وإن بدا هذا التحدّي جديداً في سياقه السوري الراهن، فجذوره أعمق وأبعد مدى. فحتّى حين انهارت الإمبراطوريات المتعدّدة الانتماءات ونشأت “الدولة القومية” على أساس وحدة اللغة، لم يكن بناء الهوية الوطنية الجامعة أمراً سهلاً أو تلقائياً. فما بالنا بمجتمعات حافظت على تعدديّة هوياتها برغم قرنٍ من الدولة القومية، ثم عاشت حروباً داخلية صلّبت انتماءاتها “ما قبل الدولتية”؟ وباتت الدولة الجديدة مطالبة بتجاوز هذه الانتماءات وتوليفها في مشروع مستقبلٍ يكون مقبولاً ومرغوباً من الجميع.
***
يتّسم المجتمع السوري، شأنه شأن المجتمعين اللبناني والعراقي وغيرهما، بتعدديّة الهويّات. بل إنّ بعض الباحثين يذهبون إلى أبعد من ذلك، متحدثين عن “تعدديّة الأزمنة”: فلكلّ جماعة أيام أعيادٍ تشكّل رموزاً راسخة لهويتها، مختلفة عن أعياد الجماعات الأخرى. وقد أضافت الدولة الحديثة إلى هذا المشهد أعياداً “وطنية” جامعة، تشكّل رمزاً للانتماء المشترك وتتعايش مع الأعياد الخاصة بكلّ جماعة. ويصبح العبث بهذه الأعياد الوطنية تقويضاً للهوية المواطنية الجامعة، بقدر ما يكون تهديداً للجماعات في أعيادها الخاصة.
ثمة أيضاً أبعادٌ أخرى كثيراً ما تُغفلها الروايات المبسّطة للنزاعات الداخلية. فهي لا تنبثق عن توترات طائفية وإثنية وعشائرية فحسب، بل تتشابك معها توترات اجتماعية-اقتصادية عميقة: بين المدينة والريف، بين داخل أسوار المدن القديمة وأحياء العشوائيات التي استقبلت موجات الهجرة الريفية، بين المدن المركزية والمدن الطرفية، بل وبين القرى المتجاورة على مسائل الماء والرزق. وحين تتلبّس هذه التوترات الاجتماعية أثواباً طائفية وعشائرية، تتحول إلى ما سماه ابن خلدون “عصبية”، أي مظلوميّة جماعية ذات وجه عاطفي حادّ.
يُضاف إلى هذا كلّه، في مرحلة ما بعد النزاع، توتّرات إضافية: بين المقيمين والنازحين واللاجئين العائدين، وبين من انخرط في أفكار “دولة الخلافة” – بمن فيهم الأجانب الذين توافدوا إلى سوريا من أصقاع العالم – وبين سائر فئات المجتمع. كلّها طبقات متراكبة من التعقيد تجعل بناء الانتماء الوطني المشترَك تحدياً من الدرجة الأولى، لا ترفاً سياسياً قابلاً للتأجيل.
***
تُعدّ آليات الحقيقة والمصالحة – ما يُعرف بـ”العدالة الانتقالية” – ركيزةً لا غنى عنها في أيّ مشروعٍ لإعادة بناء الانتماء الوطني. غير أنّ نجاعتها مشروطة بشرطٍ جوهري: ألا تبدو هذه العدالة “عدالة المنتصر” وحسب. فالعدالة التي تنحاز إلى طرفٍ واحد لا تُصالِح، بل تُرسِّخ الانقسام. وانفلات الثأر الجماعي يزرع بذور نزاعٍ داخليّ جديد ويدفع من يشعرون بالظلم إلى طلب الحماية من الخارج، أي إلى تعميق هشاشة الدولة.
الحقيقة التي يجب أن تستند إليها هذه العدالة هي الاعتراف بأنّ الجميع كانوا طرفاً في النزاع وضحايا له في الوقت ذاته، وأنّ السلطة التي أجرمت بحق الوطن قد أجرمت بحقّ جميع مواطنيه دون استثناء.
ومفيدٌ هنا استحضار التجربة الألمانية. فمحاكمات نورمبرغ لم تكن مجرّد عقوبة للقادة النازيين، إذ قام الاتهام فيها على براهين دقيقة متناهية لا على أحكام اعتباطية. وكانت في جوهرها مشروعاً لإعادة تعريف الهوية الألمانية وفصلها عن الجرائم التي ارتُكبت باسمها. وكانت النتيجة أن خرج المجتمع الألماني من “ذنب” الحرب الجماعي، وأصبح بوسعه لاحقاً أن يكون أحد أعمدة الاتحاد الأوروبي وركيزة الاستقرار في القارة.
***
التشاركية في السلطة أداةٌ أخرى لا غنى عنها، لا سيّما في المراحل الانتقالية التي يتعذّر فيها إجراء انتخابات عامّة حقيقية. بيد أنّ التشاركية المطلوبة هنا تختلف جذرياً عما شهده لبنان من تقاسمٍ للسلطة بين أمراء الحرب، تلك التسوية التي رسّخت التوترات الطائفية والمناطقية بدلاً من تجاوزها.
النموذج المطلوب هو تشاركية مدنيّة، تُفرز حركات سياسية واجتماعية عابرة للانتماءات الضيّقة، وتبني مؤسسات دولة تكسب ثقة الجميع عبر أدائها لا عبر انتمائها. وهذا يستلزم توازناً مدروساً بين مستويات الإدارة المركزية والمحلية، إذ كثيراً ما تعجز الإدارة المركزية وحدها عن معالجة تداعيات النزاع في تفاصيلها المحلية الدقيقة.
واللافت للانتباه في المشهد السوري الراهن أنّ المناطق التي تشهد أعمق أزمات الثقة مع الدولة – كالسويداء وجبال الساحل والمناطق الكردية – هي ذاتها التي غابت عنها المشاركة الحقيقية في رسم ملامح المرحلة الانتقالية. وأغلب المجتمعات المحليّة في هذه المناطق لم تعترف بشرعية آلية تعيين مجلس الشعب الانتقالي، ما يُبعدها عن الشعور بالانتماء إلى “سوريا الجديدة”، ويُثير في المقابل حفيظة مناطق أخرى. وفي ظل غياب الترخيص للأحزاب السياسية حتى اللحظة، تبقى مسارات التمثيل المدني شحيحة.
***
تبقى المدرسة هي الركيزة الأعمق والأبعد أثراً في بناء الانتماء الوطني. غير أنّ سوريا تواجه هنا تحدياً مضاعفاً: فالكثير من أبنائها خارج منظومة التعليم كلياً بفعل سنوات الحرب والتهجير والفقر. وفي الوقت ذاته تطفو على السطح أسئلة وجودية ذات أثر بالغ: فأيّ روايةٍ عن الحرب ستُدرَّس في الكتب المدرسية ومن منظور من؟ وأي سردية ستقوم عليها المواطنة الجديدة؟ أسردية أغلبية وأقليات؟ أم سردية مذهبية لطرفٍ واحد؟ أم سردية مواطنية جامعة؟ الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدّد هوية الأجيال القادمة وطبيعة علاقتها بوطنها.
وينطبق هذا ذاته على القطاع الأمني والجيش. فالسلطة الانتقالية الحالية تواجه خطر الوقوع في الفخ ذاته الذي أوقعت فيه السلطة السابقة نفسها: أن يبدو الجيش – برغم أنّ الخدمة الإلزامية كانت تضم أبناء المجتمع كافة – جيش فئةٍ بعينها لا جيش “الوطن” الحامي للجميع. وهنا تؤدّي السردية دوراً محورياً: فمن قاتل في حروب الاستنزاف وعام 1973 واستشهد أو جُرح، هل هو بطل وطني يستحق الاعتراف والتقدير، أم أنّه مجرد مرتزق فئوي لا حقّ له ولا لذويه في أن ينصفه “الوطن الجديد”؟ الإجابة عن هذا السؤال تمس الكرامة وتطال مئات الآلاف من الأسر السورية.
***
لا تنمو التوترات الداخلية في فراغ. فلا توجد وصفة سحرية جاهزة مستوردة من تجارب المآسي العالمية تصلح لمعالجة التوتّرات الناجمة عن النزاعات الداخلية، لا سيما أنّ هذه التوترات قد تتفاقم بعد انتهاء المواجهة المسلحة. ويزيد الأمر تعقيداً أنّ هذه التوترات ليست داخلية صرفة، بل تتدخّل فيها قوى خارجية ترى مصلحتها في استمرار الانقسامات وتغذيتها، لأنّ ذلك يُتيح لها هامش نفوذ لا تريد التخلّي عنه.
فبعض هذه القوى أرسلت مواطنين لها انخرطوا في الفكر الجهادي المتطرّف إلى سوريا، وهي اليوم ترفض استعادتهم وعائلاتهم، بل تنفق أموالاً طائلة كي تُلقي بعبء إدماجهم على عاتق مجتمع يكافح أصلاً للخروج من صراعٍ مرير. وبينما فرضت تلك القوى عقوبات أحادية أنهكت المجتمع ومقوّمات عيشه وأضعفت تماسكه دون أن تُضعف السلطة السابقة وحاشيتها، تأتي اليوم ببعض الأموال لإقامة مشاريع تخدم مصالحها الإقليمية والدولية أكثر مما تخدم إنهاض الاقتصاد السوري.
وقد وظّفت هذه القوى أجزاء من مجتمع سوري مدني عبر تمويلات المنظمات غير الحكومية، لتعمل هذه الأخيرة بما يخدم أجندات خارجية في أحيانٍ كثيرة، بدلاً من أن تكون رافداً لحراك اجتماعي أصيل يعمل لصالح المجتمع. كما سخّرت أجساماً سياسية من المعارضة حوّرت في السرديات وضخّمت الانقسامات، ثم رمت بها جانباً حين لم تعد ذات نفع، لتفقد مصداقيّتها أمام المجتمع. ولطالما بادرت أجهزة إعلامية إلى التلاعب بمجريات الأحداث بما يُفاقم الصراع والانقسامات، ولا يزال بعضها يؤدي هذا الدور اليوم خدمةً لمآرب مموليه.
***
تعيش منطقة المشرق العربي برمّتها لحظة بالغة القسوة والتحوّل، تُقلَب فيها المفاهيم التي سادت منذ عقود ما بعد الاستقلال. إنها صراعات تتداخل فيها إرادات دول ذات إمكانات ضخمة، وتتلاعب خلالها بمصائر دول هشة، وتصدّر إليها جانباً من مشاكلها وأزماتها الداخلية. وفي ظل هذا كلّه، تقف سوريا أمام حجم التضحيات التي بذلها أبناؤها خلال أربعة عشر عاماً من الحرب والمعاناة.
بناء “المواطنة المتساوية” في هذه الظروف ليس أمراً يسيراً، لكنّه يبقى مسؤولية كبرى تقع على عاتق السلطة الانتقالية وجميع مكونات المجتمع معاً. صفحة الصراع يجب أن تُطوى بوعي وإرادة، لا بمهرجانات خطابية فحسب، ولا بممارسات وسرديات تُكرّس الهشاشة وتُعيد إنتاجها. المواطنة الحقيقية لا تُمنَح بمرسوم، بل تُبنى يوماً بعد يوم، في المدرسة والمحكمة والثكنة والسوق، في كل لحظة تختار فيها الدولة العدل على الولاء، والمؤسّسة على الشخص، والوطن على الطائفة.
هذا هو الرهان الحقيقي لسوريا في مرحلة ما بعد الحرب: ليس فقط إعادة الإعمار، بل إعادة اختراع العقد الاجتماعي.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
