بصرف النظر عن الصياغة الحرفية المتداولة للعبارة ومدى مطابقتها للنص الأصلي، فإنها تلخص جانباً أساسياً من تصور لوبون للجماهير. فهو لم يكن يقول، بالمعنى المبسط، إن الجماهير “غبية” وإن الحاكم يستطيع خداعها كيفما شاء. أطروحته أكثر تعقيداً، وإن تعرضت لاحقاً لانتقادات واسعة في علم النفس الاجتماعي والسياسي. فقد رأى أن الفرد، عندما يصبح جزءاً من كتلة جماهيرية، يمكن أن تتغير آليات حكمه على الأشياء، وأن العاطفة والعدوى النفسية والإيحاء تكتسب تأثيراً أكبر، وأن الجماهير تميل إلى الصور والشعارات والأفكار التي تمنحها تفسيراً سريعاً ومتماسكاً للعالم؛ ومن هنا يصبح السياسي القادر على صياغة رواية عاطفية سهلة التداول أكثر قدرة على التأثير من الخبير الذي يقدم تفسيراً دقيقاً، لكنه معقد ومزعج.
غير أن علينا التمييز منذ البداية بين الكذب والتضليل والوهم. فالكذب يفترض، في صورته المباشرة، أن يعرف المتكلم أن ما يقوله غير صحيح؛ والتضليل قد يكون عملية مقصودة لإخفاء بعض الوقائع أو إعادة ترتيبها؛ أما الوهم الجماعي فهو أكثر تعقيداً، لأنه قد يكون رواية يؤمن بها الجمهور والزعيم معاً، وتمنح الطرفين معنى وهوية وأملاً وشعوراً بالأمان. ولذلك قد يكون الوهم السياسي أكثر قوة من الكذبة؛ فالكذبة يمكن كشفها بوثيقة، أما الوهم فيستطيع النجاة حتى بعد اصطدامه بالوثائق.
نيتشه الذي لم يقل.. وأورويل أيضاً
هنا تأتي عبارة أخرى منسوبة إلى فريدريك نيتشه، تتداولها مواقع ومنصات في شتى أنحاء العالم: “لا تقع ضحية المثالية المفرطة وتعتقد بأن قول الحقيقة سوف يقرّبك من الناس. الناس تحب وتكافئ من يستطيع تخديرها بالأوهام..”.
غير أن البحث في المصادر لا يقدم دليلاً موثوقاً على أن نيتشه كتب هذا النص بهذه الصيغة. والمفارقة أن نزع نسبته إليه لا يلغي السؤال الذي يطرحه، بل يجعله أكثر إثارة: لماذا يبدو الكلام “نيتشوياً” إلى درجة تجعلنا نصدقه قبل أن نتحقق من مصدره؟
ربما لأن نيتشه تناول بالفعل العلاقة المتوترة بين الحقيقة والوهم، وبين المعرفة والحاجة النفسية إلى المعنى، وانتقد التعامل مع “الحقيقة” باعتبارها قيمة بسيطة ومحايدة خارج التاريخ والرغبات والقوى. لكن العبارة المتداولة تستعير نبرة نيتشوية أكثر مما تنقل نصاً نيتشوياً.
ويحدث الأمر نفسه مع جورج أورويل. فالعبارة الشهيرة “في زمن الخداع الشامل تصبح الحقيقة عملاً ثورياً” ليست ثابتة عنه أيضاً، ولا يوجد في كتاباته أو مقالاته أو رسائله مصدر موثوق يثبت أنه قالها بهذه الصيغة.
وهذه ليست ملاحظة أكاديمية هامشية، بل تكاد تكون مفتاح المقال كله. فنحن نريد مناقشة خطورة الوهم والتضليل، ثم نكتشف أن بعض أشهر الأقوال التي نستعين بها لمهاجمة الوهم قد تكون هي نفسها جزءاً من عالم المرويات غير الموثقة.
فالعبارة تصبح أحياناً أكثر شهرة من مصدرها، وأكثر تأثيراً من حقيقتها، لأننا لا نصدقها دائماً بعد التحقق منها، بل لأن تصورنا السابق عن صاحبها يجعلها قابلة للتصديق. نحن نعتقد أن نيتشه “يمكن أن يقول ذلك”، فنختصر المسافة بين الإمكان والحقيقة.
وهنا يظهر أحد أكثر أشكال التضليل فعالية: فكرة جذابة، داخل قالب مألوف، تحمل توقيع اسم كبير يمنحها سلطة لا تستمدها من الدليل. هذه السلطة تجعلها قيد التداول وعلى لسان الناس والقادة أحياناً.
لبنان.. لماذا يحتاج الوهم إلى سوق؟
يقودنا ذلك إلى لبنان. فهل نعيش في بيئة سياسية يصبح فيها إنتاج الوهم أكثر فاعلية من تقديم الحقيقة؟
نعم، جزئياً، ولكن ليس لأن اللبنانيين “يحبون الكذب”، كما يُروّج كثيرون، فالمشكلة أعمق بكثير.
يعيش لبنان داخل بنية سياسية واجتماعية تجعل الهوية الجماعية، لدى قطاعات واسعة من المجتمع، مصدراً للأمان النفسي والسياسي، وتجعل الزعيم أو الحزب أو الطائفة وسيطاً بين الفرد والدولة. وعندما تعجز الدولة عن توفير الحماية والخدمات والعدالة بصورة متساوية، يصبح البحث عن وسيط أكثر قدرة على تلبية الحاجات سلوكاً مفهوماً.
وهنا تنشأ الزبائنية. لكنها ليست وهماً نفسياً فقط. فقد تعني وظيفة أو استشفاء أو قسطاً مدرسياً أو معاملة إدارية أو مساعدة مالية أو حماية. ولذلك يصبح الولاء، في حالات كثيرة، استثماراً مادياً في الأمان، وتصبح كلفة الخروج من الشبكة السياسية والطائفية حقيقية وليست متخيلة.
وقد ربطت أدبيات واسعة عن النظام السياسي اللبناني بين ضعف المؤسسات وشبكات المحسوبية والزبائنية واستمرار النظام الطائفي. كما أظهرت دراسات عن الثقة الاجتماعية في المجتمعات المنقسمة أن الشعور بعدالة المؤسسات والظروف الاجتماعية والاقتصادية يؤثر في مستويات الثقة العامة. ومن هنا لا يمكن تفسير استمرار النظام اللبناني بتلاعب النخب بالجمهور وحده؛ فثمة حوافز مادية واجتماعية تجعل قطاعات من المواطنين تشارك، بوعي أو من دونه، في إعادة إنتاجه.
وهنا يصبح “الوهم السياسي” أكثر من معلومة كاذبة. فالزعيم يقدم للمواطن تفسيراً لوجوده ومخاوفه: مشكلتك ليست في سوء الإدارة، بل في “الآخر”؛ وليست في غياب الدولة، بل في أن الجماعة الأخرى تريد إلغاءك؛ وليست في فساد النظام، بل في مؤامرة خارجية؛ وليست في فشل زعيمك، بل في أنه لم يحصل بعد على القوة الكافية.
وهكذا تتحول السياسة إلى ماكينة لإنتاج الأعذار: كل فشل يجد تفسيراً خارج المسؤولية، وكل أزمة تصبح دليلاً إضافياً على ضرورة التمسك بالجماعة، وكل مطالبة بالمحاسبة يمكن تصويرها باعتبارها تهديداً للوجود.
الزعيم والجمهور.. مَن يصنع الآخر؟
هنا تصبح أطروحة لوبون غير كافية وحدها. فالعلوم السياسية والاجتماعية المعاصرة تجاوزت إلى حد بعيد صورة “الجمهور المخدوع” الذي يتلقى الرسالة من الأعلى. فالناس يميلون أيضاً إلى قبول المعلومات التي تنسجم مع هوياتهم ومواقفهم السابقة، وإلى مقاومة ما يهدد صورة جماعتهم أو تصورهم عن أنفسهم.
وهكذا لا توجد فقط صناعة للأوهام، بل توجد سوق للأوهام، أي هناك من يبيع وهناك من هو مستعد لشراء الأوهام!
فلو لم تكن هناك حاجة إلى الرواية، لما استطاع السياسي بيعها بهذا النجاح. عندما يشعر المواطن بالخوف، يصبح الخطاب الذي يمنحه الحماية أكثر جاذبية من خطاب يطالبه بالمراجعة. وعندما يشعر بالإهانة أو التهميش، تصبح الرواية التي تمنحه كرامة جماعية أكثر إغراءً من الرواية التي تطالبه بنقد جماعته.
ومن هنا، فإن عبارة “الناس ضحية” لا تقدم إلا نصف الحقيقة. فالمواطن ليس دائماً ضحية بريئة لزعيم متلاعب، والزعيم ليس ساحراً يمتلك جمهوراً ساذجاً. العلاقة تبادلية: السياسي يحتاج إلى جمهور يصدق روايته، والجمهور يحتاج أحياناً إلى سياسي يمنحه الرواية التي يريد تصديقها.
إنهما يدخلان في عقد نفسي وسياسي غير مكتوب: أعطني رواية مريحة، أعطك ولائي؛ لا تطلب مني مواجهة الحقيقة كاملة، ولا أطلب منك تفسير فشلك كاملاً.
وتزيد وسائل التواصل الاجتماعي هذه الحلقة قوة. فالجمهور المعاصر لم يعد يحتاج إلى الاجتماع في ساحة كي يتحول إلى “جمهور” بالمعنى النفسي. تصنع المنصات جماعات عاطفية متزامنة، وتنتشر عبرها الروايات التي تستثير الخوف والغضب والانتماء بسرعة أكبر من التفسيرات المعقدة.
فتبدأ الرواية من السياسي، ويتلقاها الجمهور، وتعيد المنصات والإعلام الحزبي تدويرها، ثم تعود إلى السياسي في صورة “رأي عام” يستشهد به لتأكيد صحة الرواية التي أنتجها أصلاً. وهكذا لا يعود ممكناً دائماً تحديد مَن يخدع مَن؛ لأن منتج الوهم ومستهلكه يشاركان في إعادة إنتاجه.
عندما تغير اللغة أسماء الأشياء
في لبنان، بحسب موقع المتكلم، يمكن إعادة تقديم الخسارة باعتبارها “انتصاراً”، والعجز “صموداً”، والزبائنية “خدمة أهلية”، والانقسام “تنوّعاً”، والتعطيل “حماية للميثاق”، والفشل الإداري “نتيجة للمؤامرة”، والاستقواء بالخارج “دعماً سياسياً”، والولاء للزعيم “وفاءً”، ناهيك بالتصنيفات الجاهزة (وطنيvsعميل) إلخ..
المشكلة ليست في الكلمات نفسها، وإنما في اللحظة التي تصبح فيها الكلمات بديلاً عن الوقائع.
لكن القول إن لبنان يعيش بالكامل في “زمن الخداع” سيكون بدوره وهماً. فالجمهور اللبناني ليس كتلة واحدة، وداخل كل طائفة وجماعة سياسية أصوات نقدية وتناقضات. وقد شهد لبنان احتجاجات وحركات سياسية ومدنية كسرت، ولو مؤقتاً، احتكار الروايات التقليدية ورفعت مطالب عابرة للطوائف تتعلق بالدولة والمحاسبة والعدالة.
المشكلة، إذاً، ليست أن اللبنانيين لا يريدون الحقيقة، بل أن الحقيقة السياسية قد تكون مكلفة.
فهي قد تعني الاعتراف بأن الزعيم الذي تحبه أخطأ، وأن جماعتك ليست دائماً على حق، وأن خصمك ليس شيطاناً مطلقاً، وأن بعض مخاوفك جرى تضخيمها، وأن جزءاً من الأزمة التي تنسبها إلى الآخرين تتحمل أنت وجماعتك مسؤولية عنه أيضاً.
ولذلك قد يفضّل الإنسان رواية ناقصة تحمي هويته على حقيقة كاملة تهزها.
الوهم الأخير: أنا وحدي أرى الحقيقة
لكن ثمة فخاً أخيراً ينبغي الحذر منه. فقد نستخدم لوبون ونيتشه وأورويل لكي نثبت أن الآخرين مخدوعون، ثم نمنح أنفسنا موقعاً مريحاً خارج عالم الأوهام.
وهذا ربما يكون أخطر الأوهام جميعاً: “أنا وحدي أرى الحقيقة”.
فمن السهل على كل جماعة لبنانية أن تفسر سلوك الجماعات الأخرى بالجهل والتضليل، وأن تعتبر سرديتها هي وحدها نتاج العقل والوقائع. عندئذ تتحول نظرية نقد الوهم نفسها إلى أداة جديدة للاستقطاب.
ولذلك، فإن الخروج من هذا المأزق لا يكون بإهانة الجماهير أو تصوير الناس كقطيع، بل ببناء مؤسسات تجعل الحقيقة أقل كلفة والوهم أقل ربحاً. فحين تكون الدولة قادرة على توفير الحقوق والخدمات، تتراجع حاجة المواطن إلى حماية الزعيم. وحين تكون المؤسسات موثوقة، يصبح الخطاب التخويفي أقل فاعلية. وحين توجد صحافة مستقلة وثقافة نقدية ومعلومة متاحة، يصبح احتكار تعريف الواقع أكثر صعوبة.
فالدرس الأعمق الذي يمكن استخلاصه من لوبون وأسئلة نيتشه ومخاوف أورويل ليس أن “الناس تحب الأوهام”، بل أن الحقيقة والوهم يحتاج كل منهما إلى بيئة تحمله.
في لبنان، المعركة ليست فقط بين مَن يقول الحقيقة ومَن يقول عكسها، بل بين نظام يجعل المساءلة والصدق ممكنين، ونظام يجعل الولاء أكثر ربحاً من الحقيقة.
ولعل أخطر وهم لبناني هو الاعتقاد بأن المشكلة دائماً في “الآخر”. فهو يسمح لكل جماعة بأن ترى نفسها ضحية دائمة، ولكل زعيم بأن يقدم نفسه منقذاً، ولكل فشل بأن يجد عدواً جاهزاً.
أما الحقيقة الأكثر إزعاجاً، فهي أن استمرار الوهم لا يحتاج دائماً إلى مؤامرة كبرى؛ يكفي أن يجد مَن يبيعه، ومَن يحتاج إليه، ومَن يخشى كسره.
والمفارقة أن أول ممارسة للحقيقة قد تكون أبسط مما نتصور: أن نتحقق أولاً من أن العبارة التي نستشهد بها عن الحقيقة صحيحة فعلاً.
فحين نفعل ذلك، نكون قد بدأنا، ولو بخطوة صغيرة، بالخروج من عالم الوهم الذي نريد نقده.
