في التردُّد والحَسْم

وصل الرجل متذمرًا، يرغي ويزبد، يسب الأوضاع المزرية ويلعن المتسبب فيها، ولما سأله رفاقه عما به؛ كاد لسانه ينطق؛ لكنه صمت فجاة ونظر حوله هامسًا: "وللا بلاش الحيطان لها ودان". أطلق أحد الجالسين في المقهى ضحكة ذات معنى وردد في نبرة تحذيرية: "إن خفت ما تقولش وإن قلت ما تخافش". هدف العبارة أن تبعد عن سامعها شبح التردُّد، وأن تمنعَه الإفراطَ في التفكير وتقطع الموقف المُعلق وتبت فيه. يبدو الأمر سهلًا يسيرًا؛ لكنه على أرض الواقع صعب عسير، فالخوف يُولد مع الرغبة في البوح والتصريح، والكتمان يوغر الصدر ويوجع القلب ويورث صاحبه القهر والعذاب. يعاني كثير الناس من اضطرارهم لكبت مشاعرهم؛ رهبةً من التبعات، وتحسبًا من قضاء أعمارهم بين الجدران الموحشة.

تتطلب بعض المواقف شيئًا من الحَسم والصرامة؛ فمتى تردَّد المرء إزاءها، ضاعت منه الفرصة وكان مصيره الإخفاق، ولا عجب إن تعرَّض حينها لسهام السُّخرية وانطبق عليه المثل الشعبيُّ الراجح: “لا طال بلح الشام ولا عنب اليمن”. يعتمد المثل على حقيقة جغرافية لا غبار عليها؛ فبلاد الشام تقع شمالًا واليمن يقبع في الجنوب، وفي المنتصف مسافة واسعة؛ لا تسمح بأن يحصل المرءُ على بغيته منهما في وقت واحد؛ فإما أن يذهب لهذا أو يمضي إلى ذاك، أو يقف في المُنتصف مُترددًا خاوي الوفاض.

***

بعض المرات يتذبذب الواحد في أفعاله وتصرفاته، يعجز عن اعتناق مبدأ متكامل والالتزام به، يأخذ من كل بستان زهرة ويحاول جمع ما انتقى في باقة واحدة؛ لكن الحصيلة النهائية تصبح غير متناسقة؛ لا تنجز الغرض منها ولا تحقق إخفاقًا كاملًا، يغدو أحد هؤلاء الذين “رقصوا ع السلم”. بعض الحكومات تتبع نهجًا اقتصاديًا عجيبًا، تقترض من أجل تحسين وضعها المالي، ثم تنفق ما اقترضت في مظاهر فارغة وإنشاءات تافهة، تضاعف ديونها؛ فلا هي بقيت على حالها، ولا أنجزت على طريق الإصلاح خطوة. على كل حال؛ يبدو الراقص على السُّلم في حال كرب؛ إذ يحتاج إلى أرض مستوية تعينه على الأداء وتمنحه قدرًا كافيًا من الثبات، فإن لم تتوفر العوامل الداعمة؛ توتَّرت حركته وفقدت انسيابيتها وتعذَّر اكتمالها، فلا هو براقص جيد ولا هو بواصل إلى وجهته؛ إنما يبقى عالقًا ما بين بين.

***

التردُّد سِمةٌ مزعجة،؛ إن اتسم بها فرد ما سَلمت الجماعةُ كلُّها؛ لا سِيَّما والمُتردد حائرٌ دومًا، غير قادر على اتخاذ القرارات ولو في أبسط الأمور، ولا مفرَّ إذًا من أن يعاني المحيطون به تعطُّل أفعاله وتذبذبها، واستهلاكه وقتًا ممتدًا بلا عمل مُنجِز. إن أراد المشاركة في أمر احتاج لمناقشات مُستَفيضَة تطمئنه، وإن شارف على اتخاذ قراره عاد يُقيمه ويستشرف تبعاته، وإن بدأ التنفيذ توقف في مرارًا يراجع نفسه ويتوسل التأييد. المُتردد أزمة والأزمة صعبة، عصية على التذليل، يتطلب حلها صبرًا وتدريبًا وإرادة.

***

“اخلص” أمر غرضه الحثّ على الإسراع في تنفيذ شيء ما، وضمن السياق ذاته قد تصدر أوامر أخرى منها “انجز”، ومنها أيضًا “قصَّر”. القاسم المشترك الأعظم الذي تتشاركه الأوامر الثلاثة، هو الرغبة في اختصار الفترة الزمنية التي طالت بغير داعي، وأصابت المُنتظِر بالمَلل والزهق، أما عن الشخص المأمور؛ فقد يكون بطيء الأداء بطبعه، أو مترددًا في عمله؛ يريد له الكمال والكفاية، وعلى اختلاف الأسباب؛ قد يحدث بين الطرفين اشتباكٌ، مَردُّه اختلاف الصفات وتناقضها.

***

بعض الأمكنة التي تقدم خدمات عامة تحتاج إلى تفرغ العميل واسترخائه التام، فزيارة واحدة تستغرق ساعات طويلة؛ حتى ليتردد الواحد عشرات المرات قبل أن يقرر القيام بها. في رحلة اضطرارية إلى أحد البنوك المصرية العريقة، جلست أنتظر دوري بابتسامة العارفين، وقدرت أن أمامي نصف ساعة تمتد بطبيعة الأحوال إلى ساعة. مرت دقائق ثم ساعة ثم اثنتان. اختفت ابتسامتي وبدأت الساعة الثالثة دون أن ينادى رقمي؛ ليس لوجود أعداد كبيرة من العملاء، ولا لانهيار مفاجئ في الشبكة أو تبلد معتاد من النظام الإلكتروني؛ أبدًا؛ إنما هو الأداء التقليدي المُغرِق في الرتابة، والإصرار على إتمام إجراءات مُكرَّرة يبدو أغلبها غير ضروريّ ولا مفهوم. أنهيت المُعامَلة قبل أن تبدأ الساعة الرابعة، مدركة أن تردُّدي الذي طال، وميلي إلى التأجيل كلما سنحت فرصة، لم يكن أبدًا مبالغة؛ بل محاولة لا إرادية يقوم بها اللا وعي، مستهدفًا إنقاذ الوقت وحماية الأعصاب.

***

ضمن الحكم التي تعلمناها صغارًا وحملتها أغلفة كراساتنا القديمة وسط نصائح ثمينة لازمتنا عمرًا: “الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك”. العبارة حاسمة كالمعنى الذي تحمله، تمنع المجادلة وتؤكد الفكرة في اختصار بلا استفاضة ولا إسهاب؛ مع هذا فإن التطبيق غائب على الأرض، والزمن المار يبدو بلا قيمة في مجتمعات خرجت عن هامش التاريخ، وتعطَّنت بمن فيها حتى أزكمَت رائحتُها الأنوف. الوقتُ رخيصٌ رِخَص الحيوات الضائعة والرغبات الموؤدة، والأحلام التي تتبخر مع كل صباح. الوقت رخيص عند هؤلاء الذين أصابهم يأس عميق؛ لكنه ثمين باهظ عند الأمم التي تعرف وتتعلم وتكتشف، وتغير من أمرها وفق ما تلقت من دروس.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية  

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  في غيابِ الضَّمير
بسمة عبد العزيز

طبيبة وكاتبة مصرية

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  في غيابِ الضَّمير