تبدأ التراجيكوميديا المغربية من ذلك التسريب الصوتي الذي ملأ الآفاق وشغل المجالس في الشهر الماضي، متضمناً تهديد رئيس مجلس النواب رشيد الطالبي العلمي لفوزي لقجع؛ هو تهديدٌ قطعيٌ وصارمٌ بأن حلم الإمساك بوزارة المالية في الحكومة المقبلة (بعد إجراء الانتخابات التشريعية في نهاية هذا الشهر) قد تبدّد إلى غير رجعة، وأن هذه الحقيبة التليدة أضحت حكراً مقفولاً وموكولة حصرياً لصاحبتها ناديا فتاح العلوي، المنتمية لحزبه، أي حزب التجمع الوطني للأحرار.
يقع هذا في وقت تنطلق فيه الشائعات والتكهنات حول إمكانية اعتلاء رئيس جامعة كرة القدم فوزي لقجع نفسه منصة رئاسة الحكومة القادمة، ليصبح المشهد برمته أشبه بمزاد علني تقسم فيه الغنائم جهاراً نهاراً قبل حتى أن توضع صناديق الإقتراع في 23 من الشهر الحالي.
على الجانب الآخر من المشهد، يتطوع رئيس الحكومة الحالي عزيز أخنوش ومحازبوه لإعطاء دروس في الأخلاق السياسية، متهمين الخصوم بالترحال والتنقل بين الأحزاب، في غفلة سوريالية عن كونهم فرسان هذا الترحال وأربابه الأصليين، إذ ترحّلوا وتجولوا بين التيارات والمؤسسات دون أن يملك أحدهم الأفضلية على الآخر في رحلة التيه والتقلب هذه.
ولا يكتمل هذا السيرك السياسي إلا بتصريحات متضاربة تفتقر لأدنى مقومات الرصانة، فتارة نتابع الخرجات الشاردة والسطحية لفاطمة الزهراء المنصوري المحمولة على ظهر “التراكتور”، وتارة نستمع لشطحات الوافد الجديد فوزي لقجع، الذي أطال الكلام وراكم اللغط، فصدّق وهماً بأنّه رجل المرحلة الاستثنائي وربما المنقذ المنتظر.
بل إنّ المتابعين موعودون منه بمفاجآت أكثر غرابة وعبثية من وصفه لزملائه الوزراء بـ“الإرهابيين”، كما حدث في معرض تهديده ورده الانفعالي على القيادي في حزب الأحرار رشيد الطالبي العلمي.
وبالعودة قليلاً إلى الوراء، نجد أن رئيس الحكومة عزيز أخنوش نفسه لم يتورع عن تهديد معارضيه في البرلمان ومنتقديه خارجه، حين لمّح إلى أن الاستمرار في شيطنة المقاولات قد يدفع أصحابها إلى إيقاف استثماراتهم وهذا ما سيُسبب شللاً للاقتصاد المغربي، وهو ما اعتبر حينها ابتزازاً مباشراً للمعارضة من جهة وتهديداً لأجهزة الدولة من جهة أخرى.
أما عبد الإله بنكيران (زعيم حزب العدالة والتنمية الإسلامي) فيواصل أداء دوره الأثير كحاطب ليل يتعثر في أدغال السياسة، أو كغراب أضاع مشيته، يظهر معتمراً طاقيته وجلبابه، منتظراً في العتمة إشارة أو نداء ليرتدي بدلته العصرية وربطة عنقه؛ تلك الربطة التي لم تكن يوماً في تاريخنا القريب إلا حبلاً مشدوداً لشنق خلق الله وتكبيل تطلعاتهم، تارة باسم الدين والشرعية، وتارة باسم النظام والسيستم.
***
على مستوى المعارضة والهياكل التاريخية، لك أن تتحدث عن السقوط ولا حرج. لقد افتضح أمر إدريس لشكر بشكل لا يدع مجالاً للشك، حيث حوّل حزب الاتحاد الاشتراكي إلى بورصة مفتوحة لتسويق التزكيات وتجارة الترشيحات، وهي وإن كانت ممارسة قديمة تراكمت لديه منذ جلوسه على عرش الاتحاد، إلا أنها انكشفت هذه السنة في أبشع صورها، حتى مسخ تلك الوردة الاتحادية التي أينعت بدماء الشهداء ونضالات الشرفاء، ليُحوّلها إلى مجرد نبتة نخاسة تباع وتشترى في سوق النخّاسين.
ولا ينتهي هذا المسلسل المشين إلا لتطل علينا عنتريات نزار البركة.. حفيد علال الفاسي، ابن ابنته ووريثه في حزب الاستقلال، بخطب وتصريحات متكلفة لا تتلاءم إطلاقاً مع ملامحه ولا نبرة صوته الجريحة، وهو يوزع الاتهامات ذات اليمين وذات الشمال حول من سماهم “خفافيش الظلام”، غافلاً أو متغافلاً عن أنه ليس سوى واحد من ناسجي ذلك الظلام الممتد.
أما عبد اللطيف وهبي (وزير العدل)؛ صاحب لقب “وزير التقاشر”.. فقد نصّب نفسه في الآونة الأخيرة ناطقاً يصول ويجول عبر الشاشات والقنوات، فأدلى بتصريحاته الشاردة بلا زمام، حتى تعذّر حصر عبثيتها، وأضحى تحكيم العقل في تصريحاته أبعد من ثالث المستحيلات.
***
دعونا من هذا الهراء كله، ومن لغط التصريحات الطائشة التي لا تعدو كونها زبداً يذهب جفاء، وليشرح لنا أولو العلم والخبرة ما معنى التسريب الأخير المنشور عبر ما يسمى بموقع “جبروت”، والذي نشر لوائح مسربة تفصيلية لمن قيل إنهم عملاء المخابرات المغربية بأسمائهم وأرقام بطاقاتهم الوطنية، والذين تجاوز عددهم سبعين ألفاً؟
وليفسر لنا الراسخون في الفهم التابعون لأجهزة القرار ما معنى هذا الصمت المريب والمطبق الذي التزمت به الجهات العليا إزاء الهرب الجماعي والكبير للشباب والمراهقين والأطفال الذين ألقوا بأنفسهم في البحر صوب الجارة الشمالية إسبانيا؟ نزوح جماعي ينفذ كأن الأمر حدث عادي لا يحرك ساكناً ولا يستدعي حتى بلاغاً مقتضباً من أعلى السلطات يوضح للمواطنين حقيقة ما يجري!
***
المشهد قاتم وكئيب وتزداد شدة ظلمته يوماً بعد يوم، بشكل يمنع أي قراءة موضوعية أو فهم عقلاني يستند لمفاهيم العلوم السياسية. فحين تجن الظلمة وتصبح حالكة كقطع الليل المظلم، لا فائدة ترجى حينها من فتح الأعين أو ادعاء الرؤية.
من وحي هذه الخيبة، نعود لأغاني مجموعة ناس الغيوان، لنترحم على روح الراحل المؤسس بوجميع ونردد معه تلك اللازمة الحارقة: “واش إحنا هما احنا… يا قلبي ولا محال”.
الحقيقة المرة هي أن الأحزاب المغربية التي تتعارك وتتصدر المشهد اليوم لا تمثل إطلاقاً من تدعي التمثيل والدفاع عنهم، بل هو الكذب الصراح والتضليل الممنهج. الجماهير الشعبية تعاني في صمت، ومعاناتها تشتد وتتأزم يوماً بعد يوم، في غياب تام لطليعة تقودها وتنظم صفوفها لتحقيق أمانيها المشروعة في العدالة والكرامة والمساواة.
أما إن سألت عن اليسار فذاك المبحث الأشد إيلاماً؛ فعلاً أين اليسار اليوم؟
هنا لا نملك إلا أن نضحك كالمذبوح من الألم، ونحن نتذكر ما ردّد إدريس لشكر يوماً حين نفخ أوداجه وضرب بكفه على الطاولة مخاطباً الفلول المشترذمة المتحلقة حوله: “لو سألوكم عن اليسار فأجيبوهم نحن اليسار”!
أيُّ يسار هذا الذي يختزل النضال في بورصة التزكيات ويمسح أدبيات التحرر ليجلس على فتات موائد الغنائم؟
***
يشعر الشعب المغربي اليوم أكثر من أي وقت مضى بيتم سياسي كامل، بينما تجد السلطة نفسها مكشوفة بلا مصدات ولا حواضن مجتمعية تحميها، أي بلا “بارشوك” يقيها الصدمات، بعدما قضت بنفسها على الأحزاب الحقيقية والنقابات التي كانت تتلقى الضربات وتلطف أثر الأزمات.
أما أولئك المحللون والمْرايقية الذين يزيّنون للسلطة صوابية اختياراتها، ويدعون أن هذا الشعب لا يُساق إلا بالعصا والقمع على طريقة العقود الماضية، فهم أبعد ما يكونون عن فهم العصر وسيكولوجية هذا الجيل… إنهم يلعبون بالنار في زمن غير الزمن، فالنيران إذا اشتعلت وأجّجها الغضب الدفين لن تطمئها كل أمواج المحيط.
ولعل التاريخ القديم والحديث مليء بالدروس والعبر، لكننا نعلم أن مسألة الاتعاظ من حقائقه ليست بالشيء السهل، ولا هي في متناول من استبدت بهم السلطة وسكرتها. لذلك نشهد اليوم هذه المهازل المأساوية تتكرر حرفياً.. مصداقاً لمقولة كارل ماركس الشهيرة: “التاريخ يعيد نفسه، في المرة الأولى كمأساة، وفي المرة الثانية كمهزلة“.
***
يبدو أن من يُحرّكون الحبال من خلف الستار عدمت لديهم المخيلة وتكلست أفكارهم، ولم يعد بإمكانهم تحريك خيوط بديلة غير التي بأيديهم، وإذا ما فكّروا في التغيير فلن يغيروها إلا بماركة الحبال ذاتها وباستهداف الأعناق نفسها، حتى وإن عمدوا إلى مساحيق وصباغات أخرى.
إنّهم يمارسون “الرقص مع الذئاب” على جمر الغضب.
إنّه “البلوكاج” الحقيقي الذي يسد تدفق دماء الأمل والمستقبل في الشرايين، لكن ليس باستطاعته بأي حال صد الإعصار ولا المخاطر المقبلة.
