في غيابِ الضَّمير

من خلالِ النافذةِ الزجاجيَّة الواسعة؛ لمحت العاملةُ مديرَ المكان وهو يخطو باتجاهها. تركت كسلها جانبًا وطوت مُسرِعة أطراف البساط، ثم تناولت المكنسة وراحت تحركها في هِمَّة ونشاط. وصل الرَّجل فألقى نظرة سريعة على الصالة ثم هزَّ رأسه مبتسمًا في رضاء، ولما خرج من المكان أعادت العاملة كلَّ شيء إلى وضعه الأول وانصرفت؛ فيما همست امرأة من مَجلسها القريب: "ناس تخاف ما تختشيش"؛ لكن أخرى تشاركها القعدة ردَّت ضاحكة: "على قد فلوسهم".

عادة ما ينبع الخوفُ من تصوُّر العقاب الآتي، والقَّصد من المَثل أن ثمَّة أشخاصًا يهابون التعرُّضَ للمُجازاة، فيلتزمون بواجباتهم ويؤدونها على أكمل وجه؛ لكنهم لا يستحون تجاهلها وإهمالها إذا ما تلاشى خوفُهم وشعروا بالاطمئنان، والحال أن العصا المرفوعة تصبح ضمانة لسير الأمور على ما يُرام؛ إذ الاعتماد الكليّ على وجود الضمير أمرٌ مشكوكٌ كثير الأحيان في جدواه؛ إن نجح مع مجموعة محدودة من الناس خاب مع الآخرين.

***

إذ طلب المعلمُ من تلاميذه أن يجيبوا أسئلةَ الامتحان ثم خرجَ من الفصل؛ سعي بعضُهم للغشّ وامتنعت قلَّةٌ، وإذا تأكد السائقون من تعطُّل جهاز الرادار على الطريق؛ رفع أغلبُهم سُرعة العربة وتخطوا المُباح، وإذا أدار المدربُ وجهَه عن المُتمرنين تراخى كثيرهم في أداء الحركات المطلوبة وتلكأوا. ثمَّة أمثولةٌ تصِفُ هذا المَسلك بدقَّة، ولا ينفك أغلبنا يستدعيها في مواقف شبه يومية: “إن غاب القط العب يا فار“. يمثل “القط” الرقابة الصارمة التي يراوغها  “الفار” ما استطاع، ويأمل في التخلُّص منها بأي وسيلة، والحقيقة المُخجِلة التي لا مفرَّ من التسليم بها؛ أن جميعَنا يميل إلى أداء دَور الفأر في لحظة ما، وبغير وَعيٍ أو تعمُّد؛ إذ أن الشعور بالقدرة على التحرُّر من الرقيب، يبدو جذابًا ومُغريًا على الدوام، وبغضّ النظر عن النتائج.

***

يتسم أسلوبُ الشرط بالحتميَّة والصَّرامة، ومن خلاله تأتي الحِكمةُ العربية الفصيحة: “مَن أمِنَ العقابَ أساءَ الأدبَ“. يحمل واقعنا من التطبيقاتِ العملية ما يجسّد هذه الكلماتِ تجسيدًا موجعًا ودقيقًا؛ فغياب منظومة جادة للمُسائلة يفتح المجال مُتسعًا فضفاضًا أمام سوء التصرُّف، بينما تمثل المحاسبةُ الفورية إنذارًا وتحذيرًا؛ يدفع نسبةً لا بأس بها من الناسِ للالتزام.

***

هذا الصَّمْت الذي انتهجته عديد الدول إزاء التجاوز في حقوقها والتهوين من شأنها؛ شجَّع الإدارة الأمريكية تحت قيادة الرئيس دونالد ترامب على التمادي غيًّا وعدوانًا. قدَّمت بعض بلدان الخليج نموذجًا مؤسفًا في هذا الصَّدد؛ لا يحتاج لشرح أو تفسير، بينما أثبتت دول أخرى العكس؛ فأظهرت وجودها القويَّ المؤثر، وأعطت درسًا بليغًا في عدم التهاون تجاه اعتداء ارتُكِب ضدها تحت أيّ ذريعة، بل وتحدَّث مسؤولوها من موضع الندية الكاملة، وردَّوا على استخدام العنف بما يلائم، وفرضوا على المجتمع الدوليّ النظرَ إليهم بعين الاحترام؛ والظنُّ أن الموقف الإيرانيّ أصدق دليل.

***

يُمثل الضمير ذاك الحارس غير المرئي الذي يوجه تصرُّفات الفرد وأفعاله؛ فيسمح له بأشياء ويمنعه عن أخرى؛ بمنأى عن وجود تهديدات خارجية أو إثابات لاحقة مُغرية. الضَّمير حامِ للمبادئ والأخلاق في غياب الرقيب؛ هو الوازع الذي يردع صاحبه عن اقتراف ما يُشين، وهو ذاك السَّوط اللاسع الذي يستعد للضرب ما اختل السُّلوك أو تردَّى. ينجح بعضُ الناس في إسكات ضمائرهم وتخديرها، بينما يفشل آخرون؛ هؤلاء يوصفون بأنهم أصحاب النفس اللوامة التي لا تتيح أي فرصة ولو تافهة، للسَّهو أو الخطأ.

***

يُقال إن فلانًا “ما عندوش ضمير” ما عُرِفَ عنه ميلٌ أصيلٌ للفساد والتلاعب والتغاضي عن شواهد العدالة الظاهرة، والسَّماح ما امتلك السلطة والنفوذ بتمرير ما لا يجوز؛ فإن تبوأ بسلوكه هذا درجة أعلى، وتمادى فتربَّع على القمة؛ قيل إن “ضميره مَيت“، والمعنى أنه قادر على ارتكاب المُوبِقات دون أن يشعر بأدنى ذنب، وأن باستطاعته إيذاء الآخرين دون أن تؤنبه نفسه، ودون أن يطرفَ له جفنٌ أو تهتزُّ شعرة.

***

يأتي تعبير “وَخْز الضَّمير” ليكني عملية توبيخ الذات على ما كان. الضَّمير اليقظ هو الشوكة التي تؤرق المرءَ وتُضنيه وتُعكر صَفوَ باله؛ فمتى صحَّح مساره، تعافى من الأوجاع وطاب، وإن لم يفعل فمعاناة متصاعدة قد تحيل حياته جحيمًا.

***

هذا الذي يُوصَف بأن “ضميره صاحي” لفي مقام مُحاسَبة ذاتية دائمة، يراجع قراراته وتصرفاته أولًا بأول؛ لكن الأفق قد يغيم بعض المرات وتتوارى الطريق. يختلط الحقُّ بالباطل ولا يتبين الواحد منا كيف يختار مسارَه، وكيف يحفظ عهدَه ويمضي على النهج السليم، خاصة والأوقات العَصِيبة تختبر الإنسانَ بقسوة وقد تدفعه للتنازل وقبول ما رفض سلفًا من مواءمات، وكم من شخص زلَّت قدماه تحت وطأة القهر والبؤس، وتخلى عما آمن به عمرًا في سبيل البقاء على هامش الحياة؛ والظنُّ أن اليأسَ الشديد قادرٌ على إخماد الضمير، وأن غيابَ العدالة بوَّابةٌ كبرى للانكسار.

***

يُقال عن امرئ إن “ضميره حيّ” حين يرفض المشاركة في إثم واضح، وينأى بنفسه عما يدرك أنه خطأ؛ حتى ولو طالته خسارة مُوجِعة أو نال منه عقابٌ عسير. رفض مواطنون كثر من مختلف البلدان مواقف حكوماتهم المُخزِية ومساندتها لجيش الاحتلال وتوجيهها الضرائب التي تجمعها منهم لمنح القتلة السلاح. خرجوا ضدها وهتفوا يتهمونها بانتهاك قيم الإنسانية التي عاشوا زمنًا يعتقدون فيها. تحملوا النتائج بضمائر راضية قريرة؛ فيما اكتفى غيرهم بالمشاهدة من بعيد، وبالتنظير حول المُفيد والمُمكِن والمُستطاع، والحقُّ أن الضميرَ لا يقبل المُساومةَ، ولا يعرف الحُجَجَ الواهية والمَشاجِب الزائفة؛ فإما حضور ساطع أو مَواتٌ تامٌّ أكيد.

إقرأ على موقع 180  مُسنّون في حياتي

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

 

Print Friendly, PDF & Email
بسمة عبد العزيز

طبيبة وكاتبة مصرية

Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  محنة لوكاش.. محنة المفكّر