“غاندي الصغير” يعود إلى.. داريا السورية

‏في بلدة داريا، التي لا تبعد عن دمشق سوى 22 كيلومتراً، والتي عُرفت لاحقًا بعاصمة الانتفاضة السلمية عام 2011، ثمة حكاية لا بدّ أن تُروى، كيف واجه شاب الرصاص بالورد وقابل القسوة بقناني المياه، واختار أن يقاوم العنف بالكلمة الطيبة. إنّها قصة الشاب غياث مطر، الذي أطلقت عليه الصحافة لقب "غاندي الصغير"، والذي صمّم على المقاومة المدنية اللّاعنفية.

تبدأ الحكاية التي ستُصبح رمزًا لشهادة إنسانية حيّة مع حركة الانتفاضة السورية، حيث كان غيّاث من المبادرين الأوائل في تأسيس تنسيقية داريا والتصدّي للعنف باللّاعنف، وقد اعتُقل يوم 16 أيلول/سبتمبر 2011، لتُسلّم جثّته بعد أربعة أيام إلى ذويه وعليها آثار تعذيب واضحة، لتتحوّل جنازته ومجلس عزائه إلى حدث كبير ومثير تتناقله وسائل الإعلام العالمية، خصوصًا بحضور سوري لافت للانتباه، لم تشهد له البلدة مثيلًا من قبل، ومفاجأة حضور دبلوماسيين أجانب مجلس الفاتحة.

لم تتوقّف مأساة عائلة “غاندي الصغير” عند هذا الحد بفقدان فلذّة كبد العائلة، فبعد فترة قصيرة اعتُقل شقيقه حازم (شباط/فبراير 2012)، كما اعتُقل شقيقه أنس للمرّة الثانية (آب/أغسطس 2013)، وتلقّت العائلة معلومات تُفيد بوفاة حازم في سجن صيدنايا (كانون الأول/ديسمبر 2017) من دون أن تتسلّم جثّته، كما ظلّ الشقيق الآخر أنس مجهول المصير، وبقيت العائلة تمنّي نفسها بأنه على قيد الحياة، ولكن لم يظهر له أي أثر حتى بعد الإطاحة بنظام بشّار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024. ولعلّ الكثير من الحكايات استمرّت بعيدة عن دائرة الضوء طيلة العقد ونصف العقد المنصرم، إذْ لا يمكنك أن تتصوّر أن هذه البلدة الوديعة وحدها قدّمت نحو 3500 شهيدٍ على مذبح الحريّة، أسوة بعدد من المدن والبلدات السورية الأخرى.

أستطيع القول إن رمزية غيّاث مطر وتشبّثه بالكفاح السلمي واللّاعنفي المدني لمواجهة آلة القمع تتجاوز بلدته، بل وبلده سوريا، لتنتقل إلى فضاء عربي كوني، فالبلدة التي عانت من الحصار والقصف والتجويع، وتعرّض الجزء الأكبر من أحيائها إلى الدمار (كما شاهدته)، ظلّت محاصرة لما يزيد عن 4 سنوات (آب/أغسطس 2016)، ثمّ أُجبر أهلها وأفراد المجموعات المنتفضة على مغادرتها، لتدخلها القوّات الحكومية وتعبث بما تبقّى منها.

وإذا كانت حياة هذا الشاب الشجاع انتهت مثل الآلاف من أصدقائه وزملائه وأبناء بلدته إلى مقبرة جماعية بعد مجزرة ارتكبتها القوات الحكومية التي دكّت البلدة لأيام بالمدفعية والقنابل، ثم دخلتها فأبادت بضع مئات، لكنّ أهلها الذي عاد نحو نصفهم الآن إلى بلدتهم على الرغم من الخراب الذي طال قسمها الأكبر، مصمّمون على إعادة بنائها، كما حدّثني العديد من أبناء هذه البلدة المسالمة.

‏خلال وجودي في الشام، وبدعوة من مخرج فيلم “غاندي الصغير” الفنان سام قاضي، شاهدت في داريا وبحضور أم وأب الشهيد غياث مطر وجمهور غفير وأعداد من المثقفين السوريين وممثلين عن الوزارة الثقافة ووزارة الشؤون الاجتماعية، الفيلم في ساحة عامة وبالهواء الطلق، حيث انتصبت الشاشة في ملعب المدينة ذاتها التي خرج منها غيّاث حاملًا وردةً وقنينة ماء، وذلك بعد زيارتي مقبرة الشهداء التي ضمت المئات من الضحايا وأسمائهم المنقوشة على لوحات خاصة بجوار جامع أبو سليمان الداراني.

 في حوار دار بين مخرج الفيلم سام قاضي وبيني، عرفت أن الفيلم أُنتج في العام 2016، وهو من الأفلام الوثائقية الطويلة (90 دقيقة)، وترشّح إلى جائزة الأوسكار لأفضل فيلم باللغة الأجنبية في الدورة التسعين، أمّا عرْضهُ الآن فله أكثر من معنى ودلالة، خصوصًا في داريا، وحين عرف المخرج، الذي اعتبره مشروع صديق، أنني من دعاة التسامح واللّاعنف، وأعمل أستاذًا جامعيًا للدراسات العليا، وأدرّس مادة فلسفة اللّاعنف وحقوق الإنسان في جامعة ببيروت (أونور)، أصرّ على دعوتي واصطحابي لحضور العرض في داريا، وقد سألته عن رسالة الفيلم، التي قال عنها أنها تكمن في تأثّر الشباب السوري الواعي والمخلص بشخصيات عالمية تركت بصماتها على كفاحهم ونضالهم مثل غاندي ومارتن لوثر كينغ، وهم شباب بواسل آمنوا بمسيرة اللّاعنف، مشيرًا إلى أن كل مدينة وقرية سورية يوجد فيها شاب مثل غياث مطر “غاندي الصغير”.

وقد أخبرته بأننا ندّرس في الجامعة مادة بعنوان شخصيّات لاعنفية، فإضافة إلى غاندي وكينغ نأتي على الروائي تولستوي وعبد الغفّار خان، وهذا الأخير من مجايلي غاندي في الهند وتعاون معه وأسس جيشًا لا عنفيًا قوامه 100 ألف جندي يواجهون العنف بالمقاومة اللّاعنفية، وكذلك نيلسون مانديلا الذي مكث 27 عامًا في السجن، لكنه خرج بحصيلة أساسية مفادها التسامح والمساواة بين البشر واحترام حقوق جميع المكوّنات.

وهنا أوّد أن أشير إلى إحدى الشخصيات السورية اللّاعنفية “جودت سعيد“، الذي جاءنا في العام 2010 إلى الجامعة طالبًا، علمًا بأن له مؤلفات وكُتب ومقالات عديدة منذ ستينيات القرن الماضي، ولكننا في العام التالي اخترناه أستاذًا ليُلقي محاضرات على الطلبة، وقد نشرت بحثًا مطوّلًا عنه بعنوان “هو الذي أنفق عمره في اللّاعنف“، وضممته لاحقًا إلى كتابي “الزمن والنُخب: في أنطولوجيا الثقافة العربية” (مطبعة الآداب، عمان، 2023).

إقرأ على موقع 180  إيران من "الصبر الإستراتيجي" إلى "المواجهة الإستراتيجية"!

وفي حديث مع عائلة الشهيد “غاندي الصغير”، التي استضافتنا بعد عرض الفيلم، والده ووالدته وإخوته، أكّدوا أن غيّاث وأخوته ليسوا الوحيدين، وأن الثورة السورية أنجبت رموزًا مهمة، وهم يعتبرون جميع الشهداء أبناءهم، وهم يتطلّعون إلى مستقبل مشرق لسوريا، بحيث لا تكرّر مآسي الماضي.

وإذا كان الفيلم وحواراته باللغة العربية، لكنه حاول مخاطبة العقل الغربي، ولذلك فإن ترجمته إلى الإنجليزية كانت عملًا إعلاميًا مؤثرًا وناجحًا، ولعلّ من أهم الاستنتاجات الخاصة أنه لا يتحدّث عن سوريا الماضي بقدر ما يظهر سوريا المستقبل، وهو ما حاولت كلمات المتحدثين قبل عرض الفيلم من التأكيد عليه، ولا سيّما كلمة رئيس منظمة رحمة العالمية شادي ظاظا، الذي خاطب أهالي داريا وعموم السوريين ودعاهم إلى التفكير بالمستقبل وليس بالماضي، وإلى التسامح والعمل لإعادة البناء والتنمية والسلام، وهو ما جاء في كلمة مخرج الفيلم سام قاضي الذي ربط الماضي بحاضر اليوم والمستقبل، والرمز المؤثر الذي استخدمه على نحو بارع، وأعني به الورد وقنينة الماء، وهما يبتدأ بهما الفيلم وينتهي كذلك، ولعمري تلك إشارة ذكية من المخرج فالماء رمز الحياة “وجعلنا من الماء كل شيء حي” (سورة الأنبياء، أية 30)، والورد رمز الجمال والمحبة، وتلك هي رسالة سوريا المستقبل.

إن هدف الفيلم، حسب رأيي، هو عدم بقاء الأحداث المأساوية في دائرة النسيان، بل السعي لتكون في دائرة الضوء، لا بهدف الانتقام، بل لكي لا ننسى، ولأخذ الدروس والعبر ممّا حدث في إطار ما نطلق عليه “العدالة الانتقالية“، التي تعني المساءلة وكشف الحقيقة وجبر الضرر وإبقاء الذاكرة حيّة والتعويض المادي والمعنوي وإصلاح الأنظمة القانونية والقضائية وأجهزة إنفاذ القانون وصولًا إلى المصالحة.

وأختم بما قلته لمخرج الفيلم الفنّان المبدع والمتميّز سام قاضي، بعد اطّلاعي على معرض الصور الذي نظّمته البلدة وفاعلياتها الثقافية والإدارية، أنه ذكّرني بمجزرة حلبجة في كردستان العراق (1988)، التي راح ضحيّتها نحو 5 آلاف إنسان، وبعدها مجزرة ارتكبها النظام السابق في العراق (1991) إثر الانتفاضة التي اندلعت بعيد هزيمة القوات العراقية في مغامرة غزو الكويت (1990)، ولعلّ مجزرة داريا وجميع المجازر الوحشية تنطلق من الكراهية والحقد والتعصّب الذي ينتج التطرّف وهذا الأخير حين يتحوّل إلى سلوك يصبح عنفًا، والعنف حين يضرب عشوائيًا يصبح إرهابًا.

Print Friendly, PDF & Email
عبد الحسين شعبان

أكاديمي، باحث وكاتب عربي

Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  ماذا عن عالمٍ لم تعد أمريكا تقوده وحدها؟