أولاً؛ إعادة تعريف الصراع غير المتكافئ
تستند استراتيجية “أنصار الله” (الحوثيون)، في جوهرها، إلى القاعدة الأهم في الحروب غير المتكافئة (Asymmetric Warfare): ليس مطلوباً من الطرف الأضعف عسكرياً أن يهزم خصمه الأقوى ميدانياً، بل يكفيه أن يمنعه من تحقيق أهدافه ضمن الوقت والكلفة والشروط التي يحددها.
في الحروب التقليدية، يُقاس النصر بتدمير قوات الخصم واحتلال أراضيه. أما في نموذج البحر الأحمر، فإن النجاح الحوثي يُقاس بالقدرة على الاستمرار في فرض حالة من عدم الاستقرار، واستنزاف الموارد الدفاعية للطرف الآخر.
وتنطبق على هذه الحالة المقولة الشهيرة لهنري كيسنجر حول حرب العصابات: «الجيش النظامي يخسر إذا لم ينتصر، بينما المقاتل غير النظامي ينتصر إذا لم يُهزم».
فمجرد استمرار القدرة على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، برغم الاستهداف المتكرر، يمنح الحركة مكاسب سياسية ومعنوية، حتى من دون تحقيق حسم عسكري تقليدي.
ثانياً؛ «الجغرافيا المحدّثة» ونقطة الاختناق الاستراتيجية
قدمت التجربة اليمنية تعديلاً مهماً على بعض مفاهيم القوة البحرية الكلاسيكية (Naval Power) التي ارتبطت بمنظّرين مثل ألفرد ثاير ماهان، حيث كان التأثير البحري يُربط تقليدياً بامتلاك أساطيل ضخمة وسفن حربية متطورة، قادرة على فرض سيطرة بحرية واسعة.
أما نموذج الحوثيين في البحر الأحمر، فيعتمد على معادلة مختلفة: صواريخ باليستية، وطائرات مسيّرة، وزوارق غير مأهولة، مع الاستفادة من السيطرة البرية على شريط ساحلي محاذٍ لنقطة اختناق استراتيجية.
ولم يكن المطلوب إغلاق الممر المائي بالكامل، بل رفع مستوى المخاطر إلى الحد الذي يدفع شركات الشحن والتأمين إلى إعادة حساباتها.
وهنا تكمن نقطة التحول.
فالتجارة البحرية لا تُدار بمنطق السيطرة العسكرية فقط، بل أيضاً بمنطق المخاطرة والكلفة. وعندما ترتفع احتمالات الإصابة أو التعطيل، تتجه شركات ملاحة إلى تحويل مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح، بما يعني إطالة مدة الرحلات، وزيادة استهلاك الوقود، وارتفاع كلفة التأمين والشحن، وانعكاسات إضافية على أسعار السلع وإيرادات الموانئ وقناة السويس.
وبذلك، يصبح الإرباك الجزئي للممر قادراً على إنتاج أثر اقتصادي يفوق بكثير الكلفة العسكرية المباشرة للهجوم.
ثالثاً؛ معادلة التكاليف غير المتناسبة: من الردع إلى الإكراه
تتجلى الفجوة في معادلة التكاليف بين الوسائل الهجومية والدفاعية.
فالهجوم بطائرة مسيّرة أو صاروخ منخفض الكلفة نسبياً قد يستدعي استخدام صواريخ دفاع جوي من طراز Aster أو Standard، تصل كلفة بعضها إلى ملايين الدولارات، فضلاً عن الكلفة التشغيلية المرتفعة للقطع البحرية والطائرات الحربية ومنظومات الاستطلاع والإنذار.
وهكذا تبدأ دورة الاستنزاف بهجوم منخفض الكلفة نسبياً، لتقابله استجابة دفاعية باهظة، فتكون النتيجة استمرار استنزاف الموارد العسكرية والاقتصادية للطرف الآخر.
وعلى صعيد النظرية السياسية، انتقلت الحركة من مفهوم الردع (Deterrence)، أي منع الخصم من استهدافها أو فرض كلفة عليه، إلى محاولة ممارسة الإكراه (Coercion)، وفق المعنى الذي طوّره توماس شيلينغ، من خلال ربط حرية الملاحة بملفات سياسية أخرى، وفي مقدمها حرب غزة والصراع الإقليمي، تحت شعار «وحدة الساحات».
غير أن للإكراه حدوداً استراتيجية واضحة.
فالقدرة على التعطيل ورفع الكلفة لا تعني بالضرورة القدرة على فرض تسوية سياسية شاملة أو إلزام القوى الكبرى بتلبية جميع الشروط.
رابعاً؛ العامل الإيراني والمحركات المحلية
تستند القدرات التسليحية والتكتيكية للحركة، بدرجات مختلفة، إلى دعم إيراني يشمل الخبرة والاستشارات ومكونات مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وهو ما ينسجم مع استراتيجية إيرانية أوسع تقوم على توزيع نقاط الضغط الإقليمية.
لكن اختزال الحركة في كونها مجرد «وكيل» (Proxy) يغفل أبعاداً ثلاثة:
-البعد الأول هو الجذور الاجتماعية والسياسية، إذ تمتلك الحركة بنية تنظيمية وقاعدة عقائدية وتاريخاً محلياً تشكّل خلال ست حروب متتالية بين عامي 2004 و2010.
-البعد الثاني، هو هامش القرار المحلي. فمصالح الحركة تتقاطع مع الاستراتيجية الإيرانية، لكنها لا تتطابق معها بالضرورة في كل التفاصيل، إذ تحتفظ الحركة بحساباتها المرتبطة بالسلطة والنفوذ وموازين القوة داخل اليمن.
-البعد الثالث هو صعوبة الردع. فالتعامل مع الحركة بوصفها فاعلاً مسلحاً غير حكومي يجعل آليات التفاوض والردع التقليدية، التي قد تُستخدم مع دولة مثل إيران، غير كافية لضبط جميع سلوكياتها على الأرض.
خامساً؛ حدود الضربات الجوية وإشكالية الحسم
تكشف صعوبة إنهاء ما يُسمى “التهديد الحوثي” عبر الضربات الجوية التي تستهدف البنية التحتية والمنصات التكتيكية حدود القوة الجوية في مواجهة فاعلين غير نظاميين.
ويرتبط ذلك بعدة عوامل:
-العامل الأول هو الطبوغرافيا المعقدة لليمن، بما توفره الطبيعة الجبلية من إمكانات لإخفاء المنصات وتخزين السلاح داخل الأنفاق والمخابئ.
-العامل الثاني، مرونة منصات الإطلاق، إذ تعتمد الحركة على وسائل صغيرة وسريعة الحركة يصعب تتبعها استخباراتياً بصورة دائمة.
-العامل الثالث هو غياب البديل البري القادر على الحسم. فالحسم الميداني يتطلب قوة برية متماسكة وموحدة، وهو ما لا يتوافر في ظل الانقسامات السياسية والمؤسسية والعسكرية بين خصوم الحوثيين المحليين.
وهذا يفسر الفجوة بين القدرة على توجيه ضربات قوية وبين القدرة على إنهاء التهديد بصورة دائمة.
سادساً؛ السيناريوهات المستقبلية
يمكن تصور أربعة مسارات رئيسية للمشهد المقبل:
الأول؛ الاحتواء المستنزف: استمرار الضربات والاعتراضات البحرية من دون حسم، بما يبقي البحر الأحمر في حالة توتر ويواصل فرض كلفة على التجارة الدولية والاستقرار الإقليمي.
الثاني؛ التهدئة المرتبطة بالتسويات الإقليمية: انخفاض التوتر في البحر الأحمر بالتوازي مع وقف إطلاق النار في غزة أو التوصل إلى تفاهمات اميركية ـ إيرانية، بما يمنح الحركة فرصة لتحويل رصيدها العسكري إلى مكسب سياسي.
الثالث؛ التوسع نحو مواجهة شاملة: انزلاق الصراع الإقليمي إلى مواجهة مباشرة أوسع بين إيران وخصومها، بما يحوّل اليمن إلى واحد من المسارح الرئيسية للضربات المتبادلة.
الرابع؛ صفقة يمنية ـ إقليمية مباشرة: ربط تهدئة البحر الأحمر بتسوية أوسع للملف اليمني تشمل الرواتب والموانئ وهيكلة السلطة ومستقبل السلاح، وهو المسار الأكثر قابلية للاستدامة، لكنه أيضاً الأكثر تعقيداً.
خاتمة
أثبتت التجربة اليمنية أن توظيف الجغرافيا والتكتيكات منخفضة الكلفة يمكن أن يمنح فاعلين محليين قدرة على إعادة ترتيب أولويات قوى كبرى وفرض أنفسهم على جدول الأعمال الدولي.
لقد نجح الحوثيون في قلب جزء من الحسابات التي قامت على إمكان عزل الصراعات المحلية عن الممرات الاستراتيجية العالمية.
لكن هذا النجاح يبقى، في جوهره، نجاحاً في التعطيل وفرض الكلفة أكثر منه نجاحاً في بناء نظام سياسي مستقر.
فالتعطيل يمنح نفوذاً وضغطاً سياسياً، لكنه لا يبني، بمفرده، دولة عادلة، ولا يضمن استقراراً راسخاً ومستداماً لليمن أو للمنطقة.
