يبرز "الردع الممتدّ" في دراسة تجربة إيران والمقاومة في لبنان والحشد الشعبي في العراق وأنصار الله في اليمن، خلال الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران كأحد أبرز التحولّات في بنية الصراع الإقليمي في غرب آسيا.
يبرز "الردع الممتدّ" في دراسة تجربة إيران والمقاومة في لبنان والحشد الشعبي في العراق وأنصار الله في اليمن، خلال الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران كأحد أبرز التحولّات في بنية الصراع الإقليمي في غرب آسيا.
في لحظةٍ تتشابك فيها خطوط الاشتباك بين إيران والولايات المتحدة، ينهض اليمن كعقدةٍ استراتيجية تُدار فيها التوازنات ببراغماتية حادة. تحت هذا السقف، تتقدم مفاوضات بين حركة "أنصار الله" والمملكة العربية السعودية نحو مراحل متقدمة، مدفوعة بمسار إقليمي أوسع يرتبط بالتفاهم الذي انطلق بين الرياض وطهران في بكين (الصين) مطلع عام 2023، وهو تفاهم أعاد ترتيب أولويات الاشتباك في أكثر من ساحة.
لم تكن الجولة الأولى من المفاوضات الأميركية-الإيرانية في إسلام آباد حدثاً عادياً يمكن قياسه بمنطق الربح والخسارة المباشرين أو التعادل السلبي. فهذه المفاوضات، التي جاءت بعد حربٍ مدمّرة استمرت أربعين يوماً ولامست تداعياتها معظم الإقليم والعالم، لم تكن في جوهرها محاولة سريعة لإنهاء الصراع، بقدر ما كانت اختباراً أولياً لميزان القوى الحقيقي بين طرفين يقرآن نتائج الحرب بشكلٍ متناقض تماماً، لكن الأهم من نتيجة الجولة الأولى ليس ما انتهت إليه، بل ما فتحته من أسئلة: هل نحن أمام استراحة قصيرة تسبق جولة تصعيد جديدة؟ أم أن هذه البداية المتعثّرة ستقود، تدريجياً، إلى مسار تفاوضي أكثر واقعية؟
ليس مبالغة القول إن مقاربة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران بوصفها تعبيراً عن أزمة أعمق في منظومة عالمية مأزومة، تُبرّرها عوامل الترابط والتفاعل الجيوسياسية والجيواقتصادية، ومنها موقع إيران المحوري واحتياطات الطاقة وممراتها والتي تجعلها لاعباً حاسماً في سياسات الطاقة العالمية.
يرى الباحثان الإيرانيان آرش رئيسي نجاد وأرشام رئيسي نجاد، في مقال مشتركة بمجلة "فورين بوليسي"، أن الحرب مع إيران لا يمكن اختزالها في التفوق العسكري والتكنولوجي، رغم ما تمتلكه الولايات المتحدة وإسرائيل من قدرات متقدمة وهيمنة جوية واستخباراتية، إذ يبقى العامل الحاسم عنصرًا أعمق: الجغرافيا؛ فموقع إيران، بجبالها وعمقها الاستراتيجي وقربها من ممرات حيوية مثل مضيق هرمز، يمنحها قدرة على الصمود وإطالة أمد الصراع وفرض كلفة متزايدة على خصومها..
إنّ نتائج حرب كتلك الدّائرة اليوم في الإقليم لا يمكن، بطبيعة الحال، مقاربتها بالعاطفة، ولا من خلال القناعات والانحيازات الأيديولوجية المسبقة. كما أنّها لا تُقرأ بسطحية خطاب ترامب مثلاً، ولا تُقاس بمنطق الربح والخسارة المباشرَين عادةً.. بل من خلال قراءة نسبيّة، مركّبة، عميقة - وهادئة طبعاً - تأخذ في الاعتبار الوقائع الفعلية، والتّحوّلات الواقعيّة التي فرضتها هذه الحرب على الأرض وفي السياسة وفي موازين الرّدع والقوّة.
يقول الكابتن ميللر في فيلم Saving privat Rayan أو "إنقاذ الجندي ريان"، وهو يُحتضر بعد إصابة بالغة في الحرب العالمية الثانية: "الحرب تجعلُ الحياة نفسَها دَيْنًا أخلاقيًا ثقيلًا على من ينجو منها".
دخل العدوان الأميركي «الإسرائيلي» على إيران أسبوعه الثالث، وتمددت نيرانه إلى معظم دول المنطقة بنسب مختلفة بين دولة وأخرى، ولكن الحصة الأكبر كانت من نصيب لبنان، حيث تشير كل الاعتداءات «الإسرائيلية» إلى أن الهدف الأساسي حاليًا هو تهجير ما أمكن من سكان قرى الجنوب ومدنه لإفراغها، فيما أعلنت القيادة العسكرية «الإسرائيلية» إطلاق حملة برية قالت إنها ستكون محدودة. أمام هذا المشهد يتساءل الكثير من المراقبين عن الموقفين الصيني والروسي حيال هذا العدوان ضد أقرب حليف لهما، وإلى أي مدى سيتواصل هذا العدوان؟
لم تعد الحروب التي يشهدها الشرق الأوسط اليوم مجرد مواجهات عسكرية بين أطراف إقليمية متنازعة، بل باتت جزءاً من مشهد أوسع يعكس التحولات العميقة التي يمر بها النظام الدولي. فالمواجهات الدائرة في المنطقة تكشف عن طبقات متعددة من الصراع: طبقة ظاهرة تتجسد في العمليات العسكرية المباشرة، وأخرى أعمق تتعلق بإعادة توزيع القوة والنفوذ بين القوى الكبرى في العالم.
دخل العدوان الأميركي – «الإسرائيلي» على إيران أسبوعه الثاني وسط تمدد نيرانه، ليس فقط إلى دول الجوار في الخليج العربي، بل أيضاً إلى لبنان وقبرص عند العتبة الأوروبية. وبدأت أسعار النفط والغاز تتصاعد بوتيرة قياسية (لامست عتبة الـ120 دولاراً)، لتجرّ الاقتصاد العالمي تدريجياً إلى حالة من عدم الاستقرار، منذرة بكوارث قد تطال الكثير من الدول. وسط هذه الأجواء يبرز السؤال المشروع: إلى أين تتجه هذه الحرب، وكيف يمكن أن تنتهي؟