عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، ومع الدخول في أوج الحرب الباردة، كانت النخبة الأمريكية ترى نفسها قائدةً للعالم الحر في صراعه مع المعسكر الشرقي. وعقب انتهاء الحرب الباردة في أوائل تسعينيات القرن الماضي، تشكّلت السياسة الخارجية الأمريكية على أساس افتراض غير مُعلن مفاده أن الولايات المتحدة هي القوة المهيمنة بلا منازع، وأن من حقها ــ بل من واجبها ــ إدارة النظام الدولي، وضبط إيقاعه، والتدخل عسكريًّا متى رأت أن مصالحها أو القيم الليبرالية مهددة. غير أن التحولات (الجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية) خلال العقود الثلاثة الماضية، إضافةً إلى الإرهاق الداخلي من «الحروب الأبدية في الشرق الأوسط»، دفعت صُنّاع القرار في واشنطن إلى مراجعة عميقة لهذه الفرضيات.
من ناحية ثانية، اعتقدت مدرسة السياسة الخارجية الأمريكية أن تدفقات رأس المال والعولمة الاقتصادية ستحرران الصين، وتمهدان لتحول ديمقراطي داخلي مع تطور المستوى المعيشي لمئات الملايين من أبناء الطبقة المتوسطة الصينية. كما توقع المفكرون الأمريكيون أن روسيا ستتحول بسرعة إلى ديموقراطية ليبرالية واقتصاد سوق حرة. إلا أن هذه الحقبة شهدت صعودًا صينيًّا صاروخيًّا اقتصاديًّا وتكنولوجيًّا، دون أن تهتز سيطرة الحزب الشيوعي الواحد على النظام السياسي داخل الصين، ولم تتحول روسيا إلى شريك وديع لواشنطن ولحلف الناتو، بل كشّرت موسكو عن أنيابها، وغزت جورجيا، وضمت شبه جزيرة القرم، قبل أن تغزو أوكرانيا في شباط/فبراير 2022.
***
نظريًّا، تعطي إستراتيجية «أمريكا أولًا» في السياسة الخارجية الأولوية للمصالح الوطنية الأمريكية وأمنها وازدهارها الاقتصادي فوق الالتزامات العالمية متعددة الأطراف. ويركز هذا النهج على «السلام من خلال القوة»، والتجارة الحمائية، وتقاسم الأعباء مع الحلفاء، وتجنب «الحروب التي لا تنتهي». ويهدف هذا النهج إلى تأمين السيادة الأمريكية، إضافة إلى التعامل مع العالم على أساس المصالح والمعاملات المتبادلة.
وفي الوقت ذاته، يعتمد نهج «أمريكا أولًا» في السياسة الخارجية على فكرة أن أمريكا تكون في أفضل موقع لقيادة العالم والحفاظ على السلام والاستقرار عندما تضع سلامة الشعب الأمريكي وازدهاره ورفاهيته في المقام الأول. ويختلف هذا المبدأ عن النهج الذي ساد في واشنطن، والذي يعطي الأولوية للحفاظ على آليات دولية متعددة الجنسيات على حساب حماية المصالح الأمريكية. وللتوضيح، فإن «أمريكا أولًا» لا تعني «أمريكا وحدها»، ولا تعني العودة إلى العزلة؛ إذ يعترف هذا النهج بواقع العالم كما هو، وبالدول الأخرى على حقيقتها، وليس كما تريدها مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية. وتفترض هذه الرؤية أن الطريق الأفضل للعمل بشكل منتج مع الدول الأخرى هو ما يعزز مصالح الأمريكيين وأمنهم، مع تجنب التمدد الاقتصادي والصراعات العسكرية غير الضرورية.
مكّن نهج «أمريكا أولًا» في السياسة الخارجية الولايات المتحدة من تعزيز العلاقات مع الحلفاء حول العالم، مع خلق فرص جديدة للعمل المشترك معهم، كما يتضح من الترتيبات الجديدة التي غيّرت نمط علاقة واشنطن بدول الأمريكتين. كما سلطت جهود إدارة ترامب بشأن الناتو الضوء على أهمية تقاسم الأعباء بشكل واضح وعادل بين أمريكا وحلفائها، ماليًّا وعسكريًّا. ولم يكن تقاسم الأعباء عادلًا فحسب، بل كان ضروريًّا أيضًا لضمان التوافق بين الحلفاء بشأن الأمن الجماعي. وقد حدثت هذه التطورات لأن ترامب رفض مواقف مؤسسة السياسة الخارجية التقليدية، ولأنه أوضح المصالح الأمريكية في الخارج والتهديدات التي تواجه الأمريكيين.
***
غالبًا ما يُنسب إلى الرئيس دونالد ترامب تحريك شكل علاقة بلاده بالعالم من حولها من خلال مبدأ «أمريكا أولًا». ومع ذلك، فإن مجموعة من التفسيرات الهيكلية تقدم تفسيرًا موضوعيًّا لإعادة النظر في الموقف الإستراتيجي الأمريكي بشكل عام، وترى هذه التفسيرات أن هناك أربعة عوامل تدفع بقوة نحو تعددية الأقطاب في النظام العالمي، بعيدًا عن تفضيلات ترامب الشخصية ورغباته، وهي:
أولًا: لم تعد الولايات المتحدة قوةً مستمرة في الصعود؛ إذ يبدو أن أمريكا وصلت إلى ذروة تفوقها قبل عودة ترامب إلى الحكم لفترة ثانية عام 2024. ويرى هذا الاتجاه أن شعار ترامب «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» يعترف ضمنيًّا بدرجة من التراجع، حتى وإن كان يحمل في الوقت نفسه أملًا في إمكانية عكس هذا الاتجاه. وقد جادل وزير الخارجية ماركو روبيو بقوله: «ليس من الطبيعي أن تكون هناك قوة أحادية القطب تهيمن على العالم.. كان ذلك استثناءً نتج عن نهاية الحرب الباردة، لكن العالم كان سيعود في النهاية إلى وضع متعدد الأقطاب، تتوزع فيه القوى العظمى على مناطق مختلفة من الكوكب، وهذا ما نواجهه الآن».
ثانيًا: يشكك كثير من الأمريكيين، خاصة من الشباب، في قدرة الولايات المتحدة على تحقيق نتائج إيجابية في العالم. فأجيال الأمريكيين الذين عاشوا الحرب العالمية الأولى أو الثانية، أو حتى الحرب الباردة، تغادر المشهد تدريجيًّا، وحل محلها جيل نشأ في ظل إخفاقات أمريكا في أفغانستان والعراق وغيرها، وهو جيل يشكك في قدرة الحكومة الأمريكية على التأثير الإيجابي في قضايا الأمن العالمي.
ثالثًا: أصبحت الموارد الأمريكية مُجهدة في لحظة تتصاعد فيها التهديدات الجديدة؛ ومن هنا تعهد ترامب مؤخرًا برفع ميزانية البنتاجون من تريليون دولار إلى تريليون ونصف التريليون دولار خلال العام المقبل.
رابعًا: الصعود السريع لعدد من القوى الجديدة، بما في ذلك (الصين، والهند، وإندونيسيا، والبرازيل، وجنوب إفريقيا، وتركيا، وغيرهم). ومع ارتفاع الآفاق الاقتصادية لهذه الدول ذات الكثافة السكانية العالية، أصبحت تتجاوز العديد من الاقتصادات الراسخة، خاصة في القارة الأوروبية. ويتوقع بعض الخبراء أن تتجاوز الصين والهند الولايات المتحدة في الناتج القومي الإجمالي، بينما تتفوق البرازيل وإندونيسيا والمكسيك على ألمانيا واليابان والمملكة المتحدة بحلول عام 2050.
وقد عكست هذه العوامل الأربعة الطبيعة الموضوعية للتحرك نحو تعددية الأقطاب في النظام العالمي، وهو ما يسبب بدوره سلسلة من التحولات الأخرى في السياسة الدولية، تعيد تشكيل الديناميكيات في المجالات (الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية).
إلا أن سياسة ترامب تجاه الشرق الأوسط مثلت استثناءً صارخًا.