السلطة اللبنانيّة.. والسكوتات الثلاثة

لبنان أرضاً ودولةً تحت الاحتلال المشترك إسرائيليَّاً وأميركياً. الأوَّل باستباحة الأرضِ في الجنوب، والثاني بالوصاية الاستباحية المماثلة على القرار التنفيذي في كُلِّ الدولة.السلطة تعرف ذلك، وتنصاع له، وتشارك فيه، ولا تريد الاعتراف. ليس من خجلٍ بل من خوف.

نعم؛ تخاف السلطة عقول شرائحَ واسعةٍ من اللبنانيين. عقولٌ ليست مُحتلَّة، ولا هي مخدوعة بالأساطير التَلموديَّة التي تبرِّرُ الجرائم بـِ”الأوامر الإلهية المؤسطرة“، وتحرِّكُ الإستراتيجيَّة التوسعيَّة الإسرائيلية لمحاولة تقسيم المنطقة، وإقامة “إسرائيل الكبرى” بالتحالف التام مع الرأسمالية الإمبريالية الأميركية المندمجة بالصهيونية سياسياً واقتصاديَّاً وحتى دينيَّاً، كأننا في القرن الخامس عشر أمام بداياتِ لوثريّةٍ عِبرية متجددة، تسعى إلى إعادة إدخال “العهد القديم” سياسياً لا إنجيلياً فحسْبُ، لتوسيعِ المسيحية الصهيونية، وتوفير غطاءٍ دينيٍّ فضفاض لحروب “إسرائيل”.

هذه العقول المتحرِّرة، لم تكنْ بحاجة إلى مجيء مجرم الحرب “يسرائيل كاتس”[من يُسمَّى في الكيان بوزير الدفاع] ليُعلِنَ دفن فكرة الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، وليُجدِّدَ تأكيدَ أنَّ إسرائيل “لن تنسحبَ من جنوبِ لبنان، ولا من جنوب سوريا، ولا من قطاع غزة”، فالأمر كان واضحاً مسبَّقاً بكلِّ خبثه منذ قمة شرم الشيخ في تشرين الأول/ أكتوبر2025 بشأن غزة والمنطقة. أمَّا السلطة اللبنانية فكانت في مكنوناتها قد دفنت فكرة الانسحاب أصلاًُ ثمَّ أقامت الجنازة عندما وقَّعتْ على ما بات يُعرَف باتفاق الإطار الذي لم تَرِدْ فيه هذه الكلمة إطلاقاً(سقط الاتفاق على كلِّ حال)، وقدَّمت بذلك نموذجاً لأوَّل دولةٍ في الأمم المتحدة تُوقِّعُ على احتلال أراضيها خلافاً لكل القواعد الوطنية، ولكلِّ موجبات القانون الدوليّ، والقانون الدولي الإنساني، وربما هي الدولة الأولى التي انتهكتْ نفسَها بنفسِها عندما خرقت مبدأ “سيادةِ الدولة الوطنية” الذي كرَّستْهُ في العالم الحديث معاهدة وستفاليا 1648. ولا مبالغة في هذه النقطة، فتلك هي الحقيقة عاريةً في عين الشمس. إنَّ احتلال جزءٍ من الأرض هو احتلال للكلِّ. وهذا ما يؤكِّدُه ميثاقُ الأمم المتحدة في الفقرة الرابعة من مادَّتهِ الثانية، ويشدِّدُ عليه قرارُ جمعيّتها العامّة عام 1970 رقم 2625 الذي ينصُّ على أنَّ “احتلال أيِّ جزءٍ من الأرض يُعدُّ انتهاكاً لسلامة الدولة ككلٍّ لا للرُقعة الجغرافية المحتلة وحدَها”. وبرغم ذلك ما زالت السلطة اللبنانية تصرُّ على ما يُسمَّى “التفاوض” – والأحرى أن تكون التسمية جلسات الاستماع والتلقي – فتتنقَّل بين واشنطن وروما، وتنسق مع المندوب السامي الأميركي السفير ميشال عيسى، ويذهب وفدُها حاملاً اقتراحاتٍ، فيرفضها “الإسرائيليون” ويعود الوفد بخُفَّيْ حنين، كما سيعود لاحقاً إذا ذهب في أيلول/سبتمبر المقبل إلى جولةٍ تكراريَّة في روما.

كلُّ هذا والسلطة تُوغِلُ في الأخطاء، ولا تُراجِعُ نفسها، ولا تريد الاعتراف. والخَشيةُ كلُّ الخَشيةِ هي أن تكون في دواخلِها أصبحتْ تقتنع بأنَّ لبنان 1920 بات في طريق الزوال لمصلحة “لبنان صغير ثانٍ”، فتحسَبُ عندئذٍ حساباتٍ واهية لما بعد تغيير الخرائط في المنطقة. وما زلنا إلى الآن نذكرُ كلام مبعوث الرئيس الأميركي إلى لبنان وسوريا وتركيا توم براك عندما وجَّه رسالةً مبطَّنة وخطيرةً فقال في تموز/يوليو 2025 إلى صحيفة “the national” إنَّ لبنان “يُواجهُ خطراً وجوديَّاً، وهو مهدَّدٌ بالعودة إلى أحضان سوريا”.

لا نعتقدُ أنَّ السلطة بعد نحو سنتين من البَواءَةِ التنفيذية، عقدتْ ولو خلوةً بحثيَّةً واحدةً لتدرسَ الوضعَ الإستراتيجي في منطقةِ الشرقِ الأوسط، كي تتخذ قراراتٍ على أساسٍ علميٍّ ووطنيٍّ، لمواجهةِ العدوِّ الإسرائيلي، ولإنقاذ لبنان، وإنقاذ نفسها. لقد طغت عليها الفرديَّةُ بثنائيّةِ الرئاسة والحكومة، ولذا سقطت شعبيَّاً وسياسياً، ولم يبقَ لديها اليوم إلَّا السلةُ الأميركية المثقوبةُ تضعُ فيها ماءَها فتذهبُ هدراً ومكراً.

لو لم يكن ذلك صحيحاً لَمَا سكتتِ السلطةُ مؤخَّراً عن ثلاثِ قضايا خطيرةِ المغازي:

أوَّلاً: لا موقفَ كافياً ولا حاسماً من مجيءِ وزير حربِ العدوِّ الإسرائيلي “كاتس” إلى جنوب لبنان وإعلانه عدم الانسحاب من الجنوبيْنِ اللبناني والسوري ومن غزة. سكتتِ السلطة “التزاماً” بما يُسمَّى “اتفاق الإطار”، فلم تعترضْ قانونيَّاً، ولو بدعوى رجائيَّة أمامَ مجلس الأمن الدولي، فبرهنتْ على سقوطِ نظريتها بتحقيق الانسحاب بالدبلوماسية. وأعطت بهذا السكوت فرصةً جديدة للتنمُّرِ الإسرائيلي في اجتماعات روما المرتقبة مطلع الشهر المقبل.

ثانياً: سكتتْ السلطة على طلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع الدخول إلى لبنان(كرَّرَهُ ثلاث مرات بين حزيران/يونيو وتموز/يوليو الماضييْن) لضرب المقاومة من الشمال والشرق بعد أن عجز العدوُّ الإسرائيلي من جهة الجنوب، ولم تقرأْ معنى أنَّ النظام السوري نفسه خاف من هذه الدعوة، وعرَفَ أنها دعوة تُدْخِلُ سوريا نفسها في متاهةٍ دمويةٍ لا لبنان فحسبُ، فضلاً عن إشعال المنطقة عسكريَّاً وسياسيَّاً ومذهبيَّاً.

ثالثاًً: سكتتْ السلطة سكوتاً فائقَ الرِيبةِ عن الردِّ على كلِّ الدعواتِ التي وُجِّهتْ إليها للحوار الوطني الداخلي، وعلى الخطوات المرنة التي أبدتها المقاومة، فماذا تنتظرُ السلطة؟ وكيف تفكِّرُ بفحوى دورها في المرحلة المقبلة، وهي مرحلةٌ حاملٌ بجنينٍ متفجِّرٍ في المنطقة والعالم؟.

إقرأ على موقع 180  واليسار الحقيقي ينتفض أيضا في لبنان

لن ينجو لبنان في ظلِّ هذا النمط من التفكير لدى السلطة، ولا شكَّ في أنَّ سكوتاتِها الثلاثة تمثِّلُ رموزاً وإشاراتٍ تدلُّ على أنَّ الآتي هو الأخطرُ بكثيرٍ ممَّا هو قائمٌ حالياً. حمى الله لبنان.

Print Friendly, PDF & Email
بسّام ضو

عضو الهيئة الإدارية لاتحاد الكُتّاب اللبنانيين

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  أبواب دمشق ـ الرياض موصدة.. "الحق عالأوكران"!