أسماء المسلمين في لبنان.. الدين والطائفة وتحولات الهوية (3)

من خلال تتبّع أسماء اللبنانيين على امتداد عقود، يمكن قراءة جانب من تاريخ الجماعات وهوياتها وتحولاتها من زاوية تبدو شخصية جدًا، لكنها تكشف الكثير عن المجتمع. ويعكس تحليل الأسماء، بناءً على الانتماءات الثقافية والدينية، البنية الذهنية للأهل الذين أطلقوا هذه التسميات على أبنائهم، بحيث تصبح منظومة التسميات أقرب إلى نافذة على الثقافة السائدة في المجتمع. ومع تنوّع المجتمعات وتعدّد منظومات التسميات فيها، تتعدّد هذه النوافذ، لنصبح في لبنان، مثلًا، كأننا أمام "بيت بنوافذ كثيرة"، بالإذن من المؤرخ الراحل كمال الصليبي صاحب كتاب "بيت بمنازل كثيرة".

سبق لنا، في ثلاثة مقالات حلّلنا فيها أسماء اللبنانيين بناءً على عدد من المتغيّرات، أن أثبتنا بالأرقام، ومن خلال تطوّرها، كيف أن الذكور يلعبون دور «حرّاس التراث» في منظومات التسمية، وكيف أن الإناث يمثّلن أوجه الحداثة السائدة أو المتغيّرة مع الزمن.

ويهمّنا هنا، قبل الدخول في هذه المقالة الرابعة، أن ننوّه إلى أن الهدف من المقالات، ولا سيما تلك المرتبطة بالدين والطائفة، ليس طائفيًا أو تعصبيًا مذهبيًا، كما يريد أن يفهم بعضهم، بل يهدف فقط إلى الإضاءة على الطريقة التي يقارب بها اللبنانيون منظومة التسميات، وكيف يستخدمونها للدلالة على تمسّكهم بهوية طائفية أو لا طائفية، أو للتعبير عن هوية سياسية أو عقائدية، من خلال إطلاق أسماء (1) مَن أو ما يتمثّلون به على أبنائهم وبناتهم (2).

1- أسماء المسلمين في طوائفهم

عند تحليل الأسماء وفقًا للطائفة لدى المسلمين (3)، نجد سمات تشابه واختلاف بين الطوائف الثلاث، لدى كل من الذكور والإناث.

يتشابه السنّة والشيعة في ما بينهم بالنسبة إلى التسميات الدينية، بحيث تكاد تهيمن على المراتب العشرين الأولى لدى الذكور. إلا أنهما يختلفان عن الذكور الدروز، الذين تندر لديهم الأسماء ذات الدلالة الدينية، لتحلّ محلها الأسماء العربية غير الدينية.

وتشترك الطوائف الثلاث، لدى الذكور، في الابتعاد عن الأسماء الأجنبية؛ إذ لا نجد عند السنّة والشيعة، في المراتب المئتين الأولى، إلا اسمي «دانيال» و«داني». وهما ليسا بالضرورة حاملين لدلالة أجنبية، لأن «دانيال» اسم نبي، أما «داني» فيشير، على الأرجح، إلى المعنى العربي للاسم، أي القريب غير البعيد.

صحيح أننا نجد بعض الأسماء الأجنبية لدى الذكور الدروز، إلا أنها تحتل مراتب متأخرة وبنسب ضئيلة، وهي: «روني» في المرتبة 123، و«سيزار» في المرتبة 178، و«وليم» في المرتبة 195.

يتربّع اسم «محمد» على المرتبة الأولى لدى السنّة بنسبة بلغت 11.33%، بفارق واسع عن الاسم الذي يحلّ في المرتبة الثانية، وهو «أحمد» بنسبة 6.35%. وتتناقص نسب التسمية ببقية الأسماء لدى الذكور السنّة بشكل ملحوظ بعد المرتبة الثانية، ما يشير إلى تركّز شديد للأسماء، حتى إن الأسماء العشرة الأكثر تكرارًا يُسمّى بها أكثر من 51% من مجموع الناخبين الذكور السنّة.

وتشكّل الأسماء الدينية الإسلامية المباشرة أربعة عشر اسمًا من أصل الأسماء العشرين الأكثر تكرارًا (4)، أما الأسماء الستة الباقية فهي إما أسماء دينية مشتركة، وإما أسماء عربية غير دينية.

وترتفع نسبة التسمية باسم «علي» لدى الشيعة إلى المرتبة الأولى، إذ تبلغ 14.13% من مجموع الذكور بينهم. إلا أن الفارق عن التسمية باسم «محمد» ليس كبيرًا، إذ تبلغ نسبة الأخير 11.54%.

ويتركّز توزيع الأسماء الشيعية على عدد أقل من الأسماء، بحيث تبلغ نسبة الأسماء العشرة الأكثر تكرارًا 54% من مجموع الناخبين الذكور الشيعة. كما تشكّل الأسماء الدينية الأكثرية ضمن الأسماء العشرين الأكثر تكرارًا، بواقع أربعة عشر اسمًا دينيًا وستة أسماء دينية مشتركة أو عربية غير دينية.

يختلف واقع التسميات لدى الدروز جذريًا عمّا هو قائم لدى السنّة أو الشيعة، إذ تتوزّع التسميات على مروحة أوسع من الأسماء. فالأسماء العشرة الأكثر تكرارًا لا تشكّل إلا نحو 12% من مجموع تسميات الذكور الدروز.

ولا نجد بين الأسماء العشرين الأولى إلا اسمًا واحدًا ذا خلفية دينية، هو «عمر»، فيما الأسماء التسعة عشر الباقية كلها أسماء عربية. ومن الممكن الاعتقاد أن اسم «وليد» قد يحمل خلفية سياسية، نظرًا إلى حلوله في المرتبة الرابعة، وهو ما يمكن التحقق منه لاحقًا من خلال تحليل الأسماء وفقًا للحقبات الزمنية.

أما لدى الإناث، فقد نال اسم «فاطمة» (5) المرتبة الأولى عند السنّة بنسبة 4.28%، وعند الشيعة بنسبة 7.21%، ولكن مع اختلاف واضح في أهمية الاسم مقارنة بغيره من الأسماء لدى السنّة، حيث يتّسع الفارق بين نسبة التسمية بـ«فاطمة» و«مريم»، الذي حلّ في المرتبة الثانية لديهم.

وحصلت الأسماء العشرون الأكثر تكرارًا لدى الإناث السنّة على 21.39% من مجموع التسميات. وهذا يعيد إظهار النمط الذي أشرنا إليه في المقالات السابقة، والمتمثل في كون أسماء الإناث أكثر تنوّعًا من أسماء الذكور، ما يشير إلى تركّز مهمة حماية إرث التسميات لدى الذكور أكثر منها لدى الإناث.

وتمثّل الأسماء الدينية الصرفة ثلاثة أسماء فقط لدى الإناث السنّة، بالإضافة إلى اسمين دينيين مشتركين. أما بقية الأسماء فهي أسماء عربية، يحمل بعضها دلالات دينية ولكنها ليست حصرية. ونشير أيضًا إلى انتشار واضح للأسماء العربية القصيرة المؤلفة من ثلاثة أحرف، بما يعكس نمطًا من أنماط التحديث في الأسماء.

وحلّ اسم «زينب» في المرتبة الثانية لدى الشيعة، بعد اسم «فاطمة»، بنسبة مرتفعة بلغت 6.27%، تلاه اسم «مريم» بنسبة 2.98%.

ويشتد تركّز الأسماء لدى الإناث الشيعة مقارنة بالإناث السنّة، إذ تشكّل نسبة اللواتي يحملن واحدًا من الأسماء العشرين الأكثر انتشارًا 30.5%. كما تنتشر ضمن هذه المجموعة أسماء ذات خلفية دينية باتت تدل بوضوح على الهوية الشيعية، مثل «زهراء» و«بتول» و«حوراء». وإلى جانب ذلك، نجد أسماء عربية ذات دلالات دينية، ومعظمها مؤلف من ثلاثة أحرف.

أما لدى الدروز، فقد برز اسم «سارة» (6) بوصفه اسمًا قد يحمل دلالة دينية درزية. ومع أن «سارة» اسم مشترك لدى جميع الطوائف، فإنه يحمل أهمية خاصة لدى الدروز، ما جعله يحتل المرتبة الأولى.

غير أن توزّع الأسماء لدى الإناث الدرزيات بدا أكثر تشتّتًا من سائر الجماعات التي تتناولها الدراسة، بحيث لم تحصل الأسماء العشرة الأولى إلا على 17.61% من مجموع التسميات. كما نشهد غلبة للأسماء غير الدينية عمومًا، مع غياب اسم «مريم» عن الأسماء العشرين الأولى.

وعند مقارنة تسميات الذكور والإناث، نلحظ أولًا ارتفاع مستوى التركّز في الأسماء لدى الذكور، وخصوصًا لدى الشيعة. وتتركّز هذه التسميات على أسماء ذات خلفية دينية تدل على الانتماء الديني، ولكن أيضًا على الهوية الثقافية المحددة، أي الانتماء إلى طائفة بعينها داخل الدين نفسه.

كما نشهد انتشار أسماء عربية حديثة وقصيرة لدى الإناث، تدل على «صفات أنثوية» مرتبطة بالجمال والشكل والافتتان، بالإضافة إلى انتشار الأسماء الخفيفة على السمع، أي التي لا تحتوي على أحرف ثقيلة أو رخوة في اللفظ، مثل: ص، ض، ط، ظ، ق.

ويبلغ عدد الأسماء الثقيلة لفظًا، مثل «مصطفى» و«قاسم» و«خضر» و«طارق» و«عبد القادر»، 32 اسمًا لدى الذكور الشيعة، و27 لدى السنّة، و25 لدى الدروز. إلا أن العدد ينخفض إلى 16 اسمًا لدى الإناث السنّة، و14 لدى الشيعة، و11 اسمًا فقط لدى الإناث الدرزيات.

ولا يزال انتشار هذه الأسماء يحمل دلالتين. تتمثل الأولى في استمرارية الأسماء بسبب ارتباطها بالمعنى الديني، مثل «مصطفى» و«قاسم» و«عبد القادر». وهذا، كما أثبتنا في المقالات الثلاثة السابقة، يرتبط مباشرة بمهمة الذكر في الحفاظ على منظومة التسميات.

أما الدلالة الثانية، فتعكس ارتباط أسماء الإناث بالحداثة، من خلال الابتعاد عن الأسماء الثقيلة أو الرخوة لفظًا، مثل «راغدة» و«غنوة» و«تغريد» و«رقية»، واستبدالها بأسماء أخف على السمع، مثل «سمر» و«سحر» و«ندى» و«لينا».

2- تطور منظومة التسميات عند السنّة

لم تشهد منظومة الأسماء لدى الذكور السنّة تحولات كثيرة، بل بقيت محافظة على نوع من الثبات العام خلال ثمانية عقود من الزمن. وكان الثابت الأكبر بقاء اسمي «محمد» و«أحمد» في المرتبتين الأولى والثانية، على التوالي، طوال الفترة التي قمنا بتحليلها، أي منذ عام 1930 حتى عام 2005.

ونلحظ، مع هذا الثبات، دينامية في نسبتي التسمية بـ«محمد» و«أحمد»، إذ تراجعت نسبة كل من الاسمين خلال الفترة الممتدة من أربعينيات القرن الماضي إلى ستينياته، لتعود وترتفع بوضوح، وتصبح أعلى مما كانت عليه ابتداءً من ثمانينيات القرن الماضي.

وتتماشى هذه الدينامية مع التحولات المجتمعية التي دفعت المجتمعات العربية، ومنها لبنان، نحو العلمانية والحركات السياسية اليسارية والعروبية التي ازدهرت في منتصف القرن العشرين، وصولًا إلى نهاية السبعينيات التي شهدت تراجعًا متسارعًا في نفوذ الحركات اليسارية وصعود الحركات الدينية مكانها.

ونشير، في هذا المجال، إلى ظهور اسم «جمال» في عقدي الخمسينيات والستينيات، بوصفه دلالة واضحة على تأثر السنّة بالمد العروبي الذي قاده الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في تلك الفترة، وتراجع التسمية باسمه بعد وفاته عام 1970.

وتماشيًا مع السمات الثقافية للسبعينيات، نشير إلى أن اسمين عربيين غير دينيين، هما «ربيع» و«فادي»، دخلا بقوة في المرتبتين السادسة والسابعة في السبعينيات، قبل أن يختفيا تمامًا من المراتب العشر الأولى في الفترات اللاحقة.

واستمرت أسماء «علي» و«محمود» و«خالد» و«مصطفى» في المحافظة على مكانتها ضمن الأسماء العشرة الأكثر تكرارًا لدى السنّة، مع تقدّم من هنا وتراجع من هناك بحسب كل عقد من الزمن.

كما أن اسم «عبد الرحمن»، الذي كان موجودًا في الثلاثينيات، غاب فترة طويلة قبل أن يعود إلى الظهور في التسعينيات وما بعدها. وقد يكون السبب متمثلًا في إحياء أسماء الأجداد من خلال الأحفاد، وهي من الظواهر المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمنظومة تسميات الذكور في لبنان.

وهكذا تعكس أسماء الذكور السنّة المنحى التقليدي في منظومة التسميات، القائم على استمرارية الأسماء الدينية بشكل شبه حصري، وعلى توارث الأسماء والحفاظ عليها وإعادة إنتاجها بين جيل وآخر.

3- تطور منظومة التسميات عند الشيعة

تشهد أسماء الذكور الشيعة ثباتًا مماثلًا لما هو قائم لدى السنّة، مع بعض التباينات. فقد بقيت أسماء «محمد» و«علي» و«حسين» و«حسن» و«أحمد» في المراتب الخمس الأولى طوال الفترة الزمنية الممتدة من عام 1930 إلى عام 2005، من دون أن يتمكن أي اسم آخر من أخذ مكان أحدها.

وظهر بعض التمايز ضمن هذه الأسماء في فترات سابقة؛ إذ بقي اسم «محمد» في المرتبة الأولى في عقدي الثلاثينيات والأربعينيات، إلى أن تقدّم اسم «علي» وأصبح في المرتبة الأولى منذ عقد الخمسينيات وحتى نهاية الفترة التي يغطيها التحليل.

وقد يكمن أحد أسباب انتقال اسم «علي» إلى المرتبة الأولى في أن عقد الخمسينيات شهد بداية النزوح الكثيف للشيعة صوب المدن للإقامة والعمل. فتغيّرت، تبعًا لذلك، وظيفة الاسم بوصفه دلالة على المعتقد. ففي حين كان الشيعة يكتفون باسم «محمد» لدلالته الدينية داخل قراهم وفي ما بينهم، برزت، مع الاختلاط بالآخر، الحاجة إلى إبراز الهوية الطائفية، وليس الدينية فحسب. وتمثّل هذا الأمر في زيادة نسبة التسمية بـ«علي» بوصفه أحد أبرز التعبيرات عن الهوية الشيعية.

ومن هذا المنطلق، دخل اسم «عباس» ضمن قائمة الأسماء العشرة الأكثر تكرارًا منذ عقد الأربعينيات، وبقي ضمنها طوال الفترة التي شملها التحليل.

وتراجعت الأسماء الدينية المشتركة لدى الشيعة بعد عام 1960، إلى أن اختفت تمامًا من قائمة الأسماء العشرة الأولى بعد عام 1980. ولم يعد ضمن اللائحة إلا الأسماء التي تدل على الهوية الإسلامية، وتحديدًا على الهوية الشيعية، مع ارتفاع نسبة التسمية بـ«علي» إلى نحو 16%، وهي أعلى نسبة يحوزها اسم واحد لدى الطوائف اللبنانية جميعًا، وفق بيانات الدراسة.

أما بقية الأسماء بعد عام 2000، فهي جميعها إما أسماء أو ألقاب للنبي، مثل «محمد» و«أحمد» و«مصطفى»، وإما أسماء أهل البيت و/أو الأئمة، مثل «علي» و«حسن» و«حسين» و«هادي» و«مهدي» وغيرها.

إقرأ على موقع 180  روسيا وإيران في سورية.. البحث عن "نقطة توازن"

وتشترك منظومة التسميات لدى الإناث الشيعيات في بعض الخصائص مع مثيلتها لدى الذكور، إذ تربّع اسما «فاطمة» و«زينب» على المرتبتين الأولى والثانية طوال فترة التحليل، مع تفوّق اسم «زينب» مرة واحدة في عقد الثمانينيات. وقد يكون ذلك مرتبطًا بدلالة اسم «زينب» لدى الشيعة بوصفها رمزًا للصمود الكربلائي، بحيث يمكن قراءة انتشار الاسم في سياق تأثير الثورة الإسلامية في إيران (1979) وتداعيات الغزو الإسرائيلي للجنوب (1978) ولبنان (1982).

ونسجّل هنا مفارقة تمثّلت في تراجع نسبتي التسمية بـ«فاطمة» و«زينب» في عقد السبعينيات، ما يعني تنوّع التسميات وظهور العديد من الأسماء الحديثة غير الدينية.

إلا أن هذا الاتجاه عاد وتراجع في عقد الثمانينيات، الذي لم يسجّل عودة الأسماء الدينية والشيعية فحسب، بل سجّل أيضًا ارتفاعًا ملحوظًا في نسب هذه التسميات. وظلت النسب ترتفع إلى أن تجاوزت 8% لاسم «فاطمة» و7% لاسم «زينب»، وهما من أعلى النسب لاسم أنثى بين الطوائف اللبنانية وفق بيانات الدراسة.

كما نشير إلى صعود اسمي «بتول» و«زهراء» منذ ما بعد الثورة الإيرانية، بوصفهما اسمين باتا يشيران بصورة أكبر إلى الهوية الشيعية، تمامًا كما هي الحال مع اسمي «مهدي» و«هادي» لدى الذكور (7).

4- تطور منظومة التسميات عند الدروز

للوهلة الأولى، وخارج التحليل الطولي الذي نعتمده في هذه المقالات، يكاد المرء يظن أن الدروز لا يستخدمون الأسماء الدينية. إلا أن هذا الأمر غير صحيح. فاسم «محمد» يُسمّى به 0.8% من الذكور الدروز، أما اسم «علي» فيُسمّى به ما نسبته 0.6%. بل إن اسم «عمر» يحتل المرتبة العاشرة من حيث الانتشار لدى الذكور الدروز، بنسبة تبلغ نحو 1%.

إلا أن هذه النسب تبقى أقل بكثير من نسب التسميات نفسها لدى الذكور الشيعة والسنّة. ومن الواضح أن التسميات الدينية التي كانت موجودة في عقدي الثلاثينيات والأربعينيات تراجعت بصورة كبيرة، باستثناء «عمر»، لمصلحة الأسماء العربية غير الدينية، مثل «ربيع» و«شادي» و«فادي». كما برزت بعض الأسماء ذات الدلالات السياسية، مثل «كمال» و«وليد».

إلا أن اللافت لدى الدروز هو غياب التمسك بأسماء محددة. ويظهر ذلك من خلال تبدّل التسميات باستمرار وتماشيها مع العصر، بحيث تظهر أسماء جديدة في المراكز المتقدمة وتختفي أخرى مع كل عقد من العقود.

ويتشابه الأمر لدى الإناث، إذ لا نجد أي اسم ديني تراثي في لوائح الأسماء الأكثر تكرارًا، بل تبرز سيطرة الأسماء العربية التي تتبدّل مع تبدّل العقود. وهكذا، لم نشهد سيطرة اسم واحد على اللائحة، بل كانت الأسماء دائمة التغيّر وفقًا لما هو سائد في كل فترة زمنية.

فانتشرت الأسماء التقليدية، مثل «عفاف» و«سلوى» و«سهام»، في الفترة الممتدة من 1930 إلى 1959، لتحلّ محلها أسماء أقصر وأكثر انسيابًا، مثل «عبير» و«لينا» و«رولا»، في الفترة الممتدة من 1960 إلى 1979.

ونسجّل ظاهرة بروز اسم «سارة» بعد عام 1980، إذ ظهر مباشرة في المرتبة الثانية، ثم صعد إلى المرتبة الأولى في التسعينيات وبقي فيها. وهو انعكاس لانتشار اسم «سارة» لدى الطوائف اللبنانية جميعًا في هذه الفترة، كما ورد في المقال السابق.

إلا أن اسم «سارة» يحمل لدى الدروز أهمية خاصة غير موجودة بالدرجة نفسها لدى بقية الطوائف اللبنانية. فهو اسم شخصية درزية تاريخية ذات مكانة مهمة في الوجدان الدرزي. عاشت السيدة سارة، أو «الست سارة» كما يعرفها الدروز، في القرن الحادي عشر، وكانت ابنة أخ «الحد الخامس» من الحدود الخمسة في المذهب التوحيدي، المقتنى بهاء الدين أبي الحسن علي بن أحمد (979م-1043م)، الذي يُعدّ من مؤسسي المذهب، وهو من أقفل باب الاجتهاد والدعوة فيه.

واكتسبت «الست سارة» أهميتها بوصفها قدوة في «العدل الحازم»، بعدما أرسلها عمها إلى وادي التيم عام 1035 لصد الانتفاضة التي قام بها «نشتكين الدرزي»، وتمكنت من إتمام المهمة على أكمل وجه (Khuri, 2006, pp. 66-67) (9).

وهكذا، فإن عودة التسمية باسم «سارة» تمثّل عودة درزية إلى تقليد ديني متجذّر في الذاكرة.

5- الاسم حين يتمذهب

عند تحليل منظومة الأسماء لدى المسلمين في طوائفهم، نستنتج جملة من المعطيات التي قد لا تكون خافية في أصلها، إلا أن عرضها بالأرقام وضمن مسار تطوّري واضح يمنحها بعدًا علميًا بدلًا من الاكتفاء بالقراءات الانطباعية أو الشعبوية.

فثمة أسماء تجاوزت مصدرها الأصلي، أي التيمّن بالشخص الذي تُطلق التسمية باسمه، لتصبح دلالة على ثقافة أو انتماء.

فاسم «عمر» لم يعد مجرد دلالة على الخليفة الراشد الثاني، بل أصبح يحمل دلالة على الانتماء إلى الطائفة السنّية؛ إذ تبلغ نسبة السنّة من مجموع الذين يحملون اسم «عمر» 89.6%، فيما تبلغ النسبة لدى الدروز 6.1%، ولدى الشيعة 1.2%.

أما التسمية باسم «علي»، وإن كانت لا تقتصر على الشيعة، فإنها تحمل لديهم دلالة هوياتية بالغة الأهمية، حتى تكاد لا تخلو أسرة شيعية من فرد يحمل اسم «علي»، وفي بعض الأحيان أكثر من فرد، من خلال تركيب الاسم مع أسماء أخرى، مثل «علي الأول» و«علي الأكبر» و«علي حسن» و«محمد علي».

وهكذا، تتوزّع التسمية باسم «علي» في المرتبة الأولى على الشيعة، الذين يشكّلون 77.7% من مجموع حاملي الاسم، فيما تبلغ نسبة السنّة 19.6% من حامليه، ولا يشكّل الدروز إلا 0.5%.

ونضيف إلى اسمي «علي» و«عمر» اسم «حسين»، الذي ينتشر أيضًا لدى بقية الطوائف. فالسنّة يشكّلون 14.5% من مجموع حاملي الاسم، إلا أن النسبة الأعلى تبقى لدى الشيعة، الذين تبلغ نسبتهم 84.2% من مجموع حامليه.

ويفيدنا التحليل الطولي لتطوّر مسار التسميات في تتبّع الفترات الزمنية التي أدّت إلى هذا التمايز الهوياتي المؤثر في التسميات. ولكشف هذا المسار، قمنا بتحليل تطور التسمية بالأسماء الثلاثة ذات الدلالات المذهبية، بالإضافة إلى دلالاتها الأصلية.

ولن ندخل هنا في الأسباب التي منحت هذه الأسماء أهميتها السياسية-الطائفية، لأن خلفياتها معروفة لدى المهتمين بالموضوع، ولأن المقال لا يسعى أصلًا إلى الدخول في هذا النقاش.

وعند النظر إلى المنحنيات الثلاثة العائدة إلى نسبة كل اسم من الأسماء الثلاثة من مجموع أسماء الذكور لدى كل طائفة في كل سنة، ابتداءً من عام 1940 حتى عام 2005، نكتشف أن مسار التسمية بهذه الأسماء كان تصاعديًا عمومًا، باستثناء عقد السبعينيات، الذي أشرنا في المقالات السابقة إلى أنه كان فترة ازدهار للأفكار العلمانية التي أثّرت في لبنان والمنطقة.

ومع ذلك، لا يمكن إلا ملاحظة أن سنة واحدة شكّلت تحولًا جذريًا في مسار التسميات، إذ أعقبها ارتفاع ملحوظ في نسبة هذه الأسماء ضمن منظومة التسميات، وهو ارتفاع استمر في العقود التالية.

هذه السنة المفصلية هي 1980، أي السنة التالية للثورة الإسلامية في إيران، التي أثّرت مباشرة في المجتمعات الشيعية، ولا سيما في لبنان، وأسهمت في نشوء تيارات دينية شيعية متأثرة بالثورة، وفي مقدمها النواة التي ستصبح لاحقًا حزب الله.

وأدى النفوذ المتنامي للأفكار الشيعية والحركات السياسية والدينية والثقافية المنبثقة عنها إلى تعاظم الدلالات الثقافية الشيعية، ومنها التحولات في منظومة التسميات التي يمكن اكتشافها في مسار البيانات.

وترافق هذا التنامي في التسميتين «علي» و«حسين» مع تفاعل لدى الجماعات والهيئات السنّية، ولن ندخل هنا أيضًا في ديناميات التفاعل السنّي-الشيعي الحديث. إلا أن أحد إرهاصات هذه الديناميات تمثّل في نمو الثقافة الطائفية السنّية بالتوازي مع نمو الثقافة الطائفية الشيعية.

وكان أحد أوجه هذا النمو ازدياد نسبة التسمية باسم «عمر»، بالتوازي مع زيادة التسمية بـ«علي» و«حسين» وغيرها من الأسماء الدالة على الهوية الشيعية، علماً أن الأسماء في لبنان لم تكن يومًا حكرًا على طائفة معينة، كما أن الطوائف لم تكتفِ بالأسماء الدينية الخاصة بها دون غيرها. فأسماء الأنبياء والأولياء والصحابة وأهل البيت لم تكن حصرًا بالمسلمين، بل انتقلت إلى المسيحيين أيضًا. وفي المقابل، لم يُحجم المسلمون عن استخدام أسماء القديسين المسيحيين، بل سمّوا أبناءهم وبناتهم بها، وهذا ما ستكشفه المقالة المقبلة، التي ستكون الأخيرة في السلسلة التي تربط أسماء اللبنانيين بهوياتهم الدينية، وإن يكن هذه المرة بصورة معكوسة، على سبيل التغيير.

في المحصلة، لا تقول لنا الأسماء ماذا سمّى اللبنانيون أبناءهم وبناتهم فحسب، بل تخبرنا أيضًا كيف رأوا أنفسهم في كل مرحلة. فالاسم الذي يبدأ خيارًا عائليًا قد يتحول، مع الزمن، إلى علامة ثقافية، ثم إلى حامل للذاكرة الدينية أو السياسية أو الطائفية. ومن هنا تبدو التحولات التي رصدناها، من «محمد» و«أحمد» إلى «علي» و«حسين» و«عمر»، ومن ثبات أسماء الذكور إلى سيولة أسماء الإناث وتبدّلها، أشبه بسجل اجتماعي مصغّر للتحولات التي عاشها لبنان خلال ثمانية عقود.

ولعل المفارقة الأهم أن الاسم، على شدّة التصاقه بالهوية، لا يبقى أسيرها دائمًا. فهو يعبر الحدود بين الطوائف، ويتغير معناه من جيل إلى آخر، وقد يكون دينيًا في زمن، سياسيًا في زمن آخر، أو يتحول ببساطة إلى اسم جميل يفقد شيئًا من دلالته الأولى. لذلك، فإن قراءة أسماء اللبنانيين ليست بحثًا عمّن يملك هذا الاسم أو ذاك، بل محاولة لفهم كيف تسكن الجماعة في الاسم، وكيف يتغير الاسم حين تتغير الجماعة.

المصادر والمراجع:

1-نذكر بأن هذا التحليل مبني على الأسماء الموجودة في لوائح الناخبين (الشطب) 2026، أي أنها حصرًا لمواليد ما قبل آذار/مارس 2005 والذين هم مسجلون فعليًّا على هذه اللوائح.

2- في تجربة سابقة لي على منصة “تيكتوك” حيث عرضت في العام 2023 في عدد من الفيديوهات للأسماء الأكثر انتشاراً عند الطوائف اللبنانية ولأسماء العائلات الأكبر عددًا تلقيت كمًّا مهولاً من التعليقات التي بينت تمسّك اللبنانيين بتعلقهم في أن يكونوا الأفضل والأكثر عددًا أو الأوسع انتشارًا وفي رفضهم المطلق لكل ما يناقض اعتقادهم بتفوقهم هذا. للحقيقة فإن التعليقات وحدها تصلح لأن تكون موضوعًا جدّيًّا للبحث يبيّن رفض الرقم إلا إذا أتى ملبًّيًا للطموح المتخيل. يمكن مشاهدة هذه الفيديوهات من خلال: tiktok.com/@ch.attieh

3- اخترنا في هذا المقال، كما المقال السابق، الطوائف الإسلامية الثلاث الأكثر عددًا. وهذا سبب استثناء الطائفة العلوية الكريمة.

4- طارق وخضر من الأسماء المستخدمة عند المسيحيين أيضًا (بالإضافة إلى اسم عيسى وعبدالله وغيرها).

5- تم دمج الاسمين: فاطمه وفاطمة ضمن اسم واحد.

6- ستتم معالجة أهمية اسم سارة لاحقاً في سياق المقال.

7- نذكر ما ذكرنا في المقال السابق حول انتشار التسمية باسم هادي بعد استشهاد هادي حسن نصرالله في التسعينيات.

8- هي أسماء عربية وإسلامية بشكل عام إلا أنها تميّزت عند الشيعة وصارت ملتصقة بهم.

9-Khuri, F. (2006). Aspects of Druze Social Structure: “There Are No Free-Floating Druze”. In K. Salibi, & K. Salibi (Ed.), The Druze Realitis and Perceptions (pp. 61-78). London: The Druze Heritage Foundation.

 

Print Friendly, PDF & Email
شوقي عطيه

باحث متخصص بالديموغرافيا وأستاذ جامعي، لبنان

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  جنبلاط يلتقط "اللحظة".. حزب الله أقرب من معراب!