المُخا: رحلة الإكسير الذي هبط من جبال اليمن ليعيد صياغة العالم

كيف استطاعت مدينة يمنية صغيرة على ساحل البحر الأحمر أن تترك اسمها، بعد قرون، على قوائم ملايين المقاهي من نيويورك إلى باريس وطوكيو؟ وكيف تحولت كلمة «المُخا»، التي كانت تشير إلى ميناء يمني تنطلق منه السفن المحمّلة بالبن، إلى كلمة (Mocha) التي يفهمها معظم الناس اليوم على أنها قهوة ممزوجة بالشوكولاتة والحليب؟

قد يبدو السؤال في ظاهره لغوياً بسيطاً، لكنه يقودنا، حين نلاحق خيوطه، إلى واحدة من أكثر القصص إثارة في تاريخ التجارة والثقافة والعادات اليومية. فما نضعه اليوم على طاولة الإفطار أو نحمله في كوب ورقي إلى مكتبنا ليس مجرد مشروب يحتوي على الكافيين، بل هو حصيلة رحلة طويلة عبر الجغرافيا والأديان والإمبراطوريات والموانئ والحدائق الاستعمارية والمقاهي؛ رحلة بدأت في رقعة صغيرة من العالم، ثم انتهت بأن جعلت القهوة واحدة من أكثر المواد حضوراً في الحياة الحديثة، وبأن أبقت اسم مدينة يمنية عالقاً في لغات البشر حتى بعد أن نسي كثيرون أين تقع تلك المدينة.

تبدأ الحكاية، قبل أن تصل إلى اليمن، في المرتفعات الإثيوبية، حيث توجد الأصول البرية لشجرة البن العربي، (Coffea arabica). وهناك ارتبطت القهوة بأسطورة شهيرة عن راعٍ يدعى كالدي لاحظ أن ماعزه تصبح شديدة النشاط بعد تناول ثمار حمراء من شجيرات مجهولة. لا نستطيع التعامل مع هذه الحكاية بوصفها وثيقة تاريخية، لكنها تكشف، على الأقل، عن قدم الصلة التي نسجها الخيال الشعبي بين البن واليقظة.

أما التحول التاريخي الحاسم فقد حدث بعد عبور النبتة البحر الأحمر ووصولها إلى اليمن، إذ لم تعد مجرد ثمرة أو نبات محلي، بل دخلت في ثقافة إعداد المشروبات، وأخذت حبوبها تُحمّص وتُطحن ويُحضّر منها شراب ساخن. وتشير المصادر التاريخية إلى أن انتشار شرب القهوة في اليمن ارتبط، خلال القرن الخامس عشر، بالبيئات الصوفية التي وجدت فيها وسيلة تساعد على السهر واليقظة أثناء الذكر والعبادة الليلية. ومن اليمن انتقلت عادة شربها إلى الحجاز، ثم إلى القاهرة ودمشق وحلب وإسطنبول، ومنها اتسعت الدائرة حتى أصبحت القهوة جزءاً من الحياة اليومية في مساحات واسعة من العالم العثماني.

ولعل أكثر ما يلفت النظر في هذه المرحلة أن القهوة لم تنتشر بوصفها مادة غذائية فحسب، بل حملت معها مؤسسة اجتماعية جديدة هي المقهى. فقد ظهر مكان يجلس فيه الناس لا للأكل ولا للصلاة ولا لممارسة التجارة حصراً، وإنما للحديث والاستماع إلى الأخبار ومناقشة السياسة والشعر وتبادل القصص ومراقبة العالم وهو يمر من أمامهم. وفي المدن الكبرى في العالم الإسلامي تحولت بيوت القهوة إلى فضاءات عامة جديدة، وأثارت أحياناً قلق السلطات ورجال الدين، لأن اجتماع الناس وتبادلهم الأخبار والأفكار كانا يحملان دائماً احتمالاً سياسياً واجتماعياً يصعب ضبطه. وهكذا بدأت تتشكل، منذ وقت مبكر، تلك العلاقة الغريبة التي لا تزال ترافق القهوة إلى يومنا هذا: فنجان يجمع بين العزلة والاجتماع، وبين التأمل والنقاش، وبين متعة المذاق ونشاط العقل. وربما لهذا لم تكن القهوة، منذ بداياتها، شراباً يوقظ الجسد فقط، بل شراباً يوقظ الكلام أيضاً.

من المخا إلى Mocha

غير أن اللحظة التي جعلت هذه الحكاية عالمية جاءت عندما دخلت مدينة المُخا إلى المسرح. تقع المخا على الساحل الغربي لليمن المطل على البحر الأحمر، وقد تحولت خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر إلى واحد من أهم موانئ تصدير البن. كانت الحبوب المزروعة في المرتفعات اليمنية تنزل عبر طرق التجارة إلى الساحل، ثم تُشحَن من المخا إلى جدة والسويس والقاهرة، ومنها إلى موانئ البحر المتوسط والأسواق الأوروبية. ومع اتساع هذه التجارة، أصبح اسم الميناء نفسه مرتبطاً بالبضاعة التي تمر عبره، فتحولت «المُخا» في اللغات الأوروبية إلى Mocha. وما نراه اليوم كلمة تجارية مطبوعة على علبة قهوة أو مكتوبة على شاشة إلكترونية في مقهى حديث كان، في الأصل، اسماً جغرافياً عربياً يشير إلى مدينة يمنية حقيقية. ولعل هذا وحده يكفي ليغير الطريقة التي ننظر بها إلى الكلمة: فـ«الموكا» لم تبدأ وصفة، ولم تبدأ نكهة، ولم تبدأ علامة تجارية؛ بدأت مكاناً.

ولم تكن قهوة المخا مجرد اسم اكتسب شهرة بسبب حركة السفن، بل كانت القهوة اليمنية نفسها تتمتع بخصائص جعلتها مميزة في الأسواق التي وصلت إليها. فاليمن، بمعايير الزراعة الحديثة، ليس المكان الأسهل لزراعة محصول حسّاس كالبن؛ المياه قليلة، والجبال حادة، والمساحات الزراعية محدودة، ومع ذلك استطاع المزارعون عبر أجيال طويلة تطويع هذه البيئة القاسية. زُرعت أشجار البن على مدرجات حجرية ترتفع فوق الوديان في مناطق مثل حراز وبني مطر والحيمة وذمار وإب، واستُفيد من الأمطار المحدودة بمهارة متوارثة، بينما كانت الثمار تُجفف تقليدياً وهي كاملة تحت الشمس قبل فصل الحبوب عنها، فيما يعرف اليوم بالمعالجة الطبيعية. وقد أسهم هذا المزيج من الارتفاع والجفاف والتربة والتنوع الوراثي وطريقة المعالجة في منح كثير من أنواع البن اليمني شخصية حسية شديدة التعقيد، تتداخل فيها إيحاءات الفواكه المجففة والتوابل والكاكاو والشوكولاتة الداكنة. وهذه التفاصيل الحسية ليست مجرد لغة حديثة يستخدمها خبراء التذوق؛ فهي ستساعدنا بعد قليل على فهم أحد أغرب التحولات التي طرأت على معنى كلمة «موكا» نفسها.

وحين أصبحت القهوة سلعة ثمينة تتزايد الرغبة فيها، أصبح من الطبيعي أن تسعى القوى التجارية إلى كسر ارتباط زراعتها باليمن والحصول على نباتات حية يمكن نقلها إلى مناطق أخرى. وتحيط بهذه المرحلة روايات كثيرة تمتزج فيها الوثيقة التاريخية بالأسطورة، ومن أشهرها قصة الصوفي الهندي بابا بودان الذي يُقال إنه عاد في القرن السابع عشر من منطقة البحر الأحمر حاملاً معه عدداً قليلاً من حبوب البن القادرة على الإنبات وزرعها في الهند. وسواء صحت التفاصيل الدقيقة لهذه الرواية أم أضافت إليها الذاكرة الشعبية شيئاً من الدراما، فإن الحقيقة التاريخية الأوسع واضحة: لم يستمر الاحتكار الجغرافي للبن. فقد تمكن الهولنديون من نقل نباتات القهوة وزراعتها في مستعمراتهم الآسيوية، وخصوصاً في جزيرة جاوة، ثم راحت زراعة البن تنتشر تدريجياً إلى مناطق أخرى من آسيا والكاريبي وأميركا اللاتينية. ومنذ تلك اللحظة لم تعد القهوة محصولاً مرتبطاً باليمن وشرق أفريقيا وحدهما، بل بدأت تتحول إلى سلعة عالمية وإلى جزء من اقتصاد استعماري هائل سيعيد رسم جغرافية الإنتاج والتجارة.

ومن أجمل المفارقات أن انتقال البن إلى جاوة لم يمحُ اسم المخا، بل وضعه إلى جوار اسم الجزيرة الإندونيسية في واحد من أشهر المزائج التاريخية للقهوة: (Mocha–Java). كان التجار يمزجون القهوة اليمنية القادمة عبر المخا بالقهوة المزروعة في جاوة، فاجتمعت في الفنجان منطقتان تفصل بينهما آلاف الكيلومترات. ولم يكن الاسم في جوهره وصفة بقدر ما كان خريطة تجارية قابلة للشرب: المخا من اليمن وجاوة من إندونيسيا. أما سر نجاح المزيج فكان في التكامل بين شخصيتين حسيتين مختلفتين؛ فالحموضة والإيحاءات الفاكهية والكاكاوية المعقدة التي ارتبطت تقليدياً ببعض أنواع البن اليمني كانت تجد ما يوازنها في القوام الأثقل والامتلاء والنبرات الأرضية والتوابلية التي ميزت أنواعاً من بن جاوة. بذلك لم يكن المزج مجرد خلط عشوائي لمحصولين، بل صار نموذجاً مبكراً لفكرة ما نسميه اليوم تصميم المزيج، حيث تُجمع أنواع مختلفة لأن كلاً منها يكمل ما ينقص الآخر. ولهذا بقي اسم (Mocha–Java) حياً في ثقافة القهوة زمناً طويلاً، حتى بعد أن تغيرت مناطق الإنتاج وطرق المعالجة وأذواق المستهلكين.

ما علاقة المخا بالشوكولاته؟

ثم نصل إلى اللغز الذي ربما يهم القارئ الحديث أكثر من غيره: ما علاقة المخا بالشوكولاتة؟

إذا دخلنا اليوم مقهى وطلبنا «موكا»، فسنحصل في الغالب على الإسبريسو ممزوجاً بالحليب والشوكولاتة، ولذلك أصبح من السهل الاعتقاد بأن كلمة Mocha كانت منذ البداية تعني «قهوة بالشوكولاتة». غير أن التاريخ أكثر التواءً وإثارة. فقد ارتبطت بعض أنواع البن اليمني في أوصاف التذوق بإيحاءات طبيعية تذكّر بالكاكاو والشوكولاتة الداكنة، ثم تطورت ثقافة إعداد القهوة في أوروبا وأميركا خلال القرون التالية وظهرت وصفات تجمع القهوة بالشوكولاتة فعلياً. ومع مرور الوقت، تداخل الاسم الجغرافي القديم مع هذا العالم الجديد من النكهات والوصفات، حتى أصبحت كلمة Mocha في الاستخدام المعاصر تشير في المقام الأول إلى المشروب الذي يجمع القهوة بالشوكولاتة. وهنا تكمن المفارقة: المدينة التي أعطت اسمها للقهوة انسحبت تدريجياً من ذاكرة المستهلك، بينما بقي الاسم منتشراً أكثر من أي وقت مضى. لقد نجا اللفظ، لكن معناه هاجر بعيداً عن موطنه.

إقرأ على موقع 180  "فورين أفيرز" عن "النرجسية الأميركية": لست معنا.. أنت ضدنا!

ولم تتوقف رحلة القهوة عند انتقالها من ميناء إلى آخر، لأن وصولها إلى أوروبا في القرن السابع عشر حمل معه أيضاً نموذج المقهى بوصفه فضاءً اجتماعياً وفكرياً. ظهرت المقاهي في لندن وباريس وفيينا ومدن أخرى، وأصبحت أماكن يلتقي فيها التجار والكتاب والعلماء والسياسيون، وتُقرأ فيها الصحف وتناقش الأخبار وتُعقد الصفقات وتتداول الأفكار الجديدة. ومن المغري أن نقول إن القهوة صنعت عصر التنوير أو أشعلت الثورة العلمية، غير أن مثل هذا التفسير يختزل التاريخ في مشروب، والتاريخ أعقد بكثير من ذلك. لكن الأصح أن المقهى أسهم في توفير بنية اجتماعية مناسبة للنقاش وتبادل المعرفة: مكان يستطيع المرء أن يجلس فيه طويلاً، يقظاً بفضل الكافيين، قارئاً أو كاتباً أو مستمعاً أو مجادلاً. وهكذا دخلت القهوة في تكوين المجال العام الحديث، لا كسبب وحيد له، بل كجزء من منظومة اجتماعية وثقافية جديدة جعلت الاجتماع حول الأفكار عادة يومية.

والمفارقة الكبرى أن اليمن، الذي كان يوماً إحدى العقد الأساسية في شبكة القهوة العالمية، أصبح اليوم منتجاً صغيراً إذا قيس بحجم إنتاج دول مثل البرازيل وفيتنام وكولومبيا وإثيوبيا. إلا أن قياس أهمية البن اليمني بالطن وحده يفوّت جوهر القصة، لأن قيمته المعاصرة تكمن أكثر فأكثر في الخصوصية لا في الكمية. فما زالت أشجار البن في مناطق يمنية كثيرة تنمو على مدرجات حجرية معلقة فوق الوديان، داخل مزارع صغيرة ترعاها العائلات وتعتمد على موارد مائية محدودة وعلى خبرة تراكمت عبر أجيال. وتنتج هذه الظروف حبوباً قد لا تتمتع دائماً بالتجانس الشكلي الذي تبحث عنه التجارة الصناعية الكبرى، لكنها تستطيع، إذا قُطفت وعولجت بعناية، أن تقدم أكواباً ذات شخصية يصعب استنساخها في مكان آخر. وهكذا أصبح ما كان يمكن أن يبدو في منطق السوق التقليدية ضعفاً ــ صغر الإنتاج، واختلاف المحاصيل، وصعوبة البيئة ــ مصدراً محتملاً للقيمة في عالم القهوة المختصة الذي يبحث تحديداً عن التفرد والمنشأ والهوية.

غير أن الاحتفاء بهذا التراث لا ينبغي أن يحجب واقعه الصعب. فالحرب وعدم الاستقرار أضعفا البنية التحتية ورفعا تكاليف النقل والتصدير، فيما يمثل شح المياه تحدياً وجودياً في بلد يعاني أصلاً ضغوطاً مائية شديدة. ويضاف إلى ذلك منافس محلي قوي هو القات، الذي يمكن أن يوفر للمزارع عائداً أسرع وأكثر انتظاماً من البن، ولذلك حلّ تدريجياً محل أشجار القهوة في بعض المناطق، مع ما يترتب على ذلك من ضغط إضافي على الموارد المائية والأراضي الزراعية. وهنا يصبح الحديث الرومانسي عن «إنقاذ تراث القهوة اليمنية» غير كافٍ إذا لم يُترجم إلى معادلة اقتصادية حقيقية. فلا يمكن أن نطلب من مزارع يعيل عائلة أن يختار البن لأنه جميل تاريخياً إذا كان محصول آخر يمنحه دخلاً أكثر أمناً. التراث الذي لا يستطيع أن يوفر حياة كريمة لمن يحمله يتحول، عاجلاً أو آجلاً، إلى ذاكرة.

ذاكرة قهوة “المخا” القوية.. من أيقظها؟

في هذا السياق، اكتسبت حركة القهوة المختصة أهمية استثنائية بالنسبة إلى اليمن خلال السنوات الأخيرة. فقد أعادت مبادرات محلية ودولية، إلى جانب محمصين وتجار متخصصين، النظر إلى البن اليمني باعتباره محصولاً ذا قيمة يمكن رفعها عبر الجودة والتتبع بدلاً من المنافسة في الحجم. وأصبح الاهتمام ينصب على القطف الانتقائي للثمار الناضجة، وتحسين التجفيف والتخزين، وفصل المحاصيل بحسب القرية أو المزرعة أو الارتفاع، وتقصير المسافة الاقتصادية بين المزارع والمستهلك. وبدلاً من أن تختفي حبوب منطقة جبلية يمنية داخل شحنة تجارية مجهولة المصدر، أصبح من الممكن أن تصل إلى المستهلك وهي تحمل اسم القرية التي زُرعت فيها وتفاصيل معالجتها وارتفاع مزرعتها. وهذا التحول أكثر عمقاً مما يبدو، لأنه يعيد توزيع جزء من القيمة من السلعة المجهولة إلى المكان والإنسان اللذين أنتجاها. وقد ساعد ذلك بالفعل على وصول محاصيل يمنية إلى مراتب مرتفعة في مسابقات التذوق والمزادات المتخصصة، وأعاد إلى الأذهان حقيقة أن اليمن قد لا يستطيع منافسة المنتجين الكبار في الكمية، لكنه يستطيع المنافسة في شيء يصعب كثيراً نسخه: الهوية.

وتزداد أهمية هذه الهوية حين ننتقل من التاريخ والاقتصاد إلى علم النبات نفسه. فقرون من زراعة البن في وديان ومرتفعات متباعدة نسبياً تركت في اليمن تنوعاً وراثياً وزراعياً لافتاً، وتنتشر بين المزارعين أسماء محلية مثل العديني والمطري والدويري والتفاحي وغيرها. وليس من الدقة افتراض أن كل اسم شعبي يقابل بالضرورة سلالة وراثية محددة ذات حدود واضحة، لأن العلاقة بين التسميات المحلية والبنية الجينية أكثر تعقيداً، لكن المؤكد أن اليمن يحتفظ بجزء مهم من تنوع البن العربي المزروع. وقد تتحول هذه الحقيقة من مسألة تهم الباحثين إلى قضية تهم كل من يشرب القهوة، لأن التغير المناخي يهدد بالفعل مناطق واسعة من زراعة نبتة Coffea arabica حول العالم. ومع ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الأمطار وانتشار الأمراض والآفات، يصبح البحث عن نباتات تستطيع التكيف مع ظروف أكثر قسوة جزءاً من معركة الحفاظ على مستقبل القهوة نفسها. ومن يدري؟ ربما تحمل أشجار تعلمت عبر أجيال طويلة كيف تعيش في جبال اليمن الجافة بعض الصفات التي سيحتاج إليها العالم في العقود المقبلة.

وهكذا، حين نعود إلى السؤال الأول ــ كيف استطاعت مدينة يمنية صغيرة أن تترك اسمها في ملايين المقاهي حول العالم؟ ــ نجد أن الإجابة أكبر بكثير من قصة نجاح تجاري. لقد وجدت المخا نفسها، في لحظة تاريخية استثنائية، عند ملتقى الجغرافيا والزراعة والدين والتجارة والإمبراطوريات والثقافة. جاءت الشجرة من مرتفعات القرن الأفريقي، وفي اليمن نضجت ثقافة الشراب، ومن ميناء المخا خرج البن إلى شبكات التجارة الدولية، ثم انتقلت أشجاره إلى الهند وجاوة، واتسعت زراعته عبر العالم، وظهرت المقاهي الأوروبية، وتغيرت طرق التحضير، وأعيد تفسير الاسم مرة بعد مرة حتى انتهى إلى مشروب بالشوكولاتة لا يكاد معظم شاربيه يعرفون شيئاً عن المدينة التي منحته اسمه. وبين نقطة البداية ونقطة النهاية تغيّر كل شيء تقريباً، إلا الكلمة.

ولذلك يمكن النظر إلى كلمة «موكا» بوصفها شيئاً يشبه حفرية لغوية حية؛ أثراً صغيراً من عالم قديم بقي مغروساً داخل الحياة الحديثة. ملايين البشر ينطقون كل يوم اسم مدينة يمنية ربما لم يسمعوا بها قط، ويطلبون مشروباً لا يعلمون أن اسمه يقود إلى ميناء كان قبل قرون إحدى البوابات الكبرى التي عبرت منها القهوة إلى العالم. تغيرت طرق التجارة، وصعدت إمبراطوريات وسقطت أخرى، وانتقلت مزارع البن من اليمن إلى آسيا ثم إلى الأميركيتين، وتحوّل المقهى من مجلس عثماني إلى مؤسسة أوروبية ثم إلى سلسلة عالمية تحمل أكوابها في كل مطار وشارع تقريباً؛ ومع ذلك بقي اسم المخا حياً. ولعل هذا أحد أغرب أشكال الخلود التي يمكن أن تنالها مدينة: أن يخفت حضورها على خرائط القوة والتجارة، لكنها تظل موجودة في لغة البشر.

وحين نطلب في المرة المقبلة فنجان «موكا»، ربما لن يكون من السهل أن نراه بالطريقة نفسها. خلف الإسبريسو والحليب والشوكولاتة تمتد جبال ومدرجات حجرية وقوافل وسفن وصوفيون وتجار ومزارعون ورحلات قطعت البحار، ويختبئ ميناء صغير على البحر الأحمر حمل ذات يوم أكياس البن إلى العالم. وربما تكون المفارقة الأجمل في الحكاية كلها أن القهوة التي نلجأ إليها كل صباح كي نستيقظ تحمل في اسمها ذاكرة تاريخية ظلّت قروناً تنتظر من يوقظها.

Print Friendly, PDF & Email
مازن الغول

كاتب وباحث لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  ما بعد هجوم الحُديدة.. معادلة جديدة مضبوطة أمريكيا وإيرانياً!