جنبلاط يلتقط “اللحظة”.. حزب الله أقرب من معراب!

أن يقول وليد جنبلاط ما قاله، فهو حتماً قد فاجأ كثيرين، لبنانياً وربما خارجياً. حزب الله وحده لم يُفاجأ أبداً. هذا الكلام كان قد سمعه من جنبلاط شخصياً قبل الإنتخابات النيابية وبعدها.. لا بل أكثر من ذلك، تفهم حاجته إلى رفع سقف خطابه غب الموسم الإنتخابي!

إنه وليد جنبلاط. حساباته تتصل أولاً وأخيراً بزعامته. وريثه. بيته الدرزي، ثم تأتي باقي الحسابات اللبنانية أو العربية أو الدولية. سارع كثيرون إلى الربط بين موقف الزعيم الدرزي وبين مناخات فيينا النووية ولا سيما في ضوء التسريبات الإعلامية حول قرب التوصل إلى إتفاق بين الأميركيين والإيرانيين، غير أن هكذا تحليلاً لا يمت بصلة إلى حقيقة الموقف الجنبلاطي إستنادا إلى وقائع ومعطيات يمكن سردها على الشكل الآتي:

أولاً؛ وليد جنبلاط والقلق واحد. هو رجل مجبول منذ ولادته بالهواجس. قلق موروث من فؤاد الجد إلى كمال الأب إلى تيمور الإبن. قلق القتل والإغتيال والدور.. ولكن الأخطر حالياً هو قلق الوريث. قد ينبري من يقول لوليد جنبلاط “خفّفْ عن تيمور. أنت لم تكن بأفضل حال منه عندما ورثت الزعامة. دعه يُقلّع شوكه بيده”. هكذا قول غير قابل للصرف. من جهة، ثمة نزعة أبوية مبالغ فيها؛ ومن جهة ثانية، يُصر الإبن على أن تكون خطواته مدروسة وبلا شغف، حتى أن قدرة التعبير تصطدم بحاجز اللغة. هكذا مسار يأتي معاكساً لمسار بيت تحول مع الوقت إلى مخبز للسياسة والتسويات، وبالتالي، يريد الأب للإبن أن ينخرط أكثر فأكثر وأن يتورط ويكسر كل المحرمات و”التابوهات”. المهمة شاقة، ولكن تيمور “أثبت نفسه في الإنتخابات الأخيرة”. في الميزان الجنبلاطي، يُمكن تبرير فوز آل ارسلان أو حتى آل الداود. هم جزء من البيوتات السياسية الدرزية التقليدية. يمكن تمرير عدة آلاف من الأصوات لمرشح في الجبل مثل مارك ضو أو حجبها عن مرشح آخر مثل مروان خير الدين في الجنوب. ما هو غير مقبول أبداً أن تتمكن حالة مثل وئام وهاب من حجز مقعد لها في الشوف عرين الزعامة الجنبلاطية. إقتضى الأمر إستنفار الأحياء والأموات. المشايخ والحزب والمؤسسات لقطع الطريق على “المتمرد”. أصابت نيران الخطاب الإنتخابي حزب الله وإيران. فالطائفة “مهددة بوجودها وكيانيتها”.. لو تمكن وهّاب من الفوز، وهو أمر كان صعباً للغاية، ربما تعثر مسار المختارة ـ حارة حريك. التوريث الآمن هو صلب الموضوع وليس الإتفاق النووي.

لا يتبنى جنبلاط مرشحاً رئاسياً ولا يأخذ على عاتقه مهمة من هذا النوع لكن خطابه السياسي يشي باستبعاد كل اسماء المرشحين الحاليين من “الصف الأول”. لا بد من إعادة ترتيب الأولويات وهذه ستكون إحدى النقاط الأساسية على جدول أعمال اللقاء العلني الأول من نوعه الذي سيعقد قبل نهاية الأسبوع الحالي مع قيادة حزب الله

طبعاً، يطرح الأسلوب الجنبلاطي أسئلة حيال كل الخطاب الوجودي الذي إستخدمته كل الأحزاب اللبنانية في الإنتخابات، وعندما إطمئن الجميع إلى النتائج، كان خطابهم واحداً لجمهورهم: لا أحد يستطيع إلغاء أحد في لبنان.. ولا بد من مد اليد إلى الآخر. بإختصار، رحم الله ما يسمى “الخطاب الوجودي”!

ثانياً؛ حماية تيمور وزعامته تتصل إتصالاً وثيقاً بحماية بني معروف. هنا تتبدى مهارة المواقف والتحالفات والدور. أظهر جنبلاط فرادة ليس في القيادة وتدوير الزوايا بل في الخطاب، إلى الحد الذي يوحي فيه أن هذه الطائفة الصغيرة باتت شريكة في قرار السلم والحرب ليس في لبنان وحسب بل في كل الإقليم. يبدو الرجل مقنعاً لجمهوره عندما يُنظّر لشيء وكذلك عندما ينقلب عليه. مهارته في الخروج من المآزق مُذهلة. كذلك قدرته على البقاء في خانة “الرقم غير السهل”. ذرائعه أقوى من الوقائع أحياناً وخطابه يتجاوز الديموغرافيا القاتلة. بهذا المعنى، لا يتحسس جنبلاط من اي تماس شيعي. شيعة الجبل هم أقلية في الحضن الدرزي. الخشية التاريخية هي من الحضور المسيحي ولا سيما الماروني..

ثالثاً؛ لمن لا يعلم، لم تنقطع العلاقات بين الحزب التقدمي الإشتراكي وحزب الله منذ فترة طويلة. ظلّ جنبلاط على تواصل دائم مع قيادة حزب الله وتحديداً مع مسؤول وحدة الإرتباط والتنسيق وفيق صفا. سرت الكيمياء بين الرجلين وتمددت بقعتها لتشمل باقي المحيط الجنبلاطي، بإستثناء تيمور. طلب النائب الشاب من والده أن يُعفيه من أوزار هذه العلاقة الصعبة بكل ما فيها من حسابات وربما “تنازلات”..

كان السؤال دائماً يتصل بإحتمال إجتماع الزعيم الدرزي وليد جنبلاط بالسيد حسن نصرالله. ففي عز “الإشتباك اليمني”، كان هكذا لقاء من “المحظورات” لأسباب سعودية وخليجية بحتة. ثمة حقبة من الجنون قد يذهب “ضحيتها” الآلاف من بني معروف ممن يعملون في دول الخليج، وهؤلاء يُشكلون في هذه المرحلة الإجتماعية الصعبة دعامة لا يمكن التفريط بها، لذلك، لا بأس لإيقاع “التواصل العادي” أن يستمر. لا يمنع ذلك من القول إن جنبلاط بدأ يُعيد النظر في هذه النقطة بدءاً من اللحظة التي إنطلق فيها الحوار السعودي ـ الإيراني على أرض بغداد، وهو كان صريحاً في مقابلته مع قناة “المملكة” الأردنية عندما قال إن السعودية تحاور إيران حول موضوع حرب اليمن، “ألا يحق للحزب التقدمي الإشتراكي، واللقاء الديمقراطي محاورة “الجار” الذي هو حزب الله حول بعض الأمور.. شو هالمنطق هيدا”؟

إقرأ على موقع 180  سُلطان عمان الجديد يغيّر في الداخل إقتصادياً وينأى ببلده إقليمياً

مُجدداً، لم ينقطع التواصل مع حزب الله، لا بل كان جنبلاط الأكثر تفهماً لما تسمى “قضية المطران”، عندما “رفض الاستغلال الاسرائيلي لمقام رجال الدين في محاولة تهريب الاموال لمآرب سياسية”. تمنى الرجل على المرجعية الدرزية أن يكون سقفها عالياً في هذه النقطة، وكان الأمر موضع تقدير من قيادة حزب الله. يسري ذلك أيضاً على تميز موقفه لحظة تبني حزب الله “عملية المسيرات”، فضلاً عن إشهار موقفه الرافض لنظرية الحياد والنأي بالنفس إلخ..

رابعاً؛ لم يكن تموضع جنبلاط بعيداً عن عوامل خارجية وداخلية. يمكن سردها بسرعة. أميركا التي كان يعرفها العالم منذ ثلاثة عقود إنتهت أو توشك على الإنتهاء. لم يعد جو بايدن قادراً على إقناع دول الأميركيتين الحليفة له ولا أوروبا ولا دول الخليج فكيف سيقنع بني معروف؟ تراخت القبضة الأميركية في كل مكان، فأي عاقل يمكن أن يُراهن على وعود أميركا؟ زدْ على ذلك أن الوقائع تفرض نفسها في الإقليم. من سوريا إلى اليمن. هل يفيد أن يعاند وليد جنبلاط التيار؟ الوقائع اللبنانية أصعب أيضاً. إنسحاب السعودية من لبنان ورهانها المستميت على ظاهرة سمير جعجع. قرار سعد الحريري بالإنكفاء السياسي هو قرار خاطىء لا بل متهور بالحسابات الجنبلاطية. هذه وغيرها من وقائع تُحتّم “تدوير الزوايا” السياسية بالبحث عن حماية لبنانية تقي بني معروف شر الجنون المستفحل من معراب إلى واشنطن. عبارة ستريدا جعجع الأخيرة الموجهة إلى جنبلاط (إذا كان الفاجر بياكل مال التاجر، فاعرف جيداً: نحنا ما حدا بياكلنا حقنا) لم تمر مرور الكرام. أعادت فتح جروح كثيرة ومنها تذكير الزعيم الدرزي بعبارة سمير جعجع الشهيرة على مأدبة نعمة طعمة في الأسبوع الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2020. قال له رئيس حزب القوات يومذاك “حزب الله يعيش أسوأ مراحل ضعفه، حتى أنه صار أضعف مما كانت عليه منظمة التحرير الفلسطينية عشية الإجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وأنا الآن أقوى مما كان عليه بشير الجميل”. خطاب قواتي ينبش الذاكرة الطرية والقاسية في الجبل الدرزي المسيحي أكثر مما ينبش في ذاكرات طائفية لبنانية غير متصلة بالجبل الجنوبي. الأكيد أن إيقاع العلاقة بين الحزب التقدمي الإشتراكي والقوات اللبنانية سيكون محكوماً في المرحلة المقبلة ببرودة سياسية هي نتيجة حتمية لقرار الإنفتاح على الآخرين!

أي مقاربة لملف العلاقة بين جنبلاط وحزب الله تستدعي وقائع كثيرة وتطرح أسئلة كثيرة، بدءاً من مشهد بني معروف المتدحرج في السويداء إلى “الفرصة” التي قد يوفرها إحتمال ترسيم الحدود البحرية، ولو أن الأرجحية حتى الآن لا تتعدى حدود “ربط النزاع”

خامساً؛ إنتهى عهد ميشال عون. صفحة وانتهت لبنانياً. نظرية “الماروني القوي” إنطوت. لا بد من “رئيس طبيعي”. يقتضي الأمر مجدداً تغليب منطق التسويات.. ثمة قناعة جنبلاطية بوجوب أن تكون السنوات الست المقبلة محصنة رئيساً وحكومة وتسويات سياسية حتى تُعيد إنهاض لبنان وتضعه على سكة التعافي السياسي والإقتصادي والمالي. لا يتبنى جنبلاط مرشحاً رئاسياً ولا يأخذ على عاتقه مهمة من هذا النوع لكن خطابه السياسي يشي باستبعاد كل اسماء المرشحين الحاليين من “الصف الأول”. لا بد من إعادة ترتيب الأولويات وهذه ستكون إحدى النقاط الأساسية على جدول أعمال اللقاء العلني الأول من نوعه الذي سيعقد قبل نهاية الأسبوع الحالي مع قيادة حزب الله. لا بد من الإلتفات إلى أمور عديدة تتصل بهذا اللقاء، حضوراً (هل يُشارك تيمور مثلاً؟) ومضموناً (هل يُطرح الملف الرئاسي؟) والأهم آليات المتابعة (هل تتم إعادة إحياء لجنة المتابعة بين الجانبين؟).

في الختام، لا بد من القول إن أي مقاربة لملف العلاقة بين جنبلاط وحزب الله تستدعي وقائع كثيرة وتطرح أسئلة كثيرة، بدءاً من مشهد بني معروف المتدحرج في السويداء إلى “الفرصة” التي قد يوفرها إحتمال ترسيم الحدود البحرية، ولو أن الأرجحية حتى الآن لا تتعدى حدود “ربط النزاع”. سيأتي آموس هوكشتاين إلى بيروت، كما وعد المسؤولين اللبنانيين، لكن من ينتظر المن والسلوى عليه أن يضع كل الإحتمالات وبينها أن تُقرّر إسرائيل في آخر لحظة تجميد العمل في حقل كاريش.. للبحث صلة.

Print Friendly, PDF & Email
حسين أيوب

صحافي لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180   ماذا لو قرر حزب الله عدم المشاركة في الحكومة المقبلة؟