من وجهة نظر طهران، تنطوي استراتيجية إدارة دونالد ترامب على فجوة قاتلة: القوة الأولى عالمياً، اقتصادياً وعسكرياً، لم تتمكن حتى الآن من ترجمة تفوقها الهائل إلى حسم في مواجهة قوة إقليمية متوسطة وصاعدة. فعندما اندلعت الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير الماضي، حرص ترامب على طمأنة الأميركيين، والناخبين تحديداً، إلى أن الحرب لن تستمر أكثر من ستة أسابيع.
اليوم، وبعد مرور ستة أشهر لا ستة أسابيع، ما تزال المواجهة مفتوحة، بل تهدد بإغراق الشرق الأوسط في مستويات إضافية من الفوضى يصعب تقدير مداها.
ويتزامن تجدد الضربات العسكرية الأميركية، بعد أسابيع من التهدئة، مع إعلان إدارة ترامب نقل مركز الثقل في المواجهة إلى سياسة «الضغوط الاقتصادية القصوى»، عبر توسيع نطاق العقوبات لتطال الدول والشركات والبنى التي تواصل التبادل أو التعاون التجاري مع طهران. غير أن هذا المسار اصطدم منذ بدايته برفض دول وازنة، وفي مقدمها الصين، التي أدانت الخطوات الأميركية وأبدت استعداداً لمواجهة تداعياتها.
وهنا تظهر المعضلة: إذا كانت واشنطن تريد خنق إيران اقتصادياً فعلياً، فإن عليها أن تضغط على الدول التي توفر لطهران منافذها الاقتصادية، وفي مقدمها الصين. لكن الضغط الجدي على بكين قد يفتح بدوره جبهة اقتصادية وتجارية لا تبدو إدارة ترامب راغبة فيها.
في المقابل، تكشف تصريحات ترامب منذ شباط/فبراير أن مضيق هرمز انتقل إلى صدارة الحسابات الأميركية. فالمسألة لم تعد محصورة بتفكيك البرنامج النووي الإيراني أو تقليص القدرات العسكرية التي تستند إليها السياسة الإقليمية لطهران، بل بات ضمان حرية الملاحة في المضيق جزءاً مركزياً من الصراع، بعدما تحول هرمز إلى رافعة ضغط إيرانية على واشنطن وإلى مصدر قلق للاقتصاد العالمي.
ومن هنا تكتسب تصريحات ترامب ونائبه جي. دي. فانس المتكررة بأن «مضيق هرمز مفتوح» أهمية سياسية تتجاوز بعدها الملاحي. فالإدارة الأميركية تقدم أرقاماً عن السفن التي تعبر المضيق يومياً، فيما تشير صورة الملاحة الفعلية إلى تراجع حاد في حركة العبور وبقاء أعداد كبيرة من السفن والبحارة عالقين أو مترددين في اجتياز الممر الاستراتيجي.
وهنا تكمن المفارقة الأميركية: تريد إدارة ترامب أن تقنع الناخب الأميركي، عشية انتخابات الكونغرس النصفية في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، بأن الأمور تحت السيطرة، بينما تؤدي الضربات الإيرانية المضادة واستمرار الاضطراب الإقليمي إلى تعزيز انطباع معاكس: التفوق العسكري الأميركي لم يعد كافياً، بمفرده، لضمان الاستقرار أو حماية الحلفاء أو فرض نهاية للحرب وفق الشروط الأميركية.
منذ بدء الحرب في 28 شباط/فبراير، راهنت واشنطن على أن حملة جوية واسعة، بالتعاون مع إسرائيل، ستكون كافية لفرض الحسم. لكن الحرب لم تنتهِ. وفي 8 نيسان/أبريل، أعلن ترامب وقفاً لإطلاق النار، لتبدأ بعد ذلك مرحلة البحث عن صيغة أخرى تحقق ما لم تستطع القوة العسكرية تحقيقه، أو على الأقل عن «استراتيجية خروج» تحفظ ماء الوجه.
في هذا السياق، يُمكن فهم الانتقال إلى «الخنق الاقتصادي». فهو لا يمثل بالضرورة استراتيجية مستقلة بقدر ما يبدو، حتى الآن، الخيار البديل لتعثر خيار الحسم العسكري.. وبعبارة أحد الخبراء، فإن الأمر يشبه الانتقال من أداة إلى أخرى عندما تفشل الأولى، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود تصور متكامل لما سيأتي بعدها، علماً أن خيار العقوبات عمره نحو خمسة عقود من الزمن، برغم نسخته الأخيرة الأكثر قساوة.
المشكلة الأعمق، إذاً، ليست في نقص الأدوات الأميركية. فالولايات المتحدة تملك ترسانة عسكرية هائلة، ونفوذاً مالياً واسعاً، وقدرة كبيرة على فرض العقوبات. المشكلة تكمن في غياب مخرج واضح للحرب.
وهذا ما يجعل الأشهر الفاصلة عن الانتخابات النصفية أشبه بـفخ زمني بالنسبة إلى ترامب. فهو لا يستطيع تحمل صورة الهزيمة أو التراجع، وفي الوقت نفسه لا يريد الانزلاق إلى حرب شاملة جديدة، طويلة وغير شعبية. أما إيران، على الرغم من أزمتها الاقتصادية، فما تزال تملك أوراقاً مؤلمة، في مقدمها النفط ومضيق هرمز وقدرتها على رفع كلفة استمرار المواجهة.
وإذا قررت طهران استخدام هذه الأوراق على نحو أوسع، فإن الخيارات الأميركية المعروفة ستعود إلى الدائرة نفسها: المزيد من الضربات العسكرية أو المزيد من العقوبات الاقتصادية والمالية. أي إن واشنطن قد تجد نفسها أمام حلقة من التصعيد لا تنتج حلاً سياسياً، خصوصاً بعدما ضاعت فرصة التوصل إلى صفقة نووية، وفي ظل غياب بديل واضح يمكن الركون إليه.
لذلك، يصبح الانتظار جزءاً من المعركة نفسها.
فوسط الحشد العسكري الأميركي في الخليج وبحر عُمان، والخشية من الانزلاق إلى مغامرات عسكرية أوسع، يراهن كل طرف على أن الزمن سيضغط على خصمه أكثر مما يضغط عليه. لكن إطالة أمد المواجهة قد تمنح إيران بعض الأوراق الإضافية: ارتفاع الكلفة الاقتصادية العالمية، اضطراب أسواق الطاقة، ضغط الانتخابات النصفية على البيت الأبيض، وتزايد الحساسية الداخلية الأميركية تجاه حرب بلا نهاية واضحة.
ولهذا لا يرى بعض المسؤولين الإيرانيين سبباً للاستعجال في التوصل إلى اتفاق، ولا سيما مع تزايد المخاوف من ركود اقتصادي عالمي واقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس.
ويذهب أستاذ العلوم السياسية الأميركي جون ميرشايمر أبعد من ذلك، إذ يرى أن ترامب سيجد نفسه، في نهاية المطاف، مضطراً إلى التراجع. ويستشهد بما جرى عند توقيع مذكرة التفاهم في 17 حزيران/يونيو، التي وصفها بأنها كانت، في جوهرها، بمثابة «وثيقة استسلام» لم يستطع ترامب تحملها، فعاد وانقلب عليها لاحقاً.
لكن السؤال ربما لم يعد: مَن يملك القوة الأكبر؟ فالجواب معروف سلفاً.
السؤال الذي ستجيب عنه الأشهر المقبلة هو مَن يستطيع تحمّل كلفة الوقت أكثر: إيران المأزومة اقتصادياً، أم إدارة أميركية تملك تفوقاً هائلاً لكنها تدخل كل يوم أكثر في توقيت الانتخابات النصفية؟
