اليوم، وبعد سقوط النظام الاستبدادي السابق، تحتاج سورية إلى سلطة تنفيذية قوية وقادرة على مواجهة التحديات الجسيمة التي تواجه الدولة، إلا أن قوة السلطة التنفيذية يجب ألا تتحول بأي شكل من الأشكال إلى مبرر للتسلط المطلق أو إعادة إنتاج الاستبداد.
فالقوة المطلوبة هي قوة الدولة ومؤسساتها، وليست قوة الحاكم على حساب الدولة والمجتمع. لأن أي أزمة تواجه الوطن تتحول إلى صراع بين السلطة المستبدة والشعب بدل أن يتوحد الجميع في مواجهة الأخطار الخارجية. بالعكس، تتحول أي أزمة إلى صراع داخلي بين مكونات الشعب، ما يؤدي إلى تفتيت الهوية الوطنية واضعاف المجتمع والدولة، ولذلك لا بد من بناء نظام دستوري يجعل السلطة مقيدة بالقانون، ويضع آليات واضحة للمساءلة والمحاسبة، ويمنع تركيز السلطة في يد شخص أو مؤسسة واحدة، ويجعل العدالة والمساواة أساساً للحكم.
أولاً: استقلال الوطن من استقلال المواطن
علمتنا التجارب التاريخية في وطننا أن استقلال الوطن لا ينفصل عن استقلال المواطن، وأن الحرية الوطنية والحرية الفردية وجهان لحرية واحدة.
فلا معنى لحرية المواطن في وطن مسلوب الإرادة، كما لا معنى لاستقلال الوطن إذا كان المواطن مذلولاً، مسلوب الحقوق والحريات.
وقد أثبتت تجارب التحرر السابقة أن تحرير الوطن إذا جاء على حساب حرية المواطن، وأبعده عن مركز القرار، وسلبه حق التعبير وانتقاد السلطة ومراقبة أدائها، فإنه يتحول تدريجياً إلى بيئة خصبة للفساد والاستبداد.
وحين تغيب حرية النقد والمساءلة، يتوقف التطور، ويتراجع الإنماء، وتهاجر الكفاءات والعقول، ويضعف الانتماء الوطني، ويصبح المجتمع أكثر عرضة للانقسام والانهيار أمام التحديات الإقليمية والدولية.
وفي المقابل، فإن الحرية يجب ألا تتحول إلى أداة لضرب الوطن أو تفكيك الدولة، ولا يجوز أن ترتبط المطالب السياسية أو الحقوقية بأجندات خارجية تستهدف استقلال سورية ووحدتها.
وهنا تبرز معادلة أساسية ينبغي أن يقوم عليها الدستور السوري الجديد:
لا وطن حراً من دون مواطن حر، ولا حرية حقيقية من دون وطن مستقل وآمن.
ومن هنا تأتي الحاجة إلى استثمار المرحلة الحالية لبناء دستور حديث، يحدد معالم دولة القانون، ويؤسس لمشروع ديموقراطي سوري قابل للحياة والاستمرار.
ثانياً: الدستور بوصفه مخططاً لبناء الدولة
إن الدستور ليس مجرد مجموعة من النصوص القانونية، بل هو بمثابة مخطط لبناء الدولة.
وكما أن أي مخطط هندسي يحتاج إلى دراسة الأرض التي سيقام عليها، وطبيعة السكان واحتياجاتهم، والظروف المحيطة بالمشروع، فإن بناء الدستور يحتاج إلى دراسة دقيقة لطبيعة المجتمع السوري وتنوعه الديني والمذهبي والثقافي والاجتماعي والمناطقي، وإلى فهم عميق لتاريخ سورية وتجاربها السياسية.
ويجب أن يستجيب الدستور لتطلعات السوريين وحقوقهم، وأن يضع في الوقت نفسه قواعد واضحة لإدارة الدولة وتوزيع السلطات والثروات والموارد.
كما يجب أن يكون الدستور قابلاً للتطور والتعديل وفق آليات دستورية واضحة، بحيث يستطيع مواكبة المتغيرات المستقبلية، من دون أن يصبح تعديله وسيلة لفرض إرادة الحاكم أو الأغلبية السياسية على بقية مكونات المجتمع.
فالدستور الناجح هو الذي يحافظ على صلابته أمام الأزمات، ويحمي الدولة من التهديدات الداخلية والخارجية، وفي الوقت نفسه يضمن قدرة النظام السياسي على التطور السلمي.
فبعد سقوط النظام الدكتاتوري السابق، وبعد أن أثبت دستور عام 1973 أنه صيغ بما يخدم استمرار حكم حافظ الأسد، ثم جاء دستور عام 2012 في سياق استمرار النظام نفسه، فإن سورية الحرة تحتاج إلى دستور جديد لا يُفصّل على مقاس أي رئيس أو حزب أو جماعة، وإنما يكون دستوراً للدولة السورية ولجميع مواطنيها.
ثالثاً: استقلال القضاء والمحكمة الدستورية العليا
لا يمكن بناء دولة قانون من دون قضاء مستقل؛ ومن هنا لا بد من توضيح دور واستقلال وحصانة المحكمة الدستورية العليا، ومنحها الصلاحيات اللازمة للرقابة على دستورية القوانين والأنظمة والقرارات، وضمان عدم خضوعها للسلطة التنفيذية أو التشريعية.
ويجب أن تكون آلية تعيين قضاتها وضمان استقلالهم واضحة في الدستور، بما يمنع تحويل المحكمة الدستورية إلى أداة سياسية بيد أي سلطة.
كما ينبغي أن يكون من حق الأفراد، وفق آليات محددة، الطعن في القوانين التي تنتهك حقوقهم الدستورية، بما يعزز حماية المواطن في مواجهة أي تجاوز من جانب مؤسسات الدولة.
رابعاً: دور رئيس الجمهورية
مع التأكيد على أهمية موقع رئيس الجمهورية ودوره في حماية الدولة، يجب أن ينص الدستور بوضوح على أن رئيس الجمهورية هو حامي الدستور والساهر على احترامه وتطبيقه، وليس فوق الدستور أو القانون.
ويجب تحديد صلاحيات رئيس الجمهورية بدقة، وربطها بآليات للمساءلة والمحاسبة، مع تحديد مدد الرئاسة وشروط التجديد، ومنع استخدام مؤسسات الدولة أو الجيش أو الأجهزة الأمنية لضمان استمرار شخص أو حزب في السلطة.
وفي الوقت نفسه، ينبغي أن تكون السلطة التنفيذية قوية وفعالة بما يكفي لإدارة الدولة ومواجهة الأزمات، ولكنها محكومة بالقانون وخاضعة للرقابة الدستورية والتشريعية والقضائية.
خامساً: إعادة بناء السلطة التشريعية
إن طبيعة المجتمع السوري وتنوعه الاجتماعي والثقافي والمناطقي والسياسي تستدعي التفكير في تطوير السلطة التشريعية بحيث تكون قادرة على تمثيل مختلف مكونات المجتمع، وفي الوقت نفسه تمنع احتكار القرار التشريعي من قبل أغلبية سياسية مؤقتة.
ومن المفيد، بالاستفادة من تجارب عدد من الديموقراطيات في العالم، اعتماد نظام تشريعي يقوم على مجلسين (مجلس النواب ومجلس الشيوخ) تحت مسمى الجمعية الوطنية أو مجلس الأمة:
- مجلس النواب
ينتخب مجلس النواب بالاقتراع العام المباشر، وفق نظام انتخابي يضمن التمثيل العادل للسكان والمناطق، ويتيح للأحزاب والتيارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية تقديم برامجها أمام المواطنين.
ويجب أن تكون الانتخابات حرة ونزيهة وشفافة، وأن تخضع لهيئة مستقلة للانتخابات، بما يضمن تكافؤ الفرص بين المرشحين.
- مجلس الشيوخ
أما مجلس الشيوخ فيمكن أن يمثل الخبرات والكفاءات والشخصيات الوطنية والاجتماعية التي تمتلك تجربة واسعة في إدارة الدولة والمجتمع.
ويمكن أن يضم، وفق قانون دستوري واضح، شخصيات ذات خبرة من رؤساء ووزراء سابقين، وأكاديميين وعلماء ومفكرين وخبراء اقتصاديين وقانونيين وعسكريين متقاعدين، إضافة إلى شخصيات اجتماعية وممثلي المكونات والمناطق، وفق معايير وطنية واضحة.
ولا يعني ذلك منح هذه الشخصيات سلطة موازية للسلطة المنتخبة، بل إدماج الخبرة الوطنية داخل المؤسسات الدستورية ومنحها دوراً مؤسسياً منظماً.
ويمكن اختيار أعضاء مجلس الشيوخ من خلال نظام انتخاب غير مباشر، يشارك فيه أعضاء المجالس المنتخبة محلياً وممثلو السلطات المحلية، وفق قانون انتخابي يضمن شرعية المجلس واستقلاله.
وتكمن أهمية مجلس الشيوخ في أنه يمكن أن يشكل مساحة للحوار الوطني حول القضايا الاستراتيجية، وأن يساهم في حماية التوازن بين مكونات المجتمع السوري، والحفاظ على السلم الأهلي، ومراجعة التشريعات الكبرى قبل إقرارها.
كما يمكن أن يشكل مجلس الشيوخ إطاراً مؤسسياً للاستفادة من الخبرات المتراكمة لشخصيات الدولة السابقة، بدلاً من ترك هذه الخبرات خارج النظام السياسي بما قد يؤدي إلى ظهور مراكز نفوذ غير رسمية أو سلطات موازية للدولة.
سادساً: مسألة المرجعية الدينية والتشريع
ينبغي أن يعالج الدستور مسألة علاقة الدين بالدولة والتشريع بطريقة تضمن احترام هوية المجتمع السوري، وفي الوقت نفسه تحافظ على المساواة الكاملة بين المواطنين، بصرف النظر عن الدين أو المذهب أو الطائفة.
ومن هنا يمكن أن يكون مجلس الشيوخ إحدى المساحات الدستورية المناسبة للنقاش حول المرجعيات الدينية والثقافية والقيم المجتمعية، بحيث تتم معالجة هذه القضايا من خلال الحوار والمؤسسات الدستورية، وليس من خلال فرض إرادة فئة على بقية المواطنين.
ويجب أن يكون المبدأ الدستوري الأساسي هو:
المواطنة المتساوية أمام القانون، وعدم التمييز بين المواطنين على أساس الدين أو المذهب أو الطائفة أو الجنس أو الأصل أو المنطقة أو الانتماء السياسي.
سابعاً: هيئات دستورية مستقلة وحامي الحقوق
يمكن الاستفادة من التجارب الديموقراطية المقارنة في إنشاء منصب أو هيئة مستقلة تحت مسمى حامي الحقوق أو أمين المظالم، تكون مهمتها الدفاع عن حقوق المواطنين ومراقبة أداء المؤسسات العامة واستقبال شكاوى المواطنين والتحقيق فيها وإحالتها إلى الجهات المختصة.
كما ينبغي إنشاء عدد من الهيئات الدستورية المستقلة، ومنها:
– هيئة مستقلة للانتخابات.
– هيئة مستقلة لمكافحة الفساد.
– هيئة لحماية حقوق الإنسان.
– هيئة للرقابة على الإعلام العام.
– هيئة مستقلة لحماية المال العام.
ويجب أن تكون هذه الهيئات مستقلة عن السلطة التنفيذية، وأن تتمتع بضمانات دستورية تمنع استخدامها سياسياً.
ثامناً: المعاهدات والاتفاقيات الدولية
لا بد من تضمين الدستور مادة واضحة تحدد مكانة المعاهدات والاتفاقيات الدولية في النظام القانوني السوري.
وينبغي تحديد ترتيبها القانوني وعلاقتها بالدستور والقوانين الوطنية، مع التأكيد على عدم جواز إبرام أي اتفاقية تتعارض مع أحكام الدستور أو تمس سيادة الدولة ووحدتها أو الحقوق الأساسية للمواطنين.
وفي الوقت نفسه، يجب أن تلتزم الدولة السورية بالاتفاقيات الدولية التي تصادق عليها، بما يضمن استمرار الالتزامات الدولية للدولة حتى مع تغير الحكومات والرؤساء.
تاسعاً: المجلس المالي والرقابة على المال العام
إن أحد أهم أسباب الفساد وضعف الدولة هو غياب الرقابة الفعالة على المال العام.
ومن هنا يمكن التفكير في إنشاء مجلس مالي مستقل يتولى مراقبة الموازنة العامة، وتقييم الإنفاق الحكومي، ومراقبة الإيرادات والنفقات، والتأكد من حسن استخدام المال العام.
ويجب أن يكون المجلس على اتصال مباشر بالسلطة التشريعية، وأن يقدم تقاريره بصورة دورية إلى مجلس النواب ومجلس الشيوخ.
كما يجب أن تكون للحكومة والوزراء مسؤولية واضحة أمام الجمعية الوطنية، وأن تكون هناك آليات دستورية لمساءلتهم، ومنح الثقة أو حجبها عن الحكومة وفقاً لأحكام الدستور.
عاشراً: المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي
نظراً إلى حجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي تواجه سورية، يمكن إنشاء مجلس اقتصادي واجتماعي وبيئي يكون هيئة استشارية دستورية مستقلة، تضم خبراء في الاقتصاد والتنمية والزراعة والصناعة والطاقة والبيئة والعمل والشؤون الاجتماعية.
وتتمثل مهمته في دراسة الخطوط العريضة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية، وتقييم المشاريع الاستراتيجية الكبرى للدولة، وتقديم توصيات إلى الحكومة والسلطة التشريعية.
ولا يحل هذا المجلس محل الحكومة أو البرلمان، وإنما يوفر الخبرة العلمية والمؤسسية اللازمة لاتخاذ القرارات الكبرى.
حادي عشر: محاربة الفساد وتكافؤ الفرص
يجب أن تكون محاربة الفساد مسؤولية دستورية ووطنية عامة، وليست مجرد شعار سياسي، ويتحقق ذلك من خلال:
– استقلال أجهزة الرقابة.
– شفافية الموازنة العامة.
– إعلان براءة الذمة المالية للمسؤولين.
– تجريم تضارب المصالح.
– حماية المبلغين عن الفساد.
– ضمان استقلال القضاء.
– اعتماد معايير الكفاءة في التعيين.
– منع المحسوبيات والواسطة.
– إخضاع المؤسسات العامة للرقابة والمساءلة.
إن بناء الدولة لا يتحقق فقط من خلال اختيار الأشخاص، وإنما من خلال بناء المؤسسات التي تجعل الشخص المناسب في المكان المناسب، وتمنع الشخص غير الكفء من الوصول إلى موقع المسؤولية لمجرد انتمائه السياسي أو العائلي أو الطائفي.
خاتمة
إن سورية بعد سنتين على سقوط النظام السابق أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة على أسس مختلفة عن الماضي.
والهدف ليس استبدال استبداد باستبداد آخر، ولا استبدال هيمنة حزب بهيمنة حزب آخر، ولا استبدال سلطة فرد بسلطة جماعة.
الهدف هو بناء دولة المواطنة والقانون والمؤسسات؛ دولة يكون فيها المواطن شريكاً في صناعة القرار، وتكون فيها السلطة خادمة للمجتمع لا مالكة له، ويكون فيها الدستور فوق الجميع.
إن سورية التي نريد بناءها هي سورية التي يشعر فيها كل مواطن، أياً كان دينه أو مذهبه أو قوميته أو منطقته أو خلفيته الاجتماعية، بأنه مواطن كامل الحقوق والواجبات.
فالمساواة والعدالة وتكافؤ الفرص، واحترام الحقوق، وتأدية الواجبات، واستقلال القضاء، والفصل بين السلطات، والمساءلة والشفافية، ليست ترفاً سياسياً، وإنما هي الشروط الأساسية لبناء دولة مستقرة وقادرة على مواجهة تحديات المستقبل.
إن نجاح المشروع الدستوري السوري لن يقاس بجمال النصوص التي نكتبها، وإنما بقدرتها على حماية المواطن من الاستبداد، وحماية الدولة من التفكك، وحماية المجتمع من الانقسام، وضمان التداول السلمي للسلطة، وفتح الطريق أمام التنمية والازدهار.
فالدستور الذي نحتاجه ليس دستوراً لحاكم، ولا لحزب، ولا لطائفة، بل دستوراً لسورية ولجميع السوريين.
