مفاهيم التضحية والصمود والمقاومة داخل بنية صنع القرار العسكري في البلاد. وتساعد روح المقاومة هذه، جزئياً، على تفسير ما يبدو قدرة مرتفعة لدى القوات المسلحة الإيرانية على تحمّل الخسائر والأثمان.
والخلاصة الأساسية، إذاً، هي أن إيران تمتلك مؤسسات وشبكات وقوات عسكرية تتمتع بقدرة على الصمود وامتصاص الخسائر الاستثنائية أكبر مما يفترضه كثيرون. ومن المهم أيضاً تذكّر أن هذه الخسائر يُرجّح أن تدفع الإيرانيين العاديين إلى الاقتراب أكثر من حكومتهم”.
(*) ترجمة بتصرف عن موقع Good Authority
– رويا إيزادي، كاتبة وأستاذة العلوم السياسية في جامعة رود آيلاند
